كيف تقربنا معرفة الإنسان من معرفة الله؟

جدول المحتويات
معرفة الإنسان هي بداية الطريق لمعرفة الله

معرفة الإنسان هي بداية الطريق لمعرفة الله!

كنا في دوران الطفولة نوجِّه مرآةً نحو الشمس، ثمّ نقوم بتوجيه الضوء المنعكس منها نحو اتِّجاهاتٍ مختلفةٍ على الاشياء. إن الضوء المنعكس من المرآة له نفس لون ضوء الشمس و له بعض الحرارة و السطوع، إلا أنّ درجة حرارته أقل من ضوء الشّمس بالتأكيد. لا أحد يدعي أن رؤية الضوء المنعكس تعادل رؤية الشّمس، ولكن عند فحص خصائص هذا الضوء يمكن إدراك تفاصيل عامة لضوء الشّمس. إذن فليست المرآة إلا أداةً لتجلي ضوء الشّمس!

إن الإنسان يلعب دورًا مماثلا للمرآة كمظهر لتجلي صفات الله سبحانه على الأرض. وکما أنّه لا يمكن مقارنة حرارة الشّمس وضوئها مع الضوء المنعكس في المرآة، لا يمكن مقارنة درجة ظهور صفات الله في الإنسان مع صفات الله عز وجل نفسها.

والحقيقة أنّ الإنسان من مظاهر أسماء الله وصفاته، وتعتمد درجة تخلقنا بالله ونسبة تجلي صفاته في أنفسنا على طهارة أرواحنا ونقاء قلوبنا، تماما كالمرآة. إذن فإننا نعتبر “الإنسان” مرآة الله، ويمكن القول بأن من عرف نفسه فقد عرف ربه. اذا لم نصل إلى معرفة الله، فإننا إما كنا ناسين أنفسنا أو سلكنا طريقا خاطئا لمعرفة النفس.

الإنسان مرآة الله

كلما اقتربنا أكثر من بُعدنا الإنساني لوجودنا وكلما استطاعت نفسنا الحقیقیة أن تسيطر علينا، سيتم تجلي المزيد من صفات الله وخصائصه فينا. إن البعد الإنساني أو ماوراء العقل هو نفس النفخة التي أودعها الله أمانة عندنا، حيث انها تنطوي على جميع صفاته وخصائصه سبحانه و تعالى. إذا أردنا اكتساب معرفة الله، فيجب علينا معرفة أنفسنا بصورة صحيحة، لكي لا نُضل من قبل البعد الجمادي والنباتي والحيواني والعقلي لوجودنا، ولا نأخذ هذه الأبعاد فقط بعين الاعتبار بدلاً من بعدنا الإنسانی أو الإلهي.

في الواقع، كما أن وجودنا يمكنه أن يكون مرآة لله، ولكن یمکنه أيضا أن يكون بمثابة حجاب يحجبنا عنه سبحانه، لأنه إذا تحول إلى أداة نرى فيها أنفسنا فقط، فسوف يعمل كحجاب سميك يعيق رحلتنا نحو النضج الإنساني.

تصورنا لأنفسنا 

عندما نقف أمام المرآة نشاهد شخصًا كنا معه منذ الطفولة یدعی بال: “الأنا”. هذه الأنا قد كبرت ونضجت وتغيرت وقامت بأداء دورها في الاسرة والمجتمع. بعض أجزاء “الأنا” كانت دومًا معروفة لدينا، منها الوجه والجسم مثلا. وكلما نظرنا إلى أنفسنا استأنسنا برؤية هذه الأجزاء المألوفة لدينا و يمكن لأقل التغييرات فيها أن تكون مهمة لنا. في المقابل هناك بعض الأجزاء من هذه “الأنا” التي رغم كونها جزءاً من وجودنا، إلا أنها لا يمكن رؤيتها من خلال النظر إلى أنفسنا في المرآة، مثل الأحشاء الداخلية والأفكار والهوية و سمات الشخصية. إذن، فالسؤال هنا هو: ما هي “النفس” التي نشير إليها في القول: “من عرف نفسه فقد عرف ربه“؟ كل ما ذكرنا عن “النفس” هنا كان من مظاهر الأبعاد المختلفة لوجودنا والذي لا ينبغي أن نطلق عليه “النفس الحقيقية“.

