هل يوجد إنسان كامل؟ وما الفائدة من معرفته؟

جدول المحتويات
من هو الإنسان الكامل ومن أي حاجة في حياتنا تنشأ ضرورة معرفته؟

من هو الإنسان الكامل ومن أي حاجة في حياتنا تنشأ ضرورة معرفته؟

تناولنا في المقالات السابقة ضرورة وجود متخصص معصوم لتحقيق السعادة الفردية، و أكدنا أنه بالإضافة إلى الحاجة إلى خطة دقيقة وشاملة لتوجيه مسارنا في طريق الإنسانية، إننا بحاجة أيضا إلى خريطة لفهم المشاكل والتحديات وطرق اختصارات الطريق للسير فيه. لقد عرّفنا المتخصص المعصوم كنموذج، وتناولنا أهمية عصمته وضرورتها بناءً على الهدف الأسمى لخلق الإنسان. أكدنا أن هذا النموذج الإنساني الذي نتبناه، إلى جانب عصمته وتخصصه، ينبغي أن يكون مظهرا مثاليا تتجلى فيه كل صفات الله، والهدف الأصلي من خلقنا هو تحقيق هذه الصفات وتجسيدها في وجودنا. هذا النموذج المتخصص والمعصوم هو الإنسان الكامل الذي وصل إلى أعلى مستويات النمو الإنساني ونجح في تحقيق صفات خالقه بأكملها.

يمثل الإنسان الكامل نموذجًا لحياتنا، فيمكننا أن نبلغ به مرتبة الإنسان الكامل ومن خلال اتباعه نستطيع تحقيق درجات الكمال في مسار الإنسانية. بما أن الإنسان الكامل أو التام هو الرمز الوحيد للكمال الإنساني، يُمكن اعتبار محاكاته هدفًا وغاية للإنسان، إذ إن التشبّه به يكاد يكون نفس التشبه بالله. من خلال معرفتنا به والعيش في جوّه المليء بالسكينة، سوف ندرك أن قيمتنا الحقيقية هي أن نكون محظوظين بالاستمتاع بمكانته العالية المليئة بالحب والسلام الذي خلقنا الله من أجلها.

إن لم نتعرف عن الإنسان الكامل، فلن يكون أمامنا خيار غير إضاعة حياتنا القيمة و اتلافها في النظريات المختلفة المستمدة من مذاهب لا تعترف بشيء غير الحياة الدنيوية و لذائذها، وفي غيابه نكون تماما مثل جبل الماس يُستخدم لبناء الطوب والأسمنت! الإنسان الكامل هو الوحيد الذي باستطاعته استخراج الحقيقة الإنسانية من داخل وجود الإنسان و يُعرّفها له بكل جلاء.

لذلك، ولكي يجد كل فرد منا نفسه الحقيقية من بين الأفكار التائهة و الضارة والتعريفات المغلوطة التي يتم تقديمها من خلال تصنيفات مختلفة للإنسان، ولكي نصل إلى إدراك صحيح وتعريف دقيق لذاتنا لكي نصبح شبيهين بخالقنا، فإننا بحاجة إلى قدوة كاملة وشاملة للإنسانية. نحن بحاجة إلى مرشد يكون قد عرف جميع جوانب شخصيتنا ونجح في اجتياز اختبار تحقيق التوازن الإنساني واكتساب الصفات الإلهية، لكي يقودنا إلى معرفة حياتنا الرفيعة، بالإضافة إلى كيفية تطبيق هذا الفهم والوصول إلى المهارات الإنسانية.

إنّ المعصوم المتخصص أو الإنسان الكامل هو الذي يكون على دراية تامة بجميع جوانب وجودنا، سواء كانت أرضية أو سماوية، بفضل معرفته الإلهية، وهو يستعد لتلبية احتياجاتنا في أي مجال دون أدنى خطأ. إنه يأخذنا بيده ويقربنا من حبيبنا الحقيقي ويمنحنا السكينة والسرور والحب المستمر.

