ما هو الشيطان، ما هي خصائصه وكيف يعمل؟
- ما هي طبيعة الشيطان؟
- هل الشيطان شخصية حقيقية أم مخلوق خيالي وهمي؟
- ما هو أسلوب الشيطان وكيف يخلق الأفكار في ذهن الإنسان؟
هل سبق و راودتك أفكار مزعجة؟ هل داهمتك أضغاث أحلام جعلتك تستيقظ خائفا؟ هل وجدت نفسك تحمل مشاعر عدم الثقة والشك تجاه من حولك دون قصد؟ هل سبق لك أن قلقت كثيرًا بشأن ما سيحدث في المستقبل أو شعرت بالسوء والندم تجاه ما حدثت في الماضي؟ من أين تتولد هذه الأفكار في رأيك؟ هل هي من صنع عقولنا أم أنها نتيجة إلقاءات من خارج وجودنا؟
الشيطان اسم مألوف يعرفه الجميع وتعترف جميع الأديان بعدائه الطويل الأمد للإنسانية و مساعيه الدؤوبة لزعزعة صفاء الناس وابعادهم عن طريق الحق. وعلى الرغم من ذلك فلا يعترف أي من مکاتب علم النفس والتربية في العالم اليوم به ككائن يزعزع حياة البشر من خلال إنتاج الأفكار سلبية، ويعرض صحتهم العقلية للخطر. إذا ذهب شخص ما للعلاج عند طبيب نفسي بسبب الأفكار المزعجة والمؤلمة التي تراوده دون قصد، فلا يُذكر دور الشيطان أبدا، لفقر الوعي والمعرفة عن هذا الموضوع عند الأكثرية.
وبسبب هذا النقص في الوعي فإن كل من يحيط بهذا الشخص وحتى عائلته يشيرون عادة بأصابع اللوم إليه ويضغطون عليه لكي يقاوم و يبتعد عن التفكير، ولكن بما أن الشخص لا يملك دراية كيف تتولد هذه الأفكار في ذهنه، فإن جهوده في التعامل معها تفشل مرات عديدة، وهذا الفشل هو في حد ذاته عامل يساهم في تفاقم الأزمة، ويدفع المريض إلى ردة فعل قد تؤدي إلى ضرره ونفع الشيطان. أما إذا كان الناس على دراية بنوع هجمات الشيطان، فإنهم بمجرد أن تتولد عندهم هذه الأفكار، يتعرفون على اتجاه الهجوم وأصله ويزيلون هذه الأفكار السامة من أنفسهم. ولكن ما هو الشيطان بالضبط وكيف يهاجمنا؟
ما هو المخلوق أو المخلوقات التي تسمى الشيطان؟
أول سؤال نواجهه في مجال فهم ماهية الشيطان،هو: “ما هو الشيطان؟” يعتقد معظم الناس أن الشيطان هو كائن تم طرده من مقام القرب الالهي بسبب عصيانه وعدم سجوده لآدم، ولكن في الحقيقة، ولكن في الواقع، هذا الشخص هو إبليس، إبليس هو اسم خاص لأحد الجن الذي تقدم في الرتب بفضل عبادته المخلصة، وكان يشغل مكانًا في صفوف الملائكة. ومع ذلك، غمرته الحسد حين خلق الله آدم، فأدى هذا الحسد إلى طرده من عند الله.[1]
وأمّا الشيطان فهو اسم عام يُطلق على كل مخلوق يريد عداوة بالإنسان ويودّ إضلاله. وهكذا فإن إبليس وجميع أتباعه من الجن والإنس الذين يقومون بالفساد و الإضلال يُعدّون جميعا من الشياطين. ولذلك فإننا طوال حياتنا لا نواجه إبليس فقط، بل نواجه جنودا لا تُحصى من شياطين والجن والإنس، وقد نخرج أحيانا بأنفسنا من ولاية الله وننضم إلى جنود الشيطان، وليس هذا إلا عندما نشجع فيه الآخرين على ارتكاب المعاصي.
