لا يمكن معرفة حقيقة الکون دون علم الإنسان

جدول المحتويات
خلق الله الكون وما فيه من أجل الإنسان

علم الإنسان کمقدمة لمعرفة الكون

منذ أن أبصرنا النور واجهنا عالَماً محيطا أكبر بكثير من رحم الأم و له من القدرات بلاحدود. هذا العالم مهيأ لنا تمامًا ويمكن الاستفادة منه بناءً على مستوى تعريفنا للإنسان. مضت أيام طفولتنا بکل أمنياتنا الصغيرة التي لم نحققها، منها الضغط على جميع أزرار الكمبيوتر أو تناول کل الشوكولاتة في العلبة، والتي لم یتمّ تحقيقها أبدا جراء إشراف الوالدين ومراقبتهما لنا، وأشعلت هذه الأماني رغبة أكبر في أنفسنا لكي نكبر بسرعة أكثر و نتمكن من فعل ما نريد، غافلين عن حقيقة أن عالم الکبار هو تمامًا كعالم الأطفال، لا يمكن فيه أن نفعل ما نشاء. الفرق هو أن قوانين عالم الطفولة وضعه الآخرون لنا، بينما الآن نحن من يضع الحدود و القيود على أنفسنا.

هذا هو من نتائج معرفة الإنسان الخاطئة لنفسه و رؤيته الناقصة إلى قدرته وقابليته.

ارتباط الإنسان بالكون

خلق الله الكون وما فيه من أجل الإنسان[1] ليستخدمه ويستمتع به ويلبي حاجاته وينمو ويصل إلى هدف حياته وهو التشبه بصفات الله سبحانه. بيد أن تعريف الله للإنسان يختلف عن تعريفه لذاته، وبذلك فهو لا يتمتع بالمستوى العالي من المنافع التي أعدها الله له في هذا العالم.

تخيل نفسك لحظة استخدام الكمبيوتر وبالتحديد عند تسجيل الدخول تواجه رسالة ” تم رفض الوصول!”، هذا هو حقیقة ما يحدث في حياتنا الحقيقية، ونحن بأنفسنا من يسبب ذلك في حياتنا.

لقد أتيحت لنا فرص الإستفادة من كل مواهب العالم، غير أن معرفتنا الناقصة وإيماننا الخاطئ بأنفسنا يمنعنا من أن نبذل أي جهد للاستفادة من هذه البركات الغزيرة واغتنامها. إنّ هذا التصرف يُشبّه بسلوك رئيس تنفيذي لشركة كبيرة والذي يُنزل نطاق صلاحياته ومزاياه ووظائفه إلى حد موظف فقط، متجاهلا جهود الآخرين لإخطاره بوضعه.

إن هذا محزن للغاية، خاصة إذا كنا قد قضينا سنوات عديدة من حياتنا على هذا النحو. والأكثر إيلامًا من ذلك هو أن يدرك الإنسان أنه كانت في أياديه نعم وامكانيات لم يستخدمها وكان من الممكن أنها تلبي حاجاته ورغباته التي كان يتمناها مدى حياته.

فهمنا للوجود هو رهين نظرتنا للعالم

لا تحدد طريقة رؤيتنا لأنفسنا منهج حياتنا و قمة أحلامنا فحسب، بل تعتمد أيضا على علاقتنا بالظواهر الكونية وتأثيرها على العالم. تؤثر الطريقة التي نفكر بها في أنفسنا والعالم في كيفية تصرفنا وتعاملنا مع الآخرين.

يمكننا القول إن الطريقة التي يرى بها الناس العالم من حولهم ويفهمونه تحدد سلوكهم في ذلك المجتمع.

لاريب أن التعرف على العصر الذهبي للحضارة الإسلامية ليثير هذا التساؤل في ذهن كل شخص: “كيف يمكن للإنسان أن يحقق هذا المستوى العالي من النضج الفكري والإبداع في فترة من التاريخ”؟ لماذا لا نشاهد ظهور عباقرة مثل الخوارزمي أو البيروني أو الرازي أو الشيخ بهائي في عصرنا الحالي؟ ما هي الرؤية العالمية لهؤلاء العباقرة التي لا مثيل لأعمالهم في العالم؟ يجب البحث عن الحقيقة في النقطة المشتركة لكل هذه الأحداث، وهي رؤيتهم الكونية ومعتقداتهم التي تشير إلى أن الله سبحانه خلق ما في الأرض جميعاً للإنسان[2] و أنه تعالى لا يخلُق شيئا عبثا[3].

کل من ینظر الی العالم بهذا المنظار، لن يشعر بالغربة بسبب الأشياء والظواهر من حوله بل وسيفهم علاقته الوجودية بالعالم كله ويذهب تلقائياً وراء اكتشاف هذه العلاقات. إن مهمة العلم الرئيسية هي اكتشاف هذه النسب و القوانين والرياضيات التي تحكم الكون [4].التقدم العلمي السريع هو حصيلة هذه النظرة إلى الطبيعة والكون.

تساعد طريقة التفكير وهذه النظرة إلى الطبيعة و والكون العلماء على تحقيق التقدم بسرعة كبيرة.

فلنصدق إنسانيتنا

باعتبارنا أحد سكان هذا العالم، أمام الإنسان دائماً خياران: إما أن يواصل حياته الطبيعية كجزء لا يتجزأ من الكون مثل الكائنات الأخرى و يحُطّ من قيمته وحاجاته وتطلعاته إلى مستوى الحيوانات والنباتات والجمادات، وفي النهاية يواجه الموت طوعا أو كرها، و إمّا أنه يؤمن بأنه إنسان وأن الكون بكل عجائبه خُلق من أجله ويتمحور حول ذاته الحقيقية متناسباً مع بنيته الوجودية، مع الاعتقاد بأن ظواهر هذا العالم ليست عبثية وعشوائية بل تعمل كأداة في طريق صيرورة الإنسان الى ما أراد الله من خلقه. الحياة في عالم كهذا ستكون أكثر متعة بالتأكيد.

ولو أردنا معرفة أن أي جزء من وجودنا من المقرر تنميته بالبحور المتموجة، والجبال الشاهقة، ورمال الشاطئ الناعمة والخشنة، وسماء الليل المرصعة بالنجوم، ونعومة أجنحة الطيور؟ و يا ترى أنها ستقوم بالاجابة عن أيٍ من رغباتنا الداخلية؟ وتدلنا على أيّ اسم من أسماء الله هذه؟ وأخيرًا، كيف تجتاز الرحلة نحو تطوير بنيتنا الوجودية في سير الاتصاف بصفات الله من مَمَرّ هذه الظواهر؟

سنقوم بشرح مفصل لهذا لموضوع في المقالات التالية .

[1] . البقرة: 29   هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا

[2] . البقرة: 29   هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا

[3] . وَ مَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَ الْأَرْضَ وَ مَا بَيْنهَمَا بَاطِلًا

[4] . كل شيء في الكون مصنوع من الرياضيات.

اكتب رأيك