من هو الملعون؟ ما هي أهم صفاته وعلاماته؟
- هل أنت ممن يسابقون الزمن في طريق تزكية النفس والسير نحو الكمال الإنساني؟
- إلى أي مدى يهمك أن يكون يومك الحالي أفضل من يومك السابق؟
- هل تعلم من هو الملعون ولماذا هو مطرود من رحمة الله؟
كثيرًا ما نعتقد أن صفة “الملعون” تُطلق فقط على من ارتكبوا جرائم فضیحة، مثل الشياطين، والكفار، والمخفين للحقائق، والمعتدين على الله وأهل بيته (عليهم السلام)، والمفسدين في الأرض، والظالمين، والقتلة، الذين لعنهم الله جميعاً في القرآن الكريم. ولكن الحقيقة أن “اللعنة” تشمل دائرة أوسع بكثير مما نظن. ففي الثقافة الإسلامية، يُطلق على من يتباطأ في سيره نحو الله، ولا يتقدم قيد أنملة، صفة “المغبون”، بينما يُطلق على من يتراجع في مسيره صفة “الملعون”. وعليه، فإن من يكون يومه أسوأ من أمسه يعد ملعونًا أيضًا. [1] فكلمة “ملعون” مشتقة من “اللعن“، الذي يعني الابتعاد عن رحمة الله. ولكن لماذا يُحرم هؤلاء من رحمة الله؟
فرصة الحياة هي أعظم وأثمن رأس مال لدينا في هذه الحياة، وسنُسأل يومًا أمام الله عن كل لحظات عمرنا التي أضعناها في الغفلة والبطالة. فقد خلقنا الله لنكون خلفاءه في الأرض، فلا يليق بنا أن نهدر أعمارنا في اللهو واللعب والانشغال بالتوافه، كما يفعل الأطفال. المؤمن الحقيقي دائم السعي لإصلاح نفسه وتنمية أخلاقه ومعارفه الروحية والعقلية، وعليه أن يضع لنفسه خطة واضحة بحيث يكون يومه الجديد دوماً أفضل من السابق. في هذا الطريق، لا مجال للتأخير أو التوقف أو التراجع، لأن طبيعتنا الفطرية الراغبة في اللانهائية، تسعى دائمًا إلى التقدم، ولا تحتمل البقاء في الخلف. إن رحلتنا نحو الله تشبه تمامًا قيادة دراجة على طريق صاعد شديد الانحدار؛ إذا توقفنا عن الحركة ولو للحظة، فإن سقوطنا سيكون حتميًا!
لماذا يُحرم الملعون من رحمة الله؟
لفهم ماهية الملعون وأسباب حرمانه من رحمة الله، يتعين علينا استرجاع مفهوم ” قانون النسبة”. لقد ذكرنا أن العلاقة بين الدنيا والآخرة تشبه العلاقة بين رحم الأم والحياة الدنيوية. فالجنين في بطن أمه يمر بعملية تحوّل مستمر وصيرورة، حيث يكتسب في كل أربعين يومًا مرحلةً جديدة تؤهله للحياة في الدنيا. فهو ينمو ويتطور بشكل متواصل، ليكون جاهزًا للعالم الخارجي عند ولادته. تخيلوا الآن أن الجنين توقف عن النمو للحظة، أو فقد ما اكتسبه من خصائص، ماذا سيحدث له؟ بالطبع، لن يتشكل جسمه بما يتناسب مع ظروف الحياة في الدنيا، وسيعاني من مشاكل جمة بعد الولادة.
