ما هي “أصالة التخصص” ومتى بدأنا نشعر بالحاجة إلى المتخصص؟
يجب أن نقول في الرد على سؤال “ما هي أصالة التخصص؟”، أننا بحاجة إلى مساعدة المتخصص في التعامل مع أي نظام منهجي، ولن يقبل أي عقل سليم اللجوء إلى غير المتخصص فيما يتعلق بالأدوات أو الظواهر العالمية. لا يتطلب القبول واتباع هذه القاعدة معرفة القراءة والكتابة، بل يحتاج إلى عقل يمتلكه جميع البشر كهبة إلهية.
لفهم قاعدة “أصالة التخصص” بشكل أفضل، يجب دراسة سلوك الإنسان عندما يلجأ إلى المتخصص. من الطبيعي أننا نحتاج في تعاملنا مع أي نظام أن نلجأ إلى صانعه اولًا ثم إلى الالمتقدم الذي يحظى بثقة الصانع، ويتم هذا اللجوء في المراحل الأربع: “التعريف”، و”التشغيل”، و”الاستفادة”، و”والإصلاح بعد العطل”. إن الإنسان كان ولايزال يمارس هذا السلوك منذ بداية خلقته وحتى في أبسط المجتمعات البشرية، حيث كان كل فرد يتولى مسؤوليات محددة وفقًا لقدراته. وبالتالي، وبغض النظر عن وجهات النظر التجريبيين، فإن اللجوء إلى المتخصص هو أمر فطري وليس اكتسابيًا أو ناتجًا عن التجربة.
تعتبر مرحلة “التعريف”، المرحلة الأولى في مواجهة أي نظام، حيث يتم فيها تحديد خصائص الجهاز وشروط استخدامه ونقاط ضعفه ونقاط قوته.
تشمل مرحلة “التشغيل” مجموعة المعلومات اللازمة لتشغيل النظام، مثل معرفة الوقود وطاقة المحرك للنظام وما يجب فعله لبدء تشغيله.
في مرحلة “الاستفادة” يتم تحديد كيفية استخدام الجهاز والاحتياطات والتحذيرات المطلوبة بشأن كمية وطريقة عمله. كما أنه يتم تحديد المكان الذي يجب اللجوء إليه في حالة حدوث مشكلة، وطرق الاتصال مع الشركة المصنعة أو الوكلاء المعتمدين في المرحلة الأخيرة، أي “الإصلاح بعد العطل”.
بالإضافة إلى جميع ذلك، تتضمن كل مرحلة نقاط هامة وتحذيرات يمكن أن تؤدي عدم الالتزام بها إلى حدوث أعطال لا يمكن إصلاحها في النظام.
متى يجب الرجوع إلى المتخصص؟
عندما نتعامل مع أمور مختلفة، فإننا نتبع بشكل طبيعي قاعدة “أصالة التخصص“، حتى وإن كنا قد لا نكون على علم بتعريف هذه القاعدة وما يعبر عنها. دعونا نلجأ إلى مثال آخر يوضح الأمر. تخيل أنك تلقيت بذرة نادرة وثمينة كهدية من أحد أعز أصدقائك. ما الذي ستفعل بها؟ هل تذهب إلى بعض الخبراء للحصول على مشورة حول شروط الرعاية والبيئة المناسبة لزراعتها، أم أنك ستغمر البذرة في التربة في أول إناء زرع تجده؟ إذا كانت إجابتك هي الأولى، تخيل أن أمهر فني في الميكانيكا في المدينة والذي تثق في تخصصه في إصلاح السيارات، يطلب منك تسليمه البذرة النادرة الثمينة لزراعتها. ما هو ردة فعلك؟ من المحتمل أنك لن تسمح له حتى بلمس البذرة الثمينة الخاصة بك بيديه المتسختين. أو بدلا من ذلك، إذا أتى هذا الطلب من نجار محترف، أو طبيب متخصص في القلب؟ إذا وثقت في مصلح السيارات، أو النجار المتدرب، أو الطبيب المتخصص، وفي النهاية جفّت البذرة أو أنها لم تنبت، فمن الذي ستلومه؟ سوف تلوم نفسك بالتأكيد، لأنك ارتكبت أكبر خطأ في تسليم البذرة إلى شخص غير مؤهل. فالميكانيكي والنجار والطبيب قد قدموا لك مجرد اقتراح، إن استسلامك لهم يعني أنك قد قبلت المسؤولية والعواقب. حتى إذا كنت لا تعرف معنى قاعدة “أصالة التخصص” وتأثرت بالإعلانات الكاذبة و توفر لك أشخاص غير متخصصون، فإنك بمجرد ارتكاب هذا الخطأ و مشاهدة عواقبه سوف تندم فوراً وتترك الشخص غير المتخصص.
