ما هو الدين، وما الفرق بين دين الحق وغيره من الأديان؟
من المحتمل أننا جميعًا قد صادفنا كلمة “دين” مرة واحدة على الأقل في حياتنا، لكن قليلًا من الناس يستطيعون تقديم تعريف دقيق وصحيح لدين الحق. يتعامل البعض مع الدين بشكل تقليدي، ويعتبره مجموعة من العادات والتقاليد الموروثة عن الآباء والأجداد، بينما يرى آخرون الدين قوانين صارمة تحدد مصيرنا في الجنة أو النار. وهناك من يعتبر نفسه متدينًا ويدّعي أنه قد وصل إلى فهم دقيق للدين، ويصف نفسه بأنه إنسان مؤمن.
الحقيقة هي أننا كثيرًا ما لا نلتزم باستخدام الكلمات بشكل صحيح ودقيق، وهذا ينطبق أيضًا على كلمة “دين”. التعريفات التي تقدمها علوم مثل الأنثروبولوجيا، والأساطير، وعلم النفس عن الدين، تبعد كثيرًا عن جوهر الدين. ولهذا السبب فإن فهمنا للدين يختلف عما يجب أن يكون عليه. بمعنى آخر، بغض النظر عما إذا كنا نلتزم بالدين أم لا، فمن المحتمل أننا لم نصل إلى تعريف أو فهم صحيح لدين الحق في أي من الحالات المذكورة، لأننا لا ننظر إلى الدين من منظور خالقنا.
نحن نطلق بسهولة على أي نمط من أنماط الحياة اسم “دين”، وبناءً على ذلك نصنف لأنفسنا فئات وأنواعًا مختلفة من الأديان. فنحن نعتبر الإسلام دينًا، ونستخدم الكلمة نفسها للإشارة إلى الهندوسية، والبوذية، وغيرها. وقد يكون لدينا، بعدد البشر على هذا الكوكب، تفسيرات مختلفة للدين، بينما الله سبحانه وتعالى قد بيّن لنا الشكل الدقيق والصحيح للدين. في هذا الدرس، نسعى إلى تقديم تعريف صحيح للدين وشرح سبب اعتبار الإسلام دين الحق.

تعريف دين الحق
على عكس ما هو شائع بين الناس، لا نعتبر الدين مجرد أسلوب حياة. بل الدين هو البرنامج الشامل الذي ينظم حياتنا. وبما أن الله هو خالقنا ويعلم بكل تفاصيل حياتنا ومراحلها، فإن هذا البرنامج لا يمكن أن يُحدد إلا من قِبَل الله وحده. وقد سمّى الله هذا البرنامج الموحد والمحدد “دين الإسلام”. بناءً على ذلك، نؤمن بوجود دين واحد فقط، ونرى أن باقي الآراء والبرامج والأساليب التي تُطلق عليها تسمية “دين” تخرج عن إطار دين الحق.
إذا أردنا استشارة شخص متخصص للحصول على نصيحة أو خطة لدخول مشروع معين، فإننا نختار شخصًا لديه معرفة بالوضع الحالي للمشروع، ويدرك تاريخه، ولديه رؤية واضحة لمستقبله. وبالمثل، الدين هو نظام وضعه خالقنا، آخذاً في الاعتبار ماضينا، وحاضرنا، ومستقبلنا. لقد صُممت إنسانيتنا وفقًا لهذا الإطار الإلهي. الدين الحق هو في جوهره الفطرة التي خُلقنا عليها وبُني وجودنا استنادًا إليها. لهذا السبب نشعر بالانسجام مع الدين عندما نتعرف على فطرتنا الحقيقية.
في الحقيقة، لا يمكننا الوصول إلى تفسير صحيح للدين دون فهم جميع أبعاد وجودنا (تعریف أبعاد الوجود الإنساني؛ هل لدى الإنسان بعدًا آخر غیر البعد الجسدي؟). إذا لم ندرك أبعاد وجودنا الجمادية، والنباتية، والحيوانية، والعقلية، وما وراء العقلية، فسوف نحصر الدين في إطار جانبنا الحيواني، وننظر إليه على أنه مجرد مجموعة من القواعد المقيّدة. تمامًا كطالب يحاول استغلال الفرص للهروب من الكتاب والمدرسة دون أن يفهم الأهداف التي وُضعت له، قد نرى الدين عاملًا يقيد حريتنا. بينما في الواقع فإن وظيفة الدين الأساسية هي إرواء عطش رغباتنا اللامتناهية، و يرتبط بجانبنا الإنساني. وعلى الرغم من أن الالتزام بالدين في حياتنا في الدنيا يجلب لنا السعادة والطمأنينة، إلا أن المعنى الأكبر للدين وأهميته يتجليان بعد انتقالنا إلى العالم الآخر. هناك قاعدة وطريقة محددة لكل عمل، والدين هو المنهج والبرنامج الذي يُعلّمنا كيف نغذي الجانب ما وراء العقلي لنصل إلى الله.
