الشوق إلى الموت: سببه وهل هو رغبة إيجابية أم مؤشر للاكتئاب؟

جدول المحتويات
هل الشوق إلى الموت رغبة إيجابية أم سلبية؟

هل الشوق إلى الموت رغبة إيجابية أم سلبية؟

هل ترى الموت مخيفًا؟ هل أنت من الذين يخشون الموت ويهربون منه، أم من الذين يتحدثون عنه بسلام دون خوف؟ ما هو الخوف من الموت؟ ولماذا يتوق البعض إليه بينما يخشاه آخرون؟ إن جذر هذا الاختلاف يكمن في عاملين أساسيين: طبيعة إدراك الأفراد للموت، ودرجة سلامة قلوبهم. ولتوضيح الأمر، لنتصور أن جارك قد أودع عندك وعاءً ثميناً، لكنك، لسبب أو لآخر، لوّثته بالنجاسة أو أسقطته فكسرته. فهل ترغب في هذه الحالة بلقاء صاحب الأمانة وإعادة الوعاء إليه؟ من البديهي أنك ستتجنبه وتتشبث بأي وسيلة للحيلولة دون مواجهته، وذلك بدافع الخجل أو الندم. يكمن جذر هذا الاختلاف في كيفية إدراك الأفراد للموت، بالإضافة إلى مستوى سلامة قلوبهم.

تخيل أن جارك أعطاك وعاءً ثمينًا لتحافظ عليه، لكن لسبب ما امتلأ الوعاء بقذارة أو انكسر. هل ستجرؤ على إعادته إليه؟ بالطبع لا، بسبب الخجل أو الندم، ستتجنب مواجهته. هذا هو سبب خوف معظم الناس من الموت. إن أعظم أمانة في حياتنا هي روح الله، والتي أودعها الله فينا عند الخلق، وتُسمى النفس أو القلب. نحن مجرد أمناء على هذه الأمانة العظيمة، وواجبنا خلال الحياة هو تنقية قلوبنا من شوائب وأمراض عقائدية وأخلاقية، وبذل كل جهد لجعلها تشبه الله، حتى نعيد هذه الأمانة سليمة وكاملة إلى صاحبها.

أمانة القلب!

من يصل خلال حياته إلى التشابه والتوافق مع صفات الله وأخلاقه، يصبح مسرورًا ومبتهجًا بالأمانة التي بين يديه، ويتوق إلى العودة إلى أحضان الله، فيغلي فيه الشوق إلى الموت. مثل هذا الشخص يتمكن خلال حياته، من خلال تربية نفسه وتحقيق التوازن في جوانب وجوده الدنيا، من الأُنس والالفة مع الله، بوصفه معشوق جانبه الإنساني. يرتبط قلبه بالله، ويتوق إلى إخراج هذه العلاقة الحلوة من ضيق الدنيا إلى عالم واسع لا حدود له، ليلتحق بالله ويعيش معه في سلام. يُسمى هذا الشخص “مؤمنًا”، وإيمانه ناتج عن سکینة ناتجة عن الإيمان بالآخرة والأبدية. يؤمن بوجود حياة أبدية وحساب، لذا يرتب اختياراته وعلاقاته وأفكاره بناءً على هذا الاعتقاد، ويعيش في سلام.

يسعى المؤمن دائمًا إلى عدم الانغماس في جوانب وجوده الدنيا، وعدم الانشغال برغبات متكررة ومختلفة لمحبوبات هذه الجوانب. يذكّر نفسه دائمًا بحیاته الأبدية، فلا ينشغل بهموم وقلق محدود، ولا تعيقه خسائر ونقص الحياة، ويمر ببساطة على كل شيء. لا تعيق مشاكل كبيرة وصغيرة حركته السليمة نحو الآخرة، بل تصبح منصة انطلاق وفرصة لنمو نفسه.

ينشأ الشوق إلى الموت فيمن اطمأن قلبه إلى الجنة، وعلم أنه لا يوجد في قلبه مرض أو عدوى مهلكة يمكن أن تخلق له جحيمًا. هذه الحالة تجعله مثل برادة الحديد التي تجذبها المغناطيس، فيتوق بشدة إلى الولادة في البرزخ والالتحاق بمعشوقه. الشوق إلى الموت هو ثمرة وفاء أمانة صحيح لأعظم أمانة في الحياة، والرغبة في إعادة هذه الأمانة إلى صاحبها، أي الله.

