ما هي حقيقة الإنسان؟ ماذا يكمن وراء سوء فهم الإنسان لنفسه؟

جدول المحتويات
"ما هي حقيقة الإنسان ومن هو محبوبه الحقيقي؟"

لماذا يجب أن نعرّف أنفسنا كإنسان؟

لا يتمتع أفراد المجتمع بالكمالات على نفس المستوى، فالبعض مثلاً أكثر كمالًا من غيرهم من ناحية الوراثة، فتراهم يتمتعون بالجمال والقوة الجسدية والذكاء والصحة و غيرها من الكمالات التي تعتمد على الوراثة إلى حد كبير. و لأننا نرث نسبة كبيرة من هذه المكونات من أسلافنا ولا يوجد لدينا دور في ذلك، فإننا قد نكون غير راضين تماما عن جمالنا وذكائنا، أو أنه يزعجنا أننا ولدنا بأمراض وعيوب خلقية.

من ناحية أخرى، توجد كماليات في الحياة التي على رغم أنها غير موروثة إلا أنها خارجة عن سيطرتنا. على سبيل المثال، يولد بعض الناس في أسر غنية مقابل أولئك الذين ولدوا في أسر قليلة الثروة. و بالمثل هناك من يدخل إلى العالم في أسر ذات نفوذ بينما يجد آخرون أنفسهم ينتمون إلى أسر عادية. قد يفقد بعض الأفراد والديهم في مرحلة الطفولة، والبعض الآخر لايعرفون والديهم ونشأوا منذ الولادة في رعاية مؤسسات أو أشخاص غير أسرهم الأصلية. حتى جنسنا، و هو جانب أساسي من هويتنا، ليس لدينا دور في اختياره. لذلك، قد نواجه هؤلاء الذين هم غير راضين عن الجنس المحدد لهم.

هذه هي هموم قد شغلت أذهاننا مرات عديدة وجعلتنا نقارن أنفسنا بالآخرين: لماذا فلان أكثر جمالًا أو ثراءً مني؟ لماذا يوجد شخص لديه دعم أسري، وليس لدي عائلة أعتمد عليها؟  لماذا  فلان متزوج ولكن أنا غير متزوج؟ لماذا طفل فلان ذكي ويتمتع بصحة جيدة وطفلي معيبًا ومريضًا؟ وآلاف الأسباب الأخرى …

إذا كنت تواجه مثل هذه العلامات الإستفهام في ذهنك وليس لديك إجابة عنها، يجب أن نقول: “إنك لا تعرف نفسك جيداً.”

المنافسات اللاإنسانية وأضرارها 

في مجتمع حيث تتجه معايير التقييم بعيداً عن الكمال الإنساني وقوى ماوراء العقل، نحو المقاييس غير الإنسانية مثل الجمال والتعليم والوضع الإجتماعي وما إلى ذلك، يتغير تعريف الناس لأنفسهم وللآخرين. هنا تتحول ساحة الحياة، بدلاً من أن تكون منصة لنمو الجزء الإنساني من وجودنا، إلى حملة من المسابقات الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية، ويحاول كل منهم استعراض كمالاته و الظهور كأجمل نبات وأقوى حيوان و ينافس النباتات والحيوانات الأخرى، و ما إن كانت لدينا عيوب ونواقص في أي من هذه الأبعاد، نشعر عندها بالدونية والبؤس.

جميعًا نملك صندوق أدوات العدة في منزلنا و الذي يحتوي على أدوات مثل مفاتيح الربط ومفكات البراغي وما إلى ذلك، و نستخدمه لأغراض مختلفة. صندوق الأدوات هذا لا يشّكل هدفًا في بيتنا أبدًا، ولكنه دائمًا وسيلة من الوسائل التي من المفترض أن تقودنا إلى أهدافنا. هذا لا يقتصر على صندوق الأدوات، بل كل شيء في العالم المادي هو أداة: الكرسي وسيلة للجلوس، والطعام وسيلة للشبع والبقاء، والملابس وسيلة للحماية من الحر والبرد، والزواج وسيلة للحصول على السلام وإشباع الغريزة الجنسية و … يعني أن الغرض منها کلها هو توفير الراحة والرفاهية لبعدنا المادي.

