ما هو ملكوت الأشياء؟ وكيف يمكننا الوصول إليه؟
حان الوقت الآن لنخلع نظارات الحس المألوفة عن أعيننا و نلقي نظرة مختلفة على الأشياء الموجودة في هذا العالم. نحن نفقد فرصة الرؤية والتفكير بسرعة. ربما قد اقتربت نهاية حياتنا و لم نفكر بعدُ في ملكوت السماوات والأرض.[1]
لكي نفهم ما هو ملكوت الأشياء وكيف يجب أن ننظر إليه، تخيل جنينًا في رحم أمه. إنّه لا يرى سوى الحبل السري، والسائل الذي يطفو فيه، والمشيمة التي يتغذى منها والجدار الرحمي الذي يحيط به. يعتمد وجوده على وجود أم تدير جسده. الأم هي سبب وجود الجنين، بينما الجنين لا يرى الأم ولا يدرك وجودها. في الواقع، ليس هناك جنين بدون أم. نستطيع القول في هذا السياق أن الأم هي ملكوت الجنين.
إذاً، الملكوت هو الباطن الذي يعتمد عليه كل وجودنا، ولكننا لا نراه ولاندرك منه إلّا قشره السطحي والظاهري. الملكوت الحقيقي للأشياء هو حقيقتها المخفية التي تكون في الوقت ذاته سبب وجودها. هذا السبب في النهاية هو ليس سوى الله الذي يظهر ويتجلى في جميع أنحاء الكون بتجليات مختلفة، في الأم، وفي العالم، وفي السماء والأرض.
وهكذا فللدنيا ملكوت أيضاً، إنّه فضاء لا نراه، إلّا أنّه يدير العالم تماما كما تتعامل الأم مع جنينها. إذا لم يكن هناك ملكوت، فلن تكون هناك دنيا. كما لو لم تكن هناك أم، فلن يكون هناك جنين. إذن، إن وجود الشيء وحياته وكينونته يعتمد على ملكوته وحقيقته الخفية.
كيف يمكننا الوصول إلى الملكوت؟
إنّ ملكوت الأشياء موجود، سواء كنّا على دراية بوجوده، أو وصلنا إليه، أو استفدنا من وجوده أم لا! والحقيقة أنّ الوصول إلى ملكوت الأشياء لايمكن إلّا عندما نخرج من إطار حياتنا ونكون أكبر وأعلى منه. دعونا نعود إلى مثال الجنين والأم لتوضيح الفكرة، يكتشف الجنين أنّ أمه هي ملكوته فقط عندما يتخطى حاجز قشرته وكيسه، أو بعبارة أخرى عندما يتجاوز وجوده الحدود الرحمية و لا يُمكن أن يُقيَّد بأي شيء من الإطار السابق ولا يُعرقل سيره.
بالطبع، لا يمكن لأي شخص رؤية ملكوت الأشياء إلّا إذا كان مؤمنًا بحقيقته مسبقًا، أي أنه يجب أن يكون متيقنًا من وجود ملكوت الأشياء. في الواقع، يجب أن تعتاد أعيننا على الرؤية والبحث عن الأسباب من خلال المعرفة والإدراك الذي نمتلكه. على سبيل المثال، عندما نرى طاولة خشبية، نعلم أن نجارًا قام بصنعها، وشخص يعرف الرياضيات قام بتصميمها، وكان هناك شجرة تم قطعها لاستخدام خشبها، ومنشار قام بقطع الشجرة، ومصنع قام بتصنيع المنشار، وكان هناك منجم استخرج المعدن لصنع شفرة المنشار، وجهاز استخراج المعدن، وكان لهذه الآلة صانع و…
إننا عندما ننظر إلى الطاولة، نكون متأكدين من وجود جميع هذه المراحل، حتى ولو مررنا بها ببساطة. و كذلك عند تناول الطعام، نعلم أن هناك شخصًا قام بإعداده و شراء مكوناته اللازمة، وتم نقل خضرواته من المزرعة إلى مكان البيع، وهناك شخص قام بزراعة هذه الخضروات وسقيها ورعايتها، كما قام بشراء بذور هذه النباتات بالإضافة إلى أمور أخرى لإعداد هذا الطعام. إننا نمتلك هذه المعلومات جميعها، حتى ولو لم نولي لها اهتمامًا. إن ملكوت الأشياء موجود وراء كل شيء، سواء فكرنا فيه أم لا، و لرؤية ملكوت السماء والأرض، يجب علينا أن نعتاد على رؤية ملكوت الأشياء.
ما هو الشيء الذي يعيق تفكيرنا؟
لقد فهمنا حتى الآن أن هناك ملكوتًا أو باطنًا وراء كل حقيقة وتفاعل وظاهرة في هذا العالم. عندما يكون التفكير في ملكوت السماوات والأرض بديهيا للغاية بحيث يلزم الله حتى الكفار بالتفكير فيها[2]، فلماذا لا نرى هذا الملكوت؟ لماذا نظل عالقين في القشر ولا نفكر في الباطن؟
الحقيقة هي أننا أصبحنا معتادين على حجاب و هذا الحجاب يحتفظ بنا على سطح ظاهر العالم والأشياء. تماماً مثل الجنين الذي يظل محصوراً في رحم الأم ولا يرى شيئا أبعد من ذلك حتى وقت الولادة، إننا أيضاً محاطين بكمالات محدودة وقد منعنا أنفسنا من التفكير، في حين أن الله يستمر في سؤالنا عن ذلك ويعتبرنا مذنبين لتجاهل هذه المسألة.
الحقيقة هي أننا قد أصبحنا عبيدًا للعادات التي تعمل كحجب و حبستنا في مستوى ظاهري من العالم والأشياء. تمامًا مثل الجنين الذي يقتصر فهمه على عالم الرحم ولا يرى ما هو بعده حتى لحظة الولادة، نحن كذلك محاطين بكمالات محدودة و منعنا أنفسنا من التفكير، بينما يطلب منا الله باستمرار التفكير في هذا الأمر ويعتبرنا مذنبين لتجاهل هذه المسألة.
في هذا المقال، تحدثنا عن وجود خفي يُعرف بالملكوت وراء كل تفاعل وحقيقة في هذا العالم، والذي يعتبر سبب وجود تلك الظاهرة. نسمي هذا الوجود الخفي بـ “الملكوت“. لقد فهمنا أنه يجب أن نتجاوز إطار حياتنا السابق للوصول إلى الملكوت. تحدثنا عن شرط رؤية ملكوت الأشياء وتساءلنا لماذا نتجاهل ملكوت السماوات والأرض على الرغم من أهميتها لدى الله!
فما رأيكم فيما يتعلق بملكوت السماوات والأرض؟ هل فكرتم يومًا في رؤية هذا الملكوت وأهميته؟
[1] . السورة الاعراف، 185.
[2] . سورة الأعراف، الآية 185