ما هي السمات التي تتمتع بها بنية الإنسان المتوازن؟
إذا أردنا وصف جسم إنسان متوازن، فإننا بلا شك نستحضر صورة من التوافق والتنسيق المثاليين، حيث قد تم وضع كل جانب في مكانه المناسب وتقوم جميع أجزاء الجسم باستقبال الأوامر من مركز اتخاذ القرار والقيادة للجسم أي الدماغ. على سبيل المثال، لا يُعتبر الجسم متوازنا إذا كان الرأس، لا يتناسب حجمه مع باقي الأعضاء، أو إذا كانت العين أو الأذن أو اليد في مكان غير مخصص لها.
للتوازن تعريف وقاعدة خاصة به، وبطبيعة الحال، فإن ما يندرج تحت هذا التعريف القياسي يُطلق عليه اسم “متوازن“. نحن نعلم أن أنفسنا، مثل أجسامنا وبقية ظواهر الخلق، تتمتع ببنية رياضية، لذا فليس من الغريب أن نأخذ تعريفًا مماثلًا لهذه البنية لأنفسنا كما نفعل لأجسامنا. الإنسان الذي لا يتمتع بالتوازن يظهر ذلك بطريقة ما، تمامًا كما لا تستطيع السيارة التي تفتقر إلى التوازن أن تسير في خط مستقيم، و قد تنهار البناية التي لا يحكمها التوازن في أي لحظة، فإن العديد من الأمراض النفسية والجسدية التي نعاني منها تنتج عن عدم التوازن في أنفسنا أو أجسامنا وتزول فور تحقيق التوازن. في المسائل المادية والظاهرية قد يتحقق التوازن بالترتيب الصحيح لمكوناتها، بينما في مسألة موضوع مثل النفس، فإن من الأهمية البالغة أن نعطي الأولوية لجميع جوانب الوجود، لأننا، و كما تعلمنا في الدروس السابقة، غير قادرين على تحقيق التوازن في أنفسنا إذا لم تكن جميع جوانب وقوى أنفسنا خاضعة لسيطرة جانب ماوراء العقل من وجودنا وحكمه. يهدف هذا المقال إلى فهم أنّه كيف يمكن لتفاعلنا مع كل جانب من جوانب وجودنا أن يؤثر في تحقيق التوازن أو عدمه في حياتنا.
خصائص الكائنات المختلفة
في هذا العالم المحيط بنا، ينبض بالحياة مخلوقات متنوعة، ولكل منها مرتبة أو مراتب مختلفة من الوجود حسب بنيته الوجودية. فمثلاً، نعتبر أن الصخور والمعادن التي تتميز بهياكلها الجسمية والخصائص العنصرية البسيطة فقط، فهي لها بُعد جمادي. وعندما نلقي النظر إلى النباتات نعتبرها مختلفة عن الحجر، لأنّها تتمتع بجمالها الخاص وخصائصها المميزة، مثل النمو والتغذية والتكاثر، وتتماشى مع الطبيعة بكل روعة. وبالمثل، تتفوق الحيوانات بقدراتها على النباتات بالرغم من وجود سمات نباتية، إذ تعيش بشكل جماعي وتسعى لبناء مراتب اجتماعية متقنة. وفي مقام أعلى، تنضوي الملائكة، رغم أنّهم ليسوا كائنات نباتية أو حيوانية، إلا أنهم يتمتعون بقدرات عقلية تضعهم في مراتب أعلى من الحيوانات.
بوصف الإنسان كمخلوق أشرف، فإنه ليس فقط يتمتع بجميع تلك القوى، بل يمتلك أيضًا بُعدًا إنسانيًا يُعرف بـ”ماوراء العقل”، الذي يضعه في مرتبة أعلى من جميع المخلوقات الأخرى. ومع ذلك، يكمن المحور الرئيسي هنا في أن وجود صورة إنسانية وحده لا يكفي لجعل الإنسان إنسانًا حقيقيًا. عندما نرى سيارة تبدو سليمة بالشكل الخارجي، ولكنها لا تعمل أو تتحرك باتجاه معاكس، فإننا لا نعتبرها سيارة متوازنة. بالمثل، لكي يُعتبر الفرد إنسانًا، يتوجب عليه أن يستوفي مجموعة معينة من الصفات والشروط. يمكنك فقط أن تعتبر نفسك إنسانًا عندما تصل إلى توازن كافٍ وضروري في كل جوانب حياتك، وبمعنى آخر، عندما تحقق هذا التوازن، فأنت بالتأكيد تكون إنسانًا متوازنًا.

عدم التوازن في جوانب مختلفة للإنسان
قد يمكن التعرف على عدم التوازن من خلال العلامات الظاهرية، وقد يتم تشخيصه من خلال عدم الأداء السليم. هذا ينطبق على أبعاد وقدرات وجودنا أيضًا. على سبيل المثال، إذا رأينا أن قلوبنا تتجه نحو العالم المادي بشكل ملحوظ، ونُولي أموالنا ومواردنا المادية أهمية أكثر من اللازم، أو إذا تأثر توازننا العاطفي بسبب انخفاض رصيد حسابنا البنكي، أو إذا كانت سيارتنا أكثر من مجرد وسيلة للتنقل بالنسبة لنا، أو إذا شعرنا بالحزن الزائد المفرط والقلق بسبب تلف جهاز من أجهزتنا، فإن ذلك كله يعني أننا قد بالغنا في تقييم البعد الجمادي من وجودنا و أفرطنا في إشباع أنفسنا بالمحسوسات، وبالتالي فإننا لسنا في حالة توازن.
من جهة أخرى، إذا استحوذت الكمالات النباتية بشكل كبير على حياتنا، و كنا في سعي دائم وراء الجمال والمظهر الأفضل وقضاء الوقت في صالونات التجميل أو إجراء العمليات التجميلية، لا لأجل الصحة فقط بل لأنها جذابة بالنسبة لنا بوصفها كمالًا، و إذا رغبنا دومًا في استعراض قدرتنا على الإنجاب أو عدد أطفالنا، أو إذا شعرنا بالحزن والاكتئاب بسبب مظهرنا غير المرضي أو قصر قامتنا، فإننا عندها قد خرجنا عن التوازن الإنساني واعتبرنا أنفسنا في حدود النباتات.
لا يقتصر خروجنا عن حالة التوازن الإنساني و تعريف الإنسان المتوازن على الإفراط في الخوض في الأبعاد الجمادية والنباتية، بل إننا قد نفقد التوازن بسبب الإفراط في التعامل مع الكمالات الحيوانية الوهمية. على سبيل المثال، إذا قمنا بالتخلي عن النوم والطعام من أجل الزواج بشخص معين، أو أنفقنا سنوات عديدة وموارد كبيرة ليُطلق علينا اسم الدكتور أو المهندس أو الأستاذ، أو إذا كنا مشغولين بكامل قوانا لتحقيق شهرة ما، أو إذا كانت الشهوات والغرائز تجعلنا نخرج عن حالتنا الطبيعية وتشغلنا برغباتنا الصغيرة والكبيرة، فإننا قد خفضنا من قيمتنا كالإنسان إلى مستوى الحيوان وخضنا في القوى الوهمية أكثر مما ينبغي.
أما الكمالات العقلية التي تعتبر في حد ذاتها محايدة، فإنها لا تكون ذات قيمة إلا عندما تكون في خدمة ماوراء العقل والبعد الإنساني لنا. عندما نقضي حياتنا دون النظر بعين الاعتبار إلى هدف خلقتنا، و نفني ساعة الليل والنهار في المختبرات ومراكز البحث للدراسة والعمل العلمي، ولا تتجاوز همومنا اكثر من نشر مقال في مجلة عالمية مرموقة، أو الحصول على شهادة ومنحة دراسية من أفضل جامعات العالم، أو تكمن غاية رغبتنا في زيادة عدد الكتب أو المقالات التي ننشرها، و تعمينا شهوة العمل والبحث العلمي عن الحقائق والمسائل الأساسية لحياتنا، فإننا سنصبح غير متوازنين في بُعدنا الإنساني ولا ينطبق علينا تعريف الإنسان المتوازن.
كل ما تم ذكره عن الكمالات الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية في وجودنا، يكون مفيدًا فقط عندما يكون في خدمة البعد الإنساني و ماوراء العقلي لوجودنا. الإنسان المتوازن هو الذي يستفيد من هذه الكمالات ويلتزم بحدود استخدامها المناسب وفقًا لرغباته في الجانب الإنساني.
تماما كما أنه يتعين علينا أن نلاحظ كمية وترتيب إضافة المكونات لإعداد وجبة طعام والوصول إلى النتيجة المرغوبة، فمن غير المعقول أن نتوقع من أنفسنا أن نستوعب و نجذب أي كمال ما دون التنسيق مع بعدنا ماوراء العقلي ونتوقع بالنهاية تحقيق التوازن في وجودنا.
العلاقات بين الأبعاد المختلفة للنفس الانسانية
تتألّف النفس من أبعاد مختلفة، وتستخدم كل من هذه الأبعاد أدوات لتحقيق رغباتها والوصول إلى كمالاتها الخاصة. تعتبر كلّ من قوة الحس، والخيال، والوهم، والعقل أدوات نستخدمها للوصول إلى كمالات كل من أبعاد وجودنا. إننا لن نحقق التوازن الداخلي و نتحول إلى إنسان متوازن إلا عندما نسلّم سيادة الأبعاد الأربعة السفلى من وجودنا إلى جانب ماوراء العقل ونسعى للوصول إلى المحبوب الرئيسي لبعدنا الإنساني وهو الله. يقوم كل جانب من وجودنا بالسعي للسيطرة على وجودنا، ولكن بما أن الله كائن لانهائي، فإننا لن نستطيع نيل التوازن إلا عندما نتناغم ونتوافق مع هذا الوجود اللانهائي. إن كمالات وجودنا وأبعاده الأربعة السفلى لا تملك طريقًا إلى اللانهاية لأنها محدودة، وإنّما لا نجد التوازن و الوصول إلى غاية هدفنا إلّا في ظل سيادة جانبنا ماوراء العقلي. بعبارة أخرى إننا نتحول إلى إنسان متوازن عندما نضع رغبتنا في اللانهاية والحب لله في قمة أولوياتنا.
النقطة المهمة هنا هي أنه لا يمكن لسائر قوانا الوجودية أن تصبح أدوات جيدة لبعدنا الإنساني أو ماوراء العقلي إلا أن تكون مبنية على أسس سليمة. لكي نتحول إلى إنسان متوازن بحاجة إلى قوة حسية مناسبة ومتوازنة، وخيالات إيجابية، ووهم مدروس وعقل محسوب ومسيطر.
لإنّ المحسوسات هي مدخلات نفوسنا وتُستخدم كبيانات لقوتنا الخيالية، والخيال هو الذي يقوم لتقدّم آمالنا الوهمية، والوهم يستخدم في استنتاجاتنا العقلية. تمامًا كما أننا نحتاج إلى مكونات ومواد أولية مناسبة واتباع التسلسل الصحيح لإعداد وجبة جيدة، فإن الوصول إلى نتيجة مناسبة للبعد الإنساني لدينا يتطلب احترام أولوياته الخاصة بالاضافة إلى تغذية مناسبة لباقي الأبعاد والقوى النفسية. بلا شك فإن عدم احترام الأولويات والحدود سوف يؤدي إلى الخطأ في نوع الاختيارات والعلاقات والقرارات والأفكار ويعرقل تحقيق التوازن في النهاية.
تحدثنا في هذه المقالة، عن كيفية تقويض توازننا الإنساني من خلال الاختيارات والسلوكيات غير المناسبة. يتحقق التوازن عندما تكون كل القوى والأبعاد السفلى لوجودنا تحت سيطرة جانب ماوراء العقل و في سعي دائم للوصول إلى الهدف الرئيسي لبعدنا الإنساني وهو الله. بالإضافة إلى ذلك، يتحقق التوازن عندما يتم التركيز على كل بعد بمقداره المناسب وفي المكان المناسب.
هل تعتبر نفسك إنسانًا متوازنًا؟ هل تتبع ترتيبًا وأولويات في التعامل مع الأبعاد المختلفة لذاتك؟