الدين الذي يمتلك هذه الأطر والخصائص يُسمى “الإسلام” أينما وُجد، والشخص الذي يسير وفق هذا المنهج ويصل في النهاية إلى الغاية الإنسانية التي وضعها الله، يكون مؤمنًا بحقيقة الإسلام. وبما أن لديه بنية وجودية صحيحة تتوافق مع الدين والفطرة، فإنه لا يقاوم الدين عند عرضه عليه، بل يقبله بسهولة.
لتوضيح هذه الفكرة، يمكننا المقارنة بين طفل نشأ في أسرة منظمة وملتزمة بالقوانين وطفل آخر نشأ في أسرة غير منظمة وعشوائية. أيهما تعتقد أنه سيتقبل القوانين الاجتماعية بسهولة أكبر في مرحلة البلوغ؟ إنه بالطبع ذلك الذي تربى منذ طفولته على أساس قبول القوانين ولم يشعر بالغربة عنها. وبالمثل، فإن قبول الإسلام، أي دين الحق، يكون أسهل بالنسبة لمن لديه بنية وجودية تتوافق مع الدين والفطرة.
ما هو هدف الدين؟
إن وظيفة الدين وهدفه ليسا في فصل الإنسان عن الطبيعة والدنيا؛ لأنه في هذه الحالة، كنا سنعتبر أي طريقة عرفانية أو مسلك أو مدرسة ينجح في تفصلنا عن الدنيا دينًا حقًا. صحيح أن أكبر هدف للإسلام أو دين الحق هو تلبية الاحتياجات التي تتعلق بتربية نفوسنا، وبالأبدية، وبالجانب ما وراء العقلي، ولكن تماما كما يهتم الدين باخرتنا و ابديتنا، فإنه لا يتجاهل هذه الدنيا أيضًا. تخيل أنك قد حددت وجهة معينة ورغبت في الوصول إليها. من المؤكد أنك توافق على أن الوصول إلى هذه الوجهة دون النظر إلى الوسيلة والطريق الذي سيقودنا إلى الهدف، أمر غير ممكن. لذلك فإن الدين يأخذ في اعتباره جوانب حياتنا الدنيا ويضع قوانين لتحسينها، بما يضمن سلامتنا في الوصول إلى الهدف.
بناءً على ذلك، إذا اعتُبر الدين كطريقة تقودنا إلى الحق، فإنه يقدم أفضل الإجابات لجوانبنا العقلانية، والحيوانية، والنباتية، والجمادية، لأنه صُمّم من قِبَل خالق حكيم له معرفة جيدة عن مقصدنا وهدفنا والطريق الذي يجب أن نسلكه، بالإضافة إلى نقاط ضعفنا وقوتنا في سبيل الوصول إلى الهدف.
مع ذلك، قد يخطر ببالنا سؤال: لماذا يُعتبر الإسلام دين الحق؟ هل الإله الذي أرسل اليهودية أو المسيحية يختلف عن الإله الذي سمى الدين إسلامًا؟ بالطبع لا. الحقيقة أن الدين كان واحدًا منذ البداية في منظور الله. فالدين الذي صاغ الله فطرة الإنسان بناءً عليه هو نفسه. ولكن النقطة الجوهرية تكمن في أن الإنسان منذ البداية لم يكن مهيأً لتلقي الدين بكامل تفاصيله. ولهذا، أطلق الله اسم “الإسلام” على الدين عندما وضع جميع أطره، وقدّم النسخة الكاملة من البرنامج الذي يحتاجه الإنسان للوصول إلى غايته النهائية
في هذا الدرس، تناولنا تعريف دين الحق وشرحنا أن الدين عند الله واحد وهو الإسلام. الله، الخالق الحكيم الذي يعلم ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، هو من أنشأ الدين وصاغ فطرتنا بما يتناسب معه. في الواقع فإن الوظيفة الأساسية للإسلام أو الدين هي تلبية احتياجاتنا التي تتعلق بما وراء العقل وإيصالنا إلى الله.
ما رأيك في الدين؟ هل فكرت يومًا في النظر إليه من منظور الله؟