ما هو تعريف الدين ودوره في حياتنا اليومية؟

جدول المحتويات
ما هو مدى أهمية القيود والمحظورات في تعريف الدين

ما هو مدى أهمية القيود والمحظورات في تعريف الدين

ما هو تعريف الدين؟

لقد سمعنا جميعًا كلمة الدين ولدينا تعاريف مختلفة إلى حد ما لهذا المفهوم بناءً على الظروف البيئية أو الاجتماعية. غالبًا ما نعتبر الدين مجموعة من الأوامر الجافة التي وضعها الله والتي من المفترض أنها تقودنا إلى السعادة، ومن النادر أن ننظر إلى الدين كبرنامج متخصص لحياتنا. يتأثر تعريف الدين من خلال المعرفة التي لدينا عن أنفسنا. عندما نكون على دراية بذاتنا الحقيقية، وندرك أن لدينا مصدرًا وهدفًا وغاية محددة، وأن لدينا مسارًا يجب علينا اتباعه للوصول إلى تلك الغاية، فإن تعريف الدين سيكون مختلفًا في نظرنا بالتأكيد.

إذا نظرنا بعناية إلى تعريف الدين، سنرى أن جميع الأديان الإلهية وغير الإلهية حددت هدفًا محددًا للحياة ومن ثم قدمت نمطا معيناً للحياة لتحقيق هذا الهدف. لذلك يمكن القول أن جميع الأديان هي برامج لحياة الإنسان، وبناءً على ما ذكرناه حول أصالة التخصص والتعريف الذي قدمناه للإنسان، فإنه ليس من الغريب أن نقبل تعريف الإسلام فقط كأحدث وأكمل برنامج قدمه محبوبنا الحقيقي.

عند النظر بعناية إلى تعريف الدين، سنرى أن جميع جوانب الحياة قد تم تنظيمها في إطار قواعد محددة. هناك قواعد وقوانين تتعلق بالله و مخلوقاته، والتي تشملنا نحن وغيرنا من البشر، والحيوانات، والنباتات، وما إلى ذلك. على الرغم من أننا نجد أنفسنا محصورين في قيود الدين من خلال الالتزام بالأوامر الإلهية، يجب أن ننتبه إلى المرتبة التي يستهدفها الدين من مراتب وجودنا، وأن هذه الأوامر والقيود موجودة لتسريع عملية التقدم نحو الهدف النهائي لحياتنا. بهذه الطريقة، تتغير نظرتنا إلى الدين كبرنامج متخصص للحياة، وبما أننا ندرك دور الدين و أهميته جيدًا، فإننا سنكون أقل مقاومة له.

الدين يستهدف أي جزء من وجودنا؟

بشكل عام، تأتي الأوامر والنواهي للآخرين عندما يكون للمخاطَب إرادة واختيار. في المقالات السابقة، شرحنا أننا نشترك  في سلسلة من مراتب وجودنا، بمعنى الأبعاد الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية على التوالي، مع الجمادات، والنباتات، والحيوانات، والملائكة، من حيث الكمالات الوجودية. بالإضافة إلى ذلك، نعلم أن ليس لأيّ من هذه الأبعاد الوجودية الإرادة أو الاختيار من تلقاء نفسها. هذا يعني أساسًا أن أيًا من الأبعاد الجمادية، والنباتية، والحيوانية، وحتى العقلية لا يمكنها أن تكون مستهدفة من قبل الدين الذي يكتظ  بالأوامر والنواهي. لأنه إذا كان الأمر كذلك، كان يجب أن يأتي للنباتات والحيوانات والملائكة أنبياء من قبل الله أيضا ليهديهم إلى سبيل السعادة! في حين أن كلّ من المراتب النباتية والحيوانية لها مكانة محددة في نظام الخلق، وسلوكها محدد مسبقًا بواسطة توجيه داخلي وغريزي. حتى فيما يتعلق بالملائكة التي هي عقول خالصة، تم ذكر أن لديهم مكانة محددة، وهم طائعون تمامًا ولا يمكن لهم معصية أمر الله أبداً.

لذلك، فإن مخاطَب الدين في جميع الشؤون والأحكام هو الجزء ماوراء العقلي أو بمعنى أدق الجزء الإنساني من وجودنا فقط، والذي منحه الله شرفًا بنفخة من روحه. في الواقع، فإن الجزء ماوراء العقلي لدينا لا يواجه مشكلة مع أوامر وقيود الدين فحسب بل إنه يستقبلها بإيجابية. لأن من وجهة نظر الجزء الإنساني من وجودنا، فإن الدين هو خطة تخصصية تمهّد له الوصول إلى الهدف النهائي.

