أين منزل الإنسان؟ من أين جئنا وإلى أين نتجه؟

جدول المحتويات
أين منزل الإنسان، إلى أين ينتمي وأين سيجد الراحة؟

أين منزل الإنسان، إلى أين ينتمي وأين سيجد الراحة؟

أين منزل الإنسان؟ قد يبدو هذا السؤال غريبًا قليلاً، إذ نحن جميعًا على دراية بمفهوم المنزل، وإذا كان ولا بد الرد على سؤال “أين منزل الإنسان؟”، فقد نستخدم عبارات مثل “أينما يكون القلب سعيدًا” أو “أي مكان يكون دافئًا وهادئًا وآمنًا”، ولكن في جوهر هذا السؤال وفي جوهر كل الإجابات الممكنة يكمن مفهوم دقيق يتطلب التأمل، وفي هذا المقال ننوي التطرق إلى ذلك.

إننا نخرج من المنزل صباح يوم عادي، ونعود في المساء بعد ساعة من العمل والجهد. قد نعود مبتسمين و سعيدين أو حزينين ومكتئبين، يعتمد ذلك على اليوم الذي قضيناه. حتى ولو لم يعكس مظهرنا الخارجي للآخرين بما حدث خلال اليوم، إلا أن الأمر لا يغيب عنا و يكمن الشعور بالانتصار أو الهزيمة في داخلنا. إذا سألنا أحد أفراد الأسرة عن سبب سعادتنا أو حزننا، ستكون إجابتنا تعبيرًا عن الأحداث التي واجهناها خلال اليوم. لذلك، إن سؤال “هل سعادتنا أو حزننا ينبعان من مواجهة ظروف المنزل أم من ما حققناه خلال اليوم؟” قد لا يكون له معنى، إذ أنه لم يحدث أي تغيير في المنزل وخصائصه، بل ما حدث خارج المنزل هو الذي أثر على سعادتنا أو حزننا. نعود الآن إلى سؤالنا الأول: أين منزل الإنسان؟ إنّ المنزل هو نقطة انطلاقنا، نحن مشغولين خارج المنزل لساعة وفي نهاية النهار نعود إلى نفس المنزل. منزلنا هو معادنا أو وجهتنا التي نعود إليها في آخر النهار. إذا طلب أحد منكم الآن أن تقوموا بوصف منزلكم، فإلى أي منزل ستشيرون؟ إلى المنزل الذي خرجتم منه صباحًا، أم إلى المنزل الذي عدتم إليه في الليل؟

إنّ منزل الصباح هو نفس منزل الليل، و لا يؤثر مرور الزمن على خصائصه. ما سنركز عليه في هذه المقالة هو هذا المفهوم: أين منزل الإنسان؟ إنه المكان الذي يأتي منه الإنسان وإليه سيعود.

من أين جئنا نحن وإلى أين سنعود؟

نواجه في الفلسفة الإسلامية، مفهوم المعاد الذي يشير إلى عودة الإنسان. ينبغي أن نلاحظ أن العودة تكون فقط ذات معنى عندما يكون قد حدث الذهاب بالفعل. لا يستخدم أحد كلمة “الذهاب” بخصوص مكان لم يأت منه أو لم يكن فيه ابدًا. لذلك، عندما يتعلق الأمر بالحديث عن المعاد، فإنه يعني أنّ الإنسان قد جاء من مكان ما إلى هذه الدنيا ومن المقرر أن يعود إلى نفس المكان. هذا يعني أنه ليس هناك أي فرق بين المصدر والغاية، بل أن كليهما بيئة ذات ظروف متشابهة.

ما يبرز أهمية المعاد هو التغيير والتحولات التي تحدث في الكائن الحي الذي من المتوقع أن يسلك هذا المسار. وهذا لا يعني أن المصدر قد تحول لاحقًا إلى معاد بتغيير خصائصه، بل إن الكائن المسمى بالإنسان دخل من المبدأ إلى مرحلة تدعى ب: “الدنيا”، حيث يخضع فيها لتحولات ويعود مرة أخرى إلى المبدأ نفسه، لذا مصدرنا هو المنزل الذي سنعود إليه مرة أخرى.

المنزل هو المكان الذي تلتصق به، و نحمل في قلوبنا شغف العودة إليه طوال اليوم. حتى عندما لا نكون راضين عن ظروف منزلنا، نظل دائما نفكر في كيفية تحسين هذه الظروف أو العثور على منزل جديد، لأن المنزل هو المأوى الآمن ومكان السكينة والعودة لنا. إننا مرتبطون بمنزلنا وعائلتنا، ولسنا ملتصقين ببيئتنا التي نقضي فيها اليوم، و كل ما هو خارج المنزل يُعتبر مكان لاكتساب المعيشة فقط.