ولكن هل يقتصر حضور الإنسان الكامل وتأثيره على حياتنا الفردية فقط؟ وهل يمكن في الأساس تحقيق السعادة الفردية دون التطور وسعادة المجتمع؟

العالم بدون الإنسان الكامل

لقد قمنا ككائنات اجتماعية بتشكيل مجتمعات وحضارات متنوعة عبر العصور لضمان حياتنا. ولكن، لم يتسنّى القادة الإلهيين أن يساهموا في إدارة هذه المجتمعات وتنفيذ النظام والطريقة الإلهية. يمكن رؤية مثال بارز على ذلك على مدى أربعة عشر قرنًا منذ ظهور الإسلام، حيث لم تتجاوز مجموع السنوات التي كان فيها الإنسان الكامل مديرا للمجتمع البشري أكثر من عشرين عامًا[1]. كما أن الأمور لم تكن على نحو أفضل في الأديان السابقة للإسلام، حيث قامت الأمم بطرد قادتها الإلهيين أو عصيانهم، أو أنهم قاموا بقتلهم في كثير من الحالات[2]، أو أنهم في حال قبولهم للدين وسرعان ما غاب أو مات نبيهم، قاموا بالعودة إلى عاداتهم الجاهلية منحرفين عن السبيل متجاهلين المبادئ الإلهية.[3]

إنّ نتيجة إدارة المجتمع من قِبَل الأفراد غير المعصومين واضحة للغاية، يمكن تسليط الضوء على بعض منها على النحو التالي: تأويلات حسب آراء الناس، تفسيرات شخصية وتحريف للدين، وبناء أجواء الخوف الجاهل والباطل من الله والهروب من جوهر الدين، والنظرة السطحية إلى الوجود الإنساني، وتقديم تعاريف مادية وجنسية وعرقية تحط من قيمة الإنسان وتُخفِضه إلى درجة لا ترتبط بالعالم المعنوي، وتوجيه كل تجاربه وعواطفه عبر سيطرة هرمونات كيميائية. كما ظهرت تيارات تحدد سعادة الإنسان والمجتمع في إطار زمني محدود من الولادة إلى الوفاة، وصنعت منه موجودًا لا يفكر إلا في الاستفادة الجنسية والاقتصادية والأكل والنوم[4]. كل هذه الامثلة هي من النتائج الواضحة لغياب المتخصص المعصوم في قيادة الشؤون الاجتماعية.

الإنسان الكامل: نهاية العتمة

تعتبر استثمار ثروات البشر وموارد الله للشعوب الضعيفة من قِبَل الدول القمعية وتقسيم العالم إلى دول متقدمة وأخرى متأخرة، ثرية وفقيرة، محظوظة ومحرومة، ظالمة ومظلومة، سادة وعبيد، متكبرة و مستضعفة، كلها نتيجة لابتعاد المجتمعات البشرية عن القيادة الإلهية للإنسان الكامل وهدايته نحو الله. لقد أشارت جميع الديانات السماوية وحتى في الفلسفات غير الالهية إلى الإنسان الكامل و بشّرت بظهوره، و ذكروا له جميعا خصائص مشتركة مثل إقامة العدالة وتعزيز الأخوة، وتحقيق السلام وتعزيز الصداقة، ونشر اللطف والمحبة في جميع أنحاء العالم. إن قيادة الإنسان الكامل تضمن عدم وجود تمايزات أو تحيزات بناءً على العرق والجنس والجنسية والقومية والدين والفقر والجوع والجفاف والجدب والحروب والنزاعات الدموية، ويقود المجتمع العالمي بفضل حيازته على المعرفة الإلهية نحو النمو والتقدم في جوانبه المتعددة، بدءًا من الاقتصاد والعلم والصحة والرفاهية وصولاً إلى الأمان والسلام. والأهم من ذلك، فإنه سوف يقوم بتعريف جميع البشر بحقيقتهم الإنسانية والتوافق معها.