ولكن ما هو أسلوب الشيطان وكيف يصرف الناس عن الصراط المستقيم؟
أسلوب الشيطان ونوع هجماته
أشرنا إلى أن الله خلق الإنسان في تجلّيه الأوّل، ثم خلق سائر المخلوقات بناءً على بنية نفس الإنسان ولصالح الإنسان وتطوره. يترتب عن هذا الموضوع نتيجتان مهمتان، الأولى أن خلق الشيطان كغيره من المخلوقات، يكون لصالح الإنسان وتقدمه وتطوره، والثانية أن نوع هجمات الشيطان يتناسب تمامًا مع بنية النفس الإنسانية. بالنسبة للموضوع الأول، وهو فائدة الشيطان للإنسان، سنتناوله بالتفصيل في الدروس القادمة، أما بالنسبة للموضوع الثاني، وهو تناغم هجمات الشيطان مع بنية النفس الإنسانية، فيجب أن نفهم أولاً مفهوم “الصراط المستقيم”؛ لأن الشيطان قد وعد بالقعود على الصراط المستقيم والإتيان من بين أيدي الناس ومن خلفهم و عن أيمانهم وعن شمائلهم.[2]
شرحنا مفهوم الصراط سابقا، و الذي يمكن فهمه بسهولة وفق قانون النسبة والعلاقة بين الدنيا والآخرة. إن الصراط المستقيم هو طريق يؤدي السير فيه إلى ولادة سليمة ويهيئ النفس الإنسانية للاستفادة من الشروط الحياتية في الآخرة والجنة. لذا، ليس الصراط المستقيم طريقًا يمتد على سطح الأرض، بل هو حقيقة داخلية وروحية، وممر في أعماق النفس. وبناءً على ذلك، يتم تقسيم البشر إلى فئتين؛ فئة ليست على الصراط، والتي يمكن اعتبارها في الواقع أتباع وجنود الشيطان، والفئة الثانية وهم المؤمنون الذين يسلكون الصراط المستقيم، وبالتالي يكونون عرضة للهجمات المستمرة من الفئة الأولى وبقية جنود الشيطان.
من خلال التعريف الذي قدمناه لمفهوم الصراط المستقيم، يتضح أن هجمات الشيطان تحدث أيضًا داخل النفس؛ وإن المعركة مع الشيطان ليست مجرد صراع خارجي يحدث على وجه الأرض، بل هي صراع داخلي عميق في النفس. يستهدف الشيطان النفس من كل الجهات منها الأمام والخلف واليمين واليسار، وعندما يجد ضعفًا في أي اتجاه، يشن هجمته بلا هوادة. تتنوع هجماته غالبًا، وعندما يهزمنا في مواجهة معينة بسبب الهجمات المتواصلة، يأتي بمفاجأة من جهة أخرى ليضعنا في مأزق لا مفر منه!
يتطلب وصف كل هجمة من هجمات الشيطان مقالاً منفصلاً، وسنناقشه بشكل كامل في الدروس القادمة، ولكن نذكر الآن بإيجاز كل من هذه الهجمات:
- الهجوم من الأمام هو المخاوف التي لا داعي لها، والتي تسبب القلق المستمر والتوتر حیال المستقبل مما يُثير في نفوس الأفراد الخوف والقلق من المجهول.
- الهجوم من الخلف يستلهم من الأخطاء والتقصير في الماضي، حيث يعمل الشيطان على استعراض الأخطاء وتذكير الأفراد بالفشل والظلاميات التي عانوا منها.
- الهجوم من اليسار ينطوي على استغلال نقاط الضعف وزلات الإنسان، حيث يسعى الشيطان لتحريض الناس على ارتكاب الخطايا والمعاصي عبر استغلال ضعف الأفراد.
- وأما الهجوم من اليمين، فهو الأكثر خطورة، حيث يُغري الأفراد بکمالاتهم الدنيوية والروحية، مما يُعرضهم لخطر الغرور والتكبر وسقوطهم في فخ النرجسية والمغريات الشيطانية.
[1] . سورة الأعراف، 11-13
[2] . الأعراف، 17