أهمية قاعدة أصالة التخصص

المخالفة مع المتخصص و الالمتقدم في كل أمر أو عدم الاعتماد عليه يعد خطأً فادحًا يجب تصحيحه فورًا. لأن هذا الاختيار يُعَدَّ خيارًا يحرمك من السير في الاتجاه الصحيح و المتابعة في الطريق الذي لا يؤيده المتخصص لن يوصل إلى الهدف أبدا. وإذا قررنا متابعة المسار الخاطئ بعد أن ندرك خطأنا، فإننا قد حكمنا على أنفسنا بالفشل.
تنطبق معرفة قاعدة “أصالة التخصص” على أهم وأكثر اختياراتنا تأثيرًا، وهو اختيار الهدف والمسار الرئيسي للحياة. وإذا لم يكن هناك نموذج أو توجيه صحيح، فلن يصل هذا الاختيار إلى نهاية صحيحة أبدًا. الحقيقة أنّ النموذج الذي قد اخترناه في حياتنا يعكس مدى إيماننا أو عدم ايماننا بالله بوصفه صانع الإنسان. يظهر مدى تطابق هذا النموذج مع ما يحبه الله، إذ أنه اهتم ببناء خصائص روحنا وفقًا لذلك، مُبيِّن مدى تقدمنا في السير على الطريق الصحيح.
في الواقع، نحن تلك البذرة الثمينة والجميلة، وجسدنا هو إناء لهذه البذرة. إن هذه النفس يجب أن تنمو في إطار الجسم وتفعم بالأجنحة والريش. يتم تحديد مصيرنا ونهايتنا من خلال المسار الذي نسلكه في الحياة والمرشدين الذين نختارهم. التربة الخصبة للجسم والبذرة الصحية والقوية متاحة لجميعنا كبشر، ولكن النتائج ليست متساوية للجميع. هناك بذور تتحول في رحلة الحياة إلى غابات كبيرة وحقول خصبة وغنية، بينما تبقى بعض البذور جافة وبلا حياة. الفارق يكمن في البستاني وطريقة رعايته. هل يعرف بستاننا جميع خصائصنا ومواهبنا وكيفية تنميتها؟
من هو المتخصص لوجودنا؟
نحن كبشر نمتلك أكثر الأنظمة تعقيدًا في الخلق، ولا يمكن لأي عالم أو فيلسوف أن يدّعي أنه قد تعرف على جميع جوانب وجود الإنسان. لهذا السبب، نحن بحاجة إلى خريطة طريق لنسلك مسار الحياة، تظهر لنا كل المنحنيات والارتفاعات والانخفاضات والمخاطر. يمكن أن يؤدي أدنى خطأ في مسار الحياة، إلى الابتعاد عن الهدف أو الذهاب في اتجاه غير صحيح.
إنّ الله بصفة صانع نظام وجودنا، قد قدّم لنا خبراء معصومين مع خرائط كاملة. تشهد بنية وجودنا دائمًا على إيماننا بقاعدة أصالة التخصص، حيث أننا نتجه نحو المتخصص في أي مسألة بصورة لا إرادية. الغريب هو أنّنا نختار دائمًا استنادًا إلى مفهوم أصالة التخصص في الأمور الأخرى، بينما نتجاهل هذه القاعدة في تعاملنا مع أنفسنا. جمال وحياة بذرة وجودنا لها علاقة مباشرة بقربنا واتباعنا للنماذج والمرشدين الذين قدمهم الله لنا.
في هذا المقال تحدثنا عن ماهية قاعدة أصالة التخصص ومدى أهمية فهمها. نحن بشكل طبيعي نلجأ إلى صانع النظام أو المتخصص الموثوق به في أربع مراحل: التعريف، التشغيل، الاستفادة، والإصلاح. إن قاعدة أصالة التخصص ليست اكتسابية أو تجريبية، بل هي في ذاتنا منذ الطفولة. على سبيل المثال، فإننا لن نسلم لعبتنا لأي شخص غير معروف لإصلاح، وفي النهاية، أشرنا إلى أننا بحاجة إلى المتخصص أكثر من أي شيء آخر لفهم وجودنا كبشر.
هل تلجأ أنت أيضًا إلى متخصص لفهم نفسك؟ من هو المتخصص الذي يحمل أعلى مستوى من المعرفة حول جوانب وجودنا المختلفة؟ يُرجى مشاركة آرائك في هذا الصدد.