من أهم ثمار الاستعداد للموت هي السرور والسکینة في قلب الإنسان. الاستعداد للموت هو دافع فعال يدفع الإنسان لعلاج أمراض قلبه، ويزيل كل آلامه وضيقه، ويعدنا للولادة السليمة في البرزخ. بعد کل هذه الأوصاف، قد تتساءل: كيف يمكننا أن نطور هذا الاستعداد والشوق إلى الموت؟ الإجابة المدهشة هي أننا يجب أن نقتل أنفسنا لنصل إلى قلب سليم. لا تسيء الفهم، نقصد بقتل أنفسنا قتل “الأنا الطبيعية” لدينا. حتى نختبر أنواع الموت متكررا ومستمرا في الدنيا، لا يمكننا تذوق حلاوة الشوق إلى الموت. لكن أي موت؟ وكيف؟ وهل يمكننا قتل أنفسنا؟ وما هو الموت أصلًا؟ لمعرفة الإجابة على هذه الأسئلة، تابع معنا.

أفضل طريقة للحفاظ على أمانة القلب

قد يبدو غريبًا أو حتى مضحكًا إذا قلنا لشخص ما: “اقتل طفلا أُودع عندك أمانةً”. لأننا حتى الآن قلنا إنه لا يجوز المساس بالأمانات. هذا صحيح، هذه القاعدة تنطبق على جميع الأمانات، باستثناء أعظم أمانة في الحياة، وهي قلوبنا. قد تتساءل: هل من الممكن أن نساعد شخصًا بقتله؟ الإجابة على هذا السؤال تعتمد على فهمنا لمفهوم الموت. ليس كل موت يعني النهاية أو الفناء، بل رُب حياة تنشأ من الموت. أكبر مثال على ذلك هو الموت في الجانب الطبيعي من وجودنا.

يختلف مفهوم “الموت” هنا عن الصورة النمطية المترسخة في الأذهان. ففي سياق العناية بالقلب والسعي لتحقيق طهارة النفس والوصول إلى قلب سليم، يُقصد بـ “الموت” مخالفة صارمة ومستمرة للرغبات والأوامر الدقيقة التي تصدر باستمرار عن جوانبنا الوجودية الدُنيا. ولعل من المثير للاهتمام أن ندرك أن صفاء القلب ونقاءه يستلزمان خوض صراع مع فطرتنا المادية، يتطلب منا أن نقف درعاً في وجه مطالب متكررة لا تنتهي، صادرة عن “محبوبات” أجزائنا الدنيا، لنتعلم كيف نقول لها: “لا”. فكل إجابة سلبية لتلك المطالب تُعد بمثابة “موت” لذلك الميل. والمثير حقاً أن مستوى قوة ونماء ونشاط الإنسان يتناسب طردياً مع عدد أنواع الموت التي يتحملها في هذا الطريق. بطبيعة الحال، يعقب كل مقاومة أولية وتحدٍ لتلك الرغبات قدر من الأذى والضغط النفسي، ولكن بالصبر والمداومة على هذا التمرين، وعدم الاكتراث لضجيج النفس ومحبوباتها، سننال السكينة والسرور بعد كل “موت” نُحققه.

إن تطهير القلب من شوائب أو حتى من “محبوبات زائفة” (علاقات تزاحم حب الله) هي مهمة شاقة وتستغرق وقتاً طويلاً. يجب أن نعي أن محبوبات المراتب الأربعة الدنيا من وجودنا، وكذلك قوى النفس المختلفة (كالحس، والخيال، والوهم، والعقل المادي)، لن تقف مكتوفة الأيدي لتفسح المجال لمحبوب المرتبة الإنسانية (وهو الله سبحانه) ليحتل قلوبنا. ومن الطبيعي أن تطلق هذه القوى صرخات استغاثة، وتتشبث بكل شيء، وتثير الخوف والقلق، بل وتحاول أن تسحب معها مُنقذها إلى الأسفل (كما يفعل الغريق). وإذا تحلينا بالشجاعة في ممارسة هذا النوع من أنواع الموت، فلن يعود شيء يؤذينا، وسنعيش حياة هانئة وسعيدة. فإذا كنا حقاً نسعى لسلامة القلب ورغبنا في إعادة هذه الأمانة إلى صاحبها سالمة، فعلينا أن نستقبل أنواع الموت هذه بصبر، ونتحملها، بل ونحبها؛ لأنها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، هي بمثابة “مضادات حيوية” قوية وفعالة تذهب إلى مواطن عدوى وميكروبات مرضية في قلوبنا وتقضي عليها واحداً تلو الآخر.

