كيف تقربنا معرفة الأدوات وأهمية صناعتها من الهدف؟
عندما نخوض في حوار حول الأدوات وأهمية صناعتها، تتجه أفكارنا تلقائيًا نحو مجموعة من الأدوات التي ننتفع بها لتحقيق أغراض خاصة غير مدركين أننا قد شاركنا في صناعة الأدوات واستخدامها طوال حياتنا، سواء في مرحلة الجنين أو خلال مراحل الحياة في الدنيا. وعلى الرغم من أننا قد ألفنا أجسادنا بالاضافة إلى العديد من الأمور التي نتفاعل معها، فإن تركيزنا يظل محدودًا و قد يحجب عنا الانتباه إلى الكثير من الأمور التي نتفاعل معها بشكل يومي.
يقتصر تعريفنا وتفسيرنا لمصطلح “الأداة” عادة على مجموعة محدودة من الأجهزة التي نستخدمها بشكل روتيني في تأدية المهام الفيزيائية، مثل المقص، والمنشار، والسكين، وما إلى ذلك. على سبيل المثال، إذا كان علينا استخدام أيدينا لقص قطعة من الورق بدلا من المقص، فسنقول ببساطة أننا لم نستخدم أداة. بینما تُعد “الید” نفسها في الحقيقة نوعًا من الأدوات بالنسبة لنا. وهي الأداة التي قد تحرمنا من الاستفادة من العديد من النعم والإمكانيات المتاحة في الدنيا بفقدها. في هذا المقال، سنتعمق في مفهوم الأداة ونسلط الضوء على أهميتها. في أي ظروف يمكن أن نجد أنفسنا محرومين من وجود الأدوات؟ وأخيرًا، سنتناول كيفية عملية صنع الأدوات وكيف وفي أي بيئة تحدث هذه العملية؟
الحرمان من الأدوات
غالبًا ما ندرك قيمة الشيء بعد أن نفقده. تنسجم صناعة الأدوات وأهميتها مع نفس المبدأ. تخيّل لو لم نعد قادرين على رؤية وجوه أحبائنا الذين اعتدنا على التواجد معهم، أو إذا فقدنا إلى الأبد قدرتنا على التذوق والاستمتاع بطعم الفواكه والطعام وتجربة متعة النكهات المتنوعة.
العيش بدون إحدى هذه الحواس هو الحرمان من العديد من الملذات والتجارب التي تجعلنا سعداء. حرمان لا يقع اللوم على العالم الخارجي. أي أن كل هذه الملذات موجودة في العالم الخارجي، واستخدام كل واحد منها يتطلب الأداة المناسبة و السالمة للاستمتاع بها؛ عين صحية لرؤية القمر، أذنان صحيحتان للاستمتاع بصوت المطر، بشرة صحية للمس جذع الشجرة. إنّ القمر والمطر والشجر متاح لنا في كل مكان، غير أنّ التمتع بها يتطلب أداة خاصة.
لیس الضعف والفقدان، أو حتى عدم امتلاكنا للأدوات، من جرائم القمر والمطر والشجرة، وليست الدنيا مَن منعتنا من الاستمتاع من جمالياتها. بل نحن مَن نجلب معنا الأدوات المناسبة أو نحرم أنفسنا من هذه الملذات بسبب حادث أو إهمال امتلاك الأدوات وأهمية صناعتها.
بالطبع، لا يُعتبر عدم الاستفادة من أداة ما إهمالًا تجاهها وعدم الرغبة فيها. لنلقِ نظرة على مثال يوضح ذلك، تخيل شخصًا وُلِدَ بتشوه خلقي مثل اضطراب في الجهاز العصبي، حيث أنه لا يملك القدرة على استخدام قدميه. نعم، قد لا تكون “أداة المشي” في جسده كفءًا، ولكن تظل “الرغبة في المشي” حيةً في داخله دائمًا. تمتد هذه الفكرة لتشمل باقي أدواتنا الإدراكية أيضًا. على سبيل المثال، العين هي أداة للرؤية لدينا، وعدم وجودها لا يحرمنا فقط من الرؤية، بل تحل محلها رغبة دائمة في الرؤية لدى الشخص الكفيف. في الحقيقة، إن وجود هذه الرغبة يُحفِّزنا لبذل أقصى الجهود لعلاج مشاكلنا الجسمانية.
أين وكيف يمكن إنشاء الأدوات؟
ولكن، في أي مرحلة من مراحل حياتنا تظهر الأدوات التي نتحدث عنها؟ الملفت هنا هو أن جميع الأعضاء التي نستخدمها كأدوات دنيوية يتم إنشاؤها في مرحلة لا يأخذها أي منا في الاعتبار كجزء من حياتنا! نعم! إنّ الفترة الجنينية هي التي يتم فيها بناء جسمنا وأجهزتنا الحيوية والتي، على الرغم من استجابتها إلى حد ما في البيئة التي يتواجد فيها الجنين بالنسبة للمحفزات الخارجية، لا تجد تطبيقًا عمليًا في بيئة رحم الأم.
لا يعرف الجنين في رحم الأم توقفًا في رحلة نموه الكامل. إنه يبني لنفسه القلب، والدماغ، وجهاز الهضم، والتنفس، والدورة الدموية، والعينين، والأذنين، واللسان، وغيرها من الأدوات. إنه يجهز نفسه للانطلاق إلى مرحلة أكبر للغایة، حيث يتسامى بالأحداث والملذات التي لا يمكن تصوّرها أو وصفها آنذاك.
على الرغم من أن كلٌّ من العينين والأذنين وجهاز التنفس والقدرة على التفكير وجميع الأدوات الأخرى التي يتم بناؤها في جسم الجنين، لا تكون فعّالة في البيئة الصغيرة والمحدودة داخل رحم الأم، إلا أنّ الوالدين اللذين يدركان ضروريات الحياة في الدنيا، يراقبان بعناية فائقة لضمان عدم حدوث أي مشكلة في عملية نمو الجنين، وإذا كانت هناك أي مشكلة، يسعيان لعلاجها في نفس المرحلة الجنينية لکي لا يواجها ولادة طفل ضعيف أو مصاب بأمراض أو نقص، مما قد يؤدي إلى معاناة طويلة على مدار حياته. يظل بناء الأدوات وأهمية صناعتها أمرًا ضرورياً ويمتد أثره إلى الحياة الآخرة بنفس أهميته في الدنيا. سنقوم هنا بالتفحص الدقيق لهذا الدور الحاسم وإلقاء الضوء على أهميته.
استفدنا من الفهم الذي حصلنا عليه في المقالات السابقة، بناءً على قاعدة النسبة، أنّ العلاقة بين رحم الأم والدنيا، تُظهر أيضًا مدى التناغم بين الدنيا والآخرة. لذلك، وبما أن الدنيا تكاد تكون لا شيء مقارنة مع الآخرة، فما هو الدور الذي تلعبه وما هي أهميتها في حياتنا؟ يجