الخيال والنيّة: آلياتان مؤثرتان في تسهيل أو إعاقة مسار الحياة وتحقيق الأهداف

جدول المحتويات
الخيال والنيّة: آلياتان مؤثرتان في تسهيل أو إعاقة مسار الحياة وتحقيق الأهداف

الخيال والنيّة: أدوات الدفع القوي نحو الإنجاز والوصول للغايات

هل حدث أن تمنّيتَ أن تتجاوز حدود هذا العالم؟ أو شعرتَ أن للحياة معنى أعمق مما نعيشه يومياً؟ إنّ الخيال الخلّاق والنيّة الصادقة هما وسيلتان تفتحان أمامك أبواب هذا العالم الأوسع. فهما إمّا أن يصنعا لك جسراً نحو أحلامك، أو ـ إذا كانا سلبيَّين ـ قد يصبحان سبباً في انحرافك عن أهدافك.

حياتنا البشرية مليئة بالتعقيد؛ فهي تجمع بين قيود وفرص، وبين محدوديات وآفاق رحبة. في عالمٍ محكوم بالزمان والمكان، يبرز السؤال: كيف يمكن للإنسان أن يسمو بروحه ويبلغ مراتب الكمال، وهو محصور في أعمال محدودة وإمكانات ضيّقة؟ أليس منّا من يتمنّى أن يدخل الآخرة بزادٍ أعظم مما تسمح به أعماله المادية؟ فكيف السبيل إلى ذلك؟ وما دور الخيال الفعّال والنيّة في هذا الطريق؟

لقد ذكرنا سابقاً أنّ الإنسان، بما هو كائن محدود، لا يستطيع أن يحقّق جميع طموحاته في الدنيا. غير أنّ الخيال البنّاء والنيّة الخالصة يمنحان عقله وروحه فرصة للتحرّر من تلك القيود. فالخيال والنيّة قُوتان جوهريتان تستطيعان أن ترفعا الإنسان من أدنى درجات الوجود إلى أسمى مراتب الكمال. إنّهما يفتحان أمامه طريقاً جديداً نحو القرب من إنسانيته الحقيقية ومعنى وجوده الأعمق.

ويبقى السؤال: إلى أي مدى يمكن للخيال والنيّة أن يقودا أرواحنا إلى مراتب عليا؟ في هذا المقال، سنتأمّل في مكانة هاتين القوّتين الداخليّتين، ونكشف كيف يمكن لهما أن تساعدانا على تجاوز حدود أجسادنا وأعمالنا، لنبلغ مراتب الكمال الإنساني التي خُلقنا من أجلها.

دور الخيال في النمو الإنساني

ذكرنا أنّ الخيال والنيّة الصادقة أداتان جوهريتان في مسيرة الارتقاء الإنساني، وفي هذا الجزء نتوقّف عند أثر الخيال تحديداً. فالخيال ليس مجرّد تصوّرات عابرة، بل هو إحدى طاقات باطنيّة كبرى تؤثّر بعمق في تربية الإنسان وبنائه الداخلي. إنّ قوّة التخيّل الإيجابي تفتح للذهن آفاقاً واسعة، تمكّننا من أن نفكّر بحرّية في قيم عليا وطموحات نبيلة، وأن نُنمّيها داخل وعينا حتّى تتحوّل إلى دافعٍ فعّال يرسم ملامح مستقبلنا.

الخيال البنّاء لا يقتصر على صورٍ سريعة أو أوهام عابرة، بل يمنحنا القدرة على رسم تصوّر ذهني واضح لأهدافنا الكبرى، وكأنّه خريطة تهدينا الطريق. ومن منظورٍ تربوي، يُعدّ الخيال جسراً بين رغبات القلب وسلوك الإنسان العملي. ولذا، نظر الإسلام إلى الخيال الإيجابي باعتباره محرّكاً للروح ووسيلةً لتربية النفس.[1] فالصور القرآنيّة للجنّة والنار مثالٌ بليغ على ذلك؛ إذ يوظّفها الوحي لتحريك وجدان الإنسان، ودفعه نحو الخير والابتعاد عن الشر. فعندما نتخيّل نعيم الجنّة، يزداد فينا الشوق إلى العمل الصالح، وعندما نتأمّل في صور العذاب، ينمو في داخلنا الوازع الذي يردعنا عن المعصية.

إنّ هذا النمط من الخيال يرفعنا فوق الماديّات، ويحرّرنا من أسر النظرة السطحية إلى الحياة، ليُنشئ انسجاماً عميقاً بين ما نقوم به من أعمالٍ ظاهرية وبين ما نحمله من مقاصد ونيّات باطنية. وإذا وُجِّه الخيال الوجهة الصحيحة، فإنه قادر على أن يدفع بالإنسان إلى أسمى مراتب روحيّة وإنسانيّة.

وفوق ذلك، فإنّ الخيال البنّاء يملك القدرة على إصلاح النفس، فهو يهيّئ للإنسان مجالاً داخليّاً يزرع فيه القيم، ويُنمّي فيه الأفكار السامية، ويستخدمه ليبني جسوراً من القرب مع الله تعالى وأهل البيت (عليهم السلام). إنّه طاقة تُنمّي القدرة على تصوّر المستقبل بصورة أكثر وضوحاً وغايةً في المعنى، وتُبقي شعلة الأمل حيّة في لحظات عسيرة. وبقوّة الخيال الموجَّه، نستطيع أن نغذّي أرواحنا، ونربّي ذواتنا، ونمضي بخطى ثابتة نحو إنسانيّة أصفى وأكمل.