العلاقة مع الآخرة تشبه العلاقة مع المنزل. لقد جئنا من الآخرة وسنعود إليها مرة أخرى. لذا، ينبغي أن نقول في الإجابة عن سؤال “أين منزل الإنسان؟“، أن الآخرة هي منزلنا الآمن وأن الدنيا هي مكان اكتسابنا للعيش. الشيء الوحيد الذي يتغير في هذه العملية هو حالتنا النفسية، والتي لها علاقة مباشرة بما اكتسبناه في الدنيا وما سنحمله معنا إلى هناك.

من الأحرى أن يكون الإنسان من أبناء الآخرة[1]، لأنه ينتمي إلى هناك. ذكرنا أن حقيقة وجودنا هي جزء ماوراء العقل، وأن الوجود الإنساني هو في رحلة محدودة وبعيدة نحو منزله في الآخرة.

لماذا تركنا المنزل؟

الفلاح الذي يزرع بذرة يعلم أنه إذا قام بزراعتها ورعايتها سيتمكن بعد فترة من حصاد إنتاجها، لأنه يعرف الإمكانيات المختزنة فيها تماما ويرغب في إظهار قدراتها الكامنة. إنه ينقل البذرة من سطح الأرض إلى عمق التربة ويوفر الظروف البيئية المناسبة لنموها قبل أن تبدأ البذرة في النمو والإنبات، و بعد فترة تعود مرة أخرى إلى سطح الأرض بمظهر مختلف تماماً.

على الرغم من أنه البذرة كانت بعيدة عن بيئتها الأصلية لفترة وتعرضت لتغيير جذري في عمق التربة، حتى أن مظهرها الخارجي الجديد لا يشبه أبدا ما كانت عليه في السابق، إلا أنها وصلت بعد نموها إلى نفس المكان الذي كانت فيه من قبل.

ذكرنا سابقا أن الجانب الإنساني أو الذات الحقيقية لوجود الإنسان ينبع من نفخة إلهية[2] تم خلقها في عالم آخر أي عالم الآخرة قبل أن تُنفخ في جسد الإنسان، وقد نُقلت إلى الجسد في مرحلة من مراحل تطوره. بمعنى آخر، لقد انتقلت حقيقة الإنسان في سير نزولي من الآخرة إلى الدنيا. إن ولادة الروح في هذه الدنيا هي لحظة ولادة الجسم، حيث أن أصل الجسم المادي و أمّه هي الدنيا. بعد فترة من الحياة ووفقًا لقاعدة عودة كل شيء إلى أصله، يعود الجسم إلى الدنيا مرة أخرى بدفنه في الأرض وتعود الروح إلى العالم نفسه الذي نشأت منه بعد أن أمضت فترة من الزمن في الوعاء الأرضي. بمعنى آخر، تنطلق حقيقة وجود الإنسان تعود في سير صعودي في رحلة مهيبة نحو الحياة الآخرة، وترتفع إلى أصلها.

الاتحاد في نقطة البداية والنهاية

المبدأ والمعاد كلاهما مرتبط بعالم الآخرة، إذن في الإجابة على سؤال “أين منزل الإنسان؟” فإننا نتناول مفهومان، واحد متعلق بالدنيا والثاني متعلق بالآخرة. النقطة المهمة هنا هي أن الآخرة ليست العالم التالی للدنيا، بل هي عالم آخر يشمل المبدأ والمعاد للإنسان حيث اننا نقضي فترة ما بينهما في الدنيا. والحقيقة أنّ نقطة البداية ونقطة النهاية لرحلة الإنسان تعود إلى نقطة واحدة: الآخرة. إنّ الآخرة هي بمثابة الوطن الذي جئنا منه وسنعود إليه.

إذا علمنا من نحن وما هي جذورنا و مصدرنا، سنترك العديد من الالتباسات والشكوك الفلسفية جانبا. إن أكبر العقبات أمام عقلنا لفهم جوهر هذه الدنيا هي أن معرفتنا تبدأ من وسط الطريق، أي بولادتنا إلى هذا العالم، لا من بداية الطريق. فمن لا يعلم أين موطنه ونقطة بدايته ويعتبر أصله وجذوره في هذه الدنيا، سيواجه تناقضات عديدة في فهم أسباب الكثير من احتياجاته ورغباته التي لا نهاية لها، فإما أنه يتجاهلها أو ينكرها.

تم التطرق في هذه المقالة إلى الإجابة عن سؤال: “أين منزل الإنسان؟” ووجدنا أن منزلنا ليس هو الدنيا، بل إنه المكان الذي جئنا منه والذي سنعود مرة أخرى. تماما مثل البذرة التي تقضي فترة من الزمن في باطن التربة ثم تعود مرة أخرى إلى الحياة، فاننا أيضًا جئنا الى الدنیا لنحصل على شيء ما. في المقالات القادمة، سنتناول هذا الموضوع: لماذا ولأي غرض تركنا منزلنا؟

[1] . قال الامام علي عليه السلام: “فلیصدق رائد أهله و لیحضر عقله و لیکن من أبناء الآخرة فإنه منها قدم و إلیها ینقلب” (نهج البلاغة، الخطبة 154)

[2] . سورة الحجر، الآية 29

اكتب رأيك