الإنسان الكامل: القائد المطلوب للجميع

استنادًا إلى الجوانب المطروحة، فإن الشعور بالحاجة الملحة إلى وجود الإنسان الكامل لتصويب وتوجيه المجتمع العالمي نحو الحق يزداد تدريجياً في أرجاء العالم مما يؤدي إلى انتشار نداءات البحث عن المنقذ في مختلف أنحاء العالم. إنّ الإنسان الكامل هو الوعد المشترك في جميع الديانات. وكما أشرنا من قبل، فإننا نشترك جميعا في فطرة موحدة تتسم بالرغبة في اللانهاية والطموح نحو الكمال، مما يبرر الشعور بالحاجة الملحة لوجود الإنسان الكامل حتى في حالة عدم الاطلاع عليه. يسهم الإنسان الكامل في تشكيل وتعزيز الوحدة والتلاحم بين جميع البشر.

من جهة أخرى، يظهر أن مسألة الهداية الإلهية ليست أمرًا يُفرض بالقوة والإكراه، بل تتطلب إرادة حقيقية من جميع شعوب العالم. وهذا يعني في الأساس أنه لا يمكن تحقيق مجتمع يعتمد على القهر والإكراه، إذ إنه بالإضافة إلى أنه يخلو من القيم الإلهية الإنسانية، فإنه يتلاشى وينهار مع اختفاء عوامل سلطته، لقد خاطب الله نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله وسلم)  عدة مرات في القرآن الكريم وقال له: “فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ…”..[5]

إن المجتمع الإنساني الذي يسود فيه جميع القوانين الالهية مثل التعاطف والمحبة والوفاء واحترام حقوق بعضهم البعض والصدق والعدالة والحرية وغيرها من الصفات الإنسانية، لن يحدث إلا إذا كانت أغلبية الناس ملمين بهذه القيم أولاً ومن ثم يرغبون بها بكل وجودهم، وهذا هو رمز تحقق الوعد الإلهي المشترك في جميع الديانات حول ظهور المنقذ في نهاية العالم وتأسيس حكومة سلام عالمية.

في هذا المقال، قمنا بمناقشة ضرورة وجود إمام معصوم أو إنسان كامل قد بلغ الكمال ويكون مطابقًا لله تمامًا في جميع صفاته. أشرنا أيضاً إلى أننا بحاجة إلى إقامة علاقة مع كائن يكون حاملاً لصفات الله، كي نستطيع أن نأخذ منه نموذجًا ومثالًا للمضي قدمًا في مسار الإنسانية، وقمنا بدراسة أن النمو الفردي لا يكفي لكل منا في مسار الإنسانية بمفرده، وأننا بحاجة إلى العيش في مجتمع يديره الإمام أو المتخصص المعصوم لنحقق الكمال. كما تناولنا قليلاً موضوع ضرورة حكم الإنسان الكامل على المجتمع البشري، وفي المستقبل سنقوم بدراسة هذه المسألة بشكل أعمق في دروس بناء الحضارة.

[1] عشر سنوات متعلقة بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد الهجرة من مكة واستقراره في المدينة وتشكيل الحكومة الإسلامية، وحوالي خمس سنوات متعلقة بالإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وحوالي سبعة أشهر متعلقة بالإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).

[2] البقرة، 61.

[3] يمكن الإشارة إلى عبادة العجل في قوم موسى عليه‌السلام في الوقت الذي كان موسي(ع) فيهم على قيد الحياة، ولم يكن قد مضى سوى عدة أيام على موعد لقائه عليه السلام بربه.

[4] التعاريف التي تم ذكرها في الصفحات الأولى لهذا المقال تشكل مثالًا على هذا الضلال في فهم الإنسان.

[5] الشورى، 48.

اكتب رأيك