جسمنا مصنوع من مادة، لذا فهو أيضًا أداة. كما أوضحنا بالفعل، نحن لسنا مقيدين بالجسد، لكننا كائنات إلهية وغير مادية نحتاج إلى الجسد في مسار تطورنا الإنساني. إذا ما اعتبرنا أجسادنا كأداة واعتبرنا أن أنفسنا الحقيقية مساوية لهذا الجسم، فمن الطبيعي أن يكون هدفنا هو تلبية احتياجات الجسم فقط بدلاً من النمو الإنساني والتطور في هذا البعد، و ينتهي بنا المطاف أن نعاني من النواقص التي تصيب أجسامنا ونشعر بأننا لا قيمة لها. بل من الممكن القيام بأشياء غير أخلاقية للتعويض عن هذه النواقص.

تصوّر لو أصبحت هذه النظرة الخاطئة شائعة بين جميع أفراد المجتمع، ماذا سيحدث؟ ستأخذ القيم الحيوانية مكان القيم الإنسانية وينجذب المجتمع إلى الإبتذال والإنحراف كلّ يوم أكثر فأكثر، وهي ظاهرة نراها بوضوح شديد هذه الأيام.

إن موقف ونظرة الآخرين عنا وفقًا للمكوّنات التي يقيسونها هو أمر خارج عن سيطرتنا. لكن كيفية رؤیتنا إلى أنفسنا وتقيیمنا لوضعنا في نظام الخلق هو أمر نملك كامل الاختيار فيه. إن مستوى السعادة والطمأنينة لا تعتمد لا على الأصول الجمادية و النباتية و الحيوانية ولا حتى العقلية. إنّ اكتسابها لا تضيف ذرة إلى قيمتنا، كما أنّ خسارتها لا تنقص من قيمتنا. بالطبع، كل هذا بشرط أن نعرّف أنفسنا على أننا “إنسان“، وليس جمادًا ونباتًا وحيوانًا.

الحقيقة الإنسانیة تفوق الجنس وتفوق المادة.

كبشر، إننا لسنا نساء ولا رجالًا، ولسنا أصحاء ولا مرضى، ولسنا متزوجين ولا عازبين، ولسنا أطباء ولا مهندسين ولا عمّال وموظّفين. كل هذه أمور مادية ائتُمنّا عليها، إنّ ذواتنا الحقيقية ليست مادية لكي یتم فهمها بممتلكات مادية. وبما أن نفس الإنسان ليست كائنًا ماديًا، لا يمكن لمعشوقه الرئيسي أن يكون ماديًا أيضًا، ولا يمكن أن تعتمد قیمتنا على أشياء دنيوية ومادية. في هذه الحالة، إذا أهاننا شخص ما بسبب بعض عيوبنا أو قصورنا، فإننا لن ننسب هذا الإذلال لأنفسنا أبدًا و لن نشعر بالحزن حيال ذلك. ولكن إذا لم تكن لدينا مثل هذه النظرة عن أنفسنا فهذا يعني أننا نعاني من نقص معرفة النفس ويجب أن نفكر بجدية في هذه المسألة.

إن الله يريد منا أن ننظر إلى أنفسنا باعتبارنا كائنات متعالية ومتسامية، لأنه تعالى ينظر إلينا بهذه الرؤية. تعتمد قيمة وجود كل منّا على مدى قربه و علاقته مع الله كمعشوق أساسي وإنساني. الصداقة مع الله والتشبّه به هي كمال حقيقي ودائم، ولا يشبه الكمالات الدنيوية التي تتأثر وتتغير في دوامة الزمن. إن إنسانيتنا تعتمد على مقدار ما نتشبّه بالله تعالى، فكلما كان هذا التشبّه أكثر، اقتربنا من حقيقتنا، حتّى لو کنا فاقدین لبقية الكمالات الدنيوية.

اكتب رأيك