الحقيقة أن ما نراه من صورة أنفسنا أمام المرآة هو “البعد الجمادي” لوجودنا الذي له وزن وشكل وحجم محدد مثل كل الجمادات. والجزء الآخر من وجودنا الذي ينمو و يتكاثر ويأكل هو “البعد النباتي“. و هناك جزء آخر في الإنسان يسمى “البعد الحيواني” و هو الذي يشكل أسرة ويملك مكانة في المجتمع، وكذلك “البعد العقلي” الذي يهتم باكتشاف أسرار العالم وقوانين العلم.

إذن أين هي الأنا وإلى أي جزء تنتمي من هذه الأجزاء؟

ودیعة الله فی النفس

يتم تشكيل “النفس” أو “الأنا” الحقيقية” من انضمام كل هذه الأجزاء التي ذكرناها إلى البعد الإنساني للوجود. إن الخطوة الأولى في معرفة النفس هي التعرف على هذه الأبعاد المختلفة وفهمها وفصلها عن بعضها البعض، ومعرفة أن وجودنا هو مزيج من كل هذه الأبعاد، مع الانتباه أن هذه الأجزاء بأسرها يجب أن تُعتبر كأداة و محمل للنمو والتکامل للجزء الإنساني من وجود الإنسان.

البعد الإنساني” هو الذي تكمن فيه علامات من أسماء الله وصفاته التي هي مألوفة لنا جراء تواجدها فينا. فإننا لو لم نختبرها من قبل لما كنا قد ميّزناها، تماما كما لو أننا لم يكن لدينا فهم في الجمال فلم يكن من الممكن تمييز الجمال، وإذا لم نشعر بالقدرة والقوة، فمن المستحيل تعريفها وتشخيصها في العالم.

يمكن للإنسان أن يجد الله خارج وجوده بالصفات التي أودعها سبحانه بداخله. لذا هو بحاجة إلى مشاهدة العالم بمنظار بُعده الإنساني لكي يرى الله وراء الظواهر، إذن “البعد الإنساني” هو البعد الوحيد الذي يستأنس بوجود الله في وجود الإنسان، وإلا فترانا نرى العين و نندهش لجمالها و نكتب الشعر عنها دون الإنتباه إلى دقّة عمل خالقها، ونرى الجبل مسرورين لعظمته غير مدركين عظمة خالقه، ونرى الأم حامدين لطفها ومحبتها إلا أننا غير متذكرين حنان خالقها! لو كانت رؤيتنا للعالم غير صحيحة، فلن نرى سوى ظهور الظواهر ولن نصل إلى الله أبدًا.

 لماذا الإنسان؟

دعونا نعود إلى نص الحديث الشريف: “من عرف نفسه فقد عرف ربه“. لكن لماذا الإنسان؟ لماذا تحظى معرفة الإنسان باهتمام كهذا بين جميع المخلوقات ولماذا يعتبر الإنسان مفتاح معرفة الله؟

دعونا نوضح ذلك بمثال: عندما يذهب شخص ما نحبه في رحلة، يمكن أن تذكرنا أشياء معينة به. بعض الأشياء تذكرنا به أكثر من غيرها وتجعلنا نفكر بهذا الشخص أكثر. مثلاً عندما نرى صورة له على الحائط، أو نظاراته، أو خاتمه المفضل. هذه الأشياء تساعدنا على تذكره كثيرًا.

نفس هذه القاعدة هي حال الكون. كل مخلوقات العالم تحمل علامة من الله وكل واحد من هؤلاء مُظهر صفات الله قلیلا أو کثیرا. أما الإنسان من بين المخلوقات فهو المخلوق الأكثر تشابهًا مع الله، وقد تم تجلى جُل صفات الله فيه. لذا، إذن إذا کانت هناك معرفة لمخلوق من مخلوقات الله توصلنا إلى معرفة الله، فإن هذا المخلوق ليس سوى الإنسان!

اكتب رأيك