ما هو سبب معارضة الدين؟

بعد أن قمنا بإعادة تعريف الدين وشرحنا أهمية هذا البرنامج المتخصص في الحياة للوصول إلى السلام والسعادة والحب، وفي نهاية المطاف هدف خلقنا، قد يُطرح هنا هذا السؤال: لماذا هناك من يعارض الدين؟ في المقالات السابقة، تعلمنا أن كل جزء من وجودنا يحمل حب ورغبة في تحقيق مراده، وهناك حبيب ومحبوب لدينا يتم تفسيره على أنه إله. يظهر كل واحد منا بناء على الجهد الذي يبذله في تلبية احتياجات الجانب الذي يراه مهما من وجوده، أين يمنح الأصالة في حياته، سواء كان ذلك في الجزء الجمادي، أم النباتي، أم الحيواني، أم العقلي أم الإنساني. إن مدى اهتمامنا وحبنا لكل من هذه الجوانب يحدد مستوى تركيزنا على كل منها. في الواقع، فإن تركيزنا على أيّ من هذه الجوانب سيكون مرتبطًا بإله ذلك الجانب.

عندما يتبع الإنسان بصفته كائنًا يتمتع بمستويات إلهية، آلهة أخرى من جوانب وجوده، فإنه في الواقع يتخلى عن إلهه الحقيقي ويتخذ محبوبات الجوانب الأخرى من وجوده إلهه الخاص. بشكل عام نسمي هذا الإله “هوى”. الهوى هو كل ما نشتهي، ولكنه في سلسلة مراتب وجودنا فإنه يقع أدنى من مستوى ماوراء العقل. إذا استمررنا في الاشتغال بهذا الإله، فإنه سوف يكتسب قوة تجعل منه معشوقاً في نظرنا، وبالتالي نقوم بتنظيم جوانب وجودنا الأخرى لتحقيق رغبات الهوى.

ويمكن لهذه العملية أن تستمر حتى نفقد هويتنا الحقيقية ونعرف أنفسنا فقط من خلال تلك الجوانب، وبالتالي، نقف أمام أوامر الله ونعارضها. هذه النتيجة لا يمكن تجنبها إلا إذا اكتسبنا معرفة صحيحة وكافية عن وجودنا، مما يؤدي إلى ارتكاب أخطاء في التعرف على الهدف الرئيسي والحبيب لنا. في الواقع، إننا نحصر الدين الذي يسعى للنمو والتطور في السيطرة على جوانب وجودنا السفلية، ونحدد معناه بشكل محدود ومقيد.

هذا النوع من التعريف الديني يشبه ذلك الذي يقوم به طالب يستعد لامتحان القبول في الجامعة، حيث يقوم المستشار المدرسي بتحديد برنامج دراسة يشدد فيه على مراقبة مستوى الدراسة غير المنهجية، والرياضة، والتسلية، والحفلات، والأنشطة الترفيهية الأخرى، حيث يعتبره الطالب برنامجا محدودًا ومقيدًا. هذا التعريف إذا لم يؤدي إلى فشل في الهدف الرئيسي وهو القبول في الجامعة، فإنه سوف يؤدي إلى تدهور مستوى نجاح الفرد، والسبب في ذلك ليس سوى نسيان الهدف الرئيسي والانشغال بالأمور الثانوية و العابرة، وهذا ما يصيب الكثير منا في الحياة، حيث نشغل أنفسنا بالأمور السطحية و العابرة بدلاً من التركيز على الهدف الرئيسي، مما يؤدي إلى نسياننا لبرنامج الوصول إلى هدف خلقتنا، أي الدين، ونرى أنفسنا مقيدين ومحدودين من أجل تحقيق هذا الهدف.

كيف يحتل الدين أولوية في حياتنا؟

يعترف الله بمحبتنا للأمور الدنيوية، ولكنه يرغب في أن نحب كل شيء في حدود حبه، وأن تكون محبتنا لله أعلى من كل الأمور الأخرى. هذا يتطلب معرفة صحيحة للنفس وفهم صحيح لتعريف الدين كخطة واضحة وكاملة لتحقيق حياة في سلام وسعادة دائمة. إذا تمكنا من الوصول إلى هذا المستوى من المعرفة، فلن نشوّه علاقتنا بالحبيب الأبدي والوحيد بالسعى وراء النجاحات الزائلة، ونتيجة لذلك، سنقبل الدين كبرنامجٍ صمّمه الخالق لتحقيق هدف خلقنا.

في هذه المقالة، قد تناولنا دور الدين كبرنامج متخصص لحياتنا، و استنتجنا أن هذا البرنامج شامل لجميع مراحل حياة الإنسان، لأن طبيعتنا البشرية لا تعتمد على الزمان و المكان الذي نعيش فيه، بل  إنها تستمد من جوهر واحد و تعود في النهاية إلى الدين كعلاج وحيد لآلام الروح في العصر الحاضر. وذكرنا أيضاً أن المخاطَب الاصلي للدين هو بُعد ماوراء العقل أو الجانب الإنساني في وجودنا، ولن نشعر بالرضا تجاه أحكام وقيود الدين إلا إذا عرّفنا أنفسنا على أساس بعدنا الإنساني و نظمنا نظام المحبة بشكل صحيح ووضعنا محبوبنا للبُعد ماوراء العقلي لوجودنا في رأس قائمة محبوباتنا، مما سوف يؤدي إلى أن نؤمن بالدين كبرنامج متخصص للنمو الإنساني.

ما هو رأيك في الدين؟ هل تراه يحد من حريتك أم تنظر إليه على أنه برنامج مصمم لك لوصولك سليما إلى الهدف؟

اكتب رأيك