كيف تسهم النيّة في ارتقائنا الإنساني؟

بعد أن تحدّثنا عن الخيال البنّاء، نصل الآن إلى النيّة ودورها في مسيرة الإنسان. فبحسب التعاليم الدينيّة، يُحشر الناس يوم القيامة على أساس نيّاتهم، لا على مجرّد صور أعمالهم.[2]

ليست النيّة مجرّد رغبة عابرة أو قرار لحظي، بل هي أساس داخلي عميق يمنح شخصيّتنا بُعداً وروحاً. فهي الجسر الذي يصل بين باطننا وظاهرنا؛ فما يرسخ في القلب يظهر أثره في العمل. فمثلاً، من يحمل في قلبه نيّة صادقة لخدمة الآخرين، سرعان ما تنعكس نيّته في سلوكه، فيغدو إنساناً عطوفاً اجتماعياً، تبعث أعماله على الأُلفة والرحمة.

وعلى خلاف ظاهر العمل الذي قد يبدو متشابهاً بين الناس، تبقى النيّة هي معيار حقيقي للقيمة. فقد يكون الفعل في صورته حسناً، لكن إذا انطلق من نيّة فاسدة أو سطحية، ضاع أثره وأعاق صاحبه عن النمو الإنساني. ولهذا شبّه العلماء النيّة بالعدد “واحد” الذي يمنح الأصفار قيمة؛ إذ بدون النيّة، حتى أعظم الأعمال تبقى خاوية لا وزن لها.

بل إنّ النيّة الصادقة تستطيع أن ترفع الإنسان حتى في غياب القدرة على العمل. فلو عجز عن تنفيذ ما أراده، تكفيه نيّته الخالصة لتكون انعكاساً لرغبة قلبه، ومصدراً داخلياً يمدّه بالقوّة والعزم على السير في طريق التغيير والتكامل.

النيّة الإيجابيّة والبنّاءة تمنح حياتنا اليوميّة معنى أعمق وقيمة أوفى. فالشخص الذي يقوم بأعماله العاديّة ـ كالعناية بأبنائه أو مساعدة الآخرين ـ وهو يستحضر في قلبه قصد القرب من الله أو خدمة عباده، ينال من تلك الأعمال البسيطة آثاراً روحيّة ومعنويّة أعظم بكثير ممّن يفعل الشيء نفسه بلا نيّة صادقة. إنّ النيّة السامية تضاعف قيمة أعمالنا، وتوسّع أثرها فينا وفي الآخرين؛ فهي تُكبّر الروح وتحرّرها من ضيق الشكوى والتعب والتعلّق المفرط بالدنيا. ومن يحمل همّاً إنسانيّاً صادقاً يغدو إنساناً مُعيناً للناس، يفتح أمامهم أبواب الفرج، وإن لم تتح له الفرصة ليحقّق جميع ما نواه. فانعكاس النيّة في شخصيّته، في وعيه ولا وعيه، يهديه طريقاً أوضح نحو القرب من الله تعالى.

ومن جهة أخرى، فإنّ من يعيش بنيّات راسخة وغايات واضحة، يبقى أكثر ثباتاً وأهدأ نفساً عند مواجهة عوائق وانكسارات؛ لأنّه يعلم أنّ مقصده يتجاوز حدود هذه الحياة الضيّقة، وأنّ عمله موجّه إلى غايات أسمى وأبقى. وللنيّة أثر باطني عميق يفوق أثر العمل الظاهري؛ فالعمل ينتهي بفعله، أمّا النيّة فتنقش أثرها في الداخل. كلّ نيّة صادقة يحملها المرء تُعيد تشكيل باطنه بما يتناسب معها، وتترك في قلبه أثراً لا يزول.

وهكذا يتّضح أنّ الخيال والنيّة قوّتان أساسيتان في كيان الإنسان. فالخيال البنّاء يرسم في ذهنه صوراً مضيئة، تفتح له فضاءً داخلياً يقوده إلى طموحات عليا ومعانٍ سامية. والنيّة الصادقة تمنح لأعماله قيمة ومعنى، وتنظّم أهدافه الباطنيّة لتقرّبه من الكمال الأخلاقي والسموّ الروحي. وفي هذا البحث، رأينا كيف أنّ هاتين الطاقتين الداخليّتين يمكن أن ترفعا الإنسان فوق حدود المادة، وتمهّدا له طريق السير نحو مراتب الكمال.

   [1] قال أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام) في إحدى خطبه، مشيراً إلى هذا المعنى: ” فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا، لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَ لَذَّاتِهَا وَ زَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا”، نهج البلاغة، خ ١٦٥

[2]  قال رسول الله (صلی‌الله‌علیه‌ وآله ‌وسلم): «يُحشَرُ النّاسُ على نِيّاتِه؛» (کنزالعمّال، 7245)

اكتب رأيك