إن حركتنا نحو الآخرة تشبه تمامًا حركة الجنين في رحم الأم. فروح الإنسان في حالة صيرورة مستمرة، تتأثر بكل ما يدخل إليها من أفكار وأعمال ونوايا، فتأخذ شكلًا جديدًا يتناسب مع الحياة البرزخية. إذا كانت هذه المدخلات إيجابية، فإن الروح تنمو باتجاه الكمال، مما يجعلها مؤهلة للحياة الأبدية في نعيم الله. أما إذا كانت هذه المدخلات سلبية وسامة، فإن الرحلة نحو الخلود تتعطل، ويختل مسار الإنسان. بعبارة أخرى، الطريق إلى الله طريق صعود وشاق. لا يمكن التوقف فيه لفترة طويلة، ولا يمكن رفع القدم عن دواسة التقدّم. فالطريق يحتاج إلى السير بسرعة وثبات، بل إلى الانطلاق بقوة دون تردد. لقد خُلقنا لنسير نحو التشبّه بصفات الله والوصول إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض، مما يتطلب منا أن نكون من أهل السرعة[2] والسباق[3]. بل إن المجال الوحيد الذي يُسمح لنا فيه بالتنافس والتسابق بلا حدود هو التسابق في اكتساب قلب سليم والاقتراب من الله. أما من ينشغل بالمنافسة مع الناس في تحقيق الكمالات الدنيوية، فإنه يفقد جوهره الإنساني وهويته الحقيقية، وبدلًا من التقدّم نحو الله، يبدأ بالتراجع والعودة إلى الوراء. إن هذا الشخص من منظور الله ورسوله، يُعتبر ملعونًا؛ لأنه يبتعد يومًا بعد يوم عن الغاية التي خُلق من أجلها، وعن الله كمحبوبه الحقيقي. وأي خسارة أشد من أن يكون يوم الإنسان أسوأ من أمسه، فيعيش نادمًا متحسرًا على ماضيه؟!
للتقدم نحو الجنة، يجب أن نزداد كل يوم سعادةً وطمأنينةً، وأي شخص يفقد هدوءه لأتفه الأسباب أو ينهار أمام أبسط المصاعب، فهو في الحقيقة لا يسير في الطريق الصحيح، بل إمّا واقف في مكانه أو يتراجع إلى الخلف.
والآن، بعد أن اتضح لنا من هو الملعون، سننتقل إلى الحديث عن العوامل التي تجعل الإنسان يُحرم من رحمة الله ويُصبح من الملعونين.
الكسل والتراخي يقودان الإنسان إلى مرتبة الملعونين
من أهم الأسباب الرئيسية المؤدية إلى التوقف أو التراجع في السير نحو الله هو الكسل والتراخي في أداء الأعمال. فالكسل يجعلنا نقصر في واجباتنا تجاه الأسرة والمجتمع، ومن يكون كذلك، فهو ملعون في نظر الله وأهل البيت (عليهم السلام).[4] كما أن الكسل يجعلنا نؤجل أعمالنا باستمرار، فنقع في دوامة التسويف والمماطلة، بل إن الكثير من المشاكل التي نواجهها في علاقتنا الزوجية أو في تربية الأبناء ترجع إلى تكاسلنا في اكتساب المهارات اللازمة، سواء كانت مهارات تواصلية، أو عاطفية، أو اقتصادية أو روحية. والأسوأ من ذلك أنه كلما ازددنا كسلاً في أمور الدنيا، أصبحنا أكثر تكاسلاً في تزكية النفس والاهتمام بشؤون الآخرة. فعندما نقرر اتخاذ خطوة مصيرية، مثل التوبة والإقلاع عن معصية، أو تجاوز العقبات الروحية، أو تعزيز علاقتنا بالله، نجد أنفسنا نؤجل ذلك مراراً وتكراراً. ومع مرور الوقت، تتآكل شخصيتنا الروحية الحقيقية بسبب هذا التسويف، حتى نصبح في عداد الملعونين.
في هذا الدرس، شرحنا من هو الملعون، وبيّنّا أن من كان يومه أسوأ من أمسه يُعتبر ملعوناً في عين الله وبعيد عن رحمته. كما أشرنا إلى أن الكسل في مسيرة بناء الذات هو أحد أهم عوامل تؤدي إلى تأخير الأعمال، سواء في الدنيا أو الآخرة.
[1] النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): «…من كان غده شراً من يومه فهو ملعون… » (ورام، مسعود بن عيسى، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بمجموعة ورّام، قم، مكتبة الفقيه، بدون تاريخ، ج 2، ص 29)
[2] سورة آل عمران، آية 133
[3] سورة الحديد، آية 21
[4] النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): «مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ يَعُولُ» (من لا يحضره الفقيه ، ج 5، ص 270)