خذ مثلاً العين؛ فهي أشبه بكائن جائع لا يشبع ويرغب في كل ما يراه. والمشكلة هي أنها لا تقتنع بما يُقدّم إليها، بل تزداد شراهة ونَهَماً؛ فكلما رأت المزيد من صور مُستهجنة، زاد عطشها وتطلبت المزيد. وكلما رأت بضائع فاتنة في واجهات المتاجر، زاد الطمع وأثارت المزيد من شهوات في القلب. لذلك، يجب أن تُروّض العين بحيث لا تجعلنا أسرى لمحبوبات المراتب الدنيا، ولا تُقوّي فينا شهوة الجنس الآخر، ولا تُشعل فينا -عبر النظر المستمر إلى ملامح وأجساد الآخرين- هوس التجمّل واستجداء لفت الانتباه إلى درجة تستغرق فيها أفكارنا وأوقاتنا بهذه الهموم.

الشوق إلى الموت ثمرة موت تدريجي

یعتبر الشوق إلى الموت، ولادة جديدة إلى عالم البَرْزَخ ثم إلى الحياة الأبدية، ولا يستقر هذا الشوق في النفس إلا لمن تذوّق ألم “الموت” مراراً وتكراراً على مهل طوال حياته الدنيا. ويمكن تشبيه ذلك بحال فرد يعاني من زيادة الوزن، فيلجأ إلى نادٍ رياضي، ويتكبد مشقة حمية غذائية قاسية وبرنامجاً تدريبياً مُرهقاً. لقد قاوم هذا الشخص طويلاً كل إغراءات الحلوى، ووجبات دسمة، وأطعمة غير صحية، بل وحتى أطعمة سليمة  تتجاوز حده المسموح من السعرات الحرارية. لقد تحمل في تدريباته الرياضية ألماً عظيماً، ولكنه يدرك أن خلاصة هذه المقاومات، والمخالفات، والمثابرة هي شعور لا يُوصف بالرضا والسعادة والصحة. ففي كل مرة يقول فيها “لا” لشهوة عارضة، يكون قد جرّب “موتًا” صغيرًا، ومجموع هذه الميتات الصغيرة يضمن له النجاح والصحة في نهاية المطاف.

وكذلك هي قصة الإنسان وسلامة قلبه؛ فما لم يستطع الإنسان أن يُحدث “الموت” بنفسه وإرادته وشغفه تجاه مرئيات ومسموعات ومطعومات، وتفكرات، وتخيلات، وأوهام، وغيرها من ميول النفس، فلن يبلغ منزلة القلب السليم. إن الشوق إلى الموت هو دليل على أن الإنسان قد وصل إلى القلب السليم، وصار ينتظر بفارغ الصبر لقاء “المعشوق” (الله تعالى) الذي كان لسنوات عديدة حارساً، وراعياً، ومربّياً لأمانته. إن حال هذا الإنسان كـ “طفل” تجاوز آلام شد العظام وتمزقها في مرحلة النمو، ووصل الآن إلى سكون ونضج ما بعد البلوغ. فالمُزكَّى الذي نال قلب سليم قد عانى لسنوات من آلام “الميتات الصغيرة” للنفس، ولهذا لم يعد يشعر بأي خوف أو ألم من الموت؛ لأنه لم يتبقَّ في قلبه داء أو دنس مُقلق يمنعه من الالتحاق بزوج روحه الحقيقي، وهو الخالق سبحانه وتعالى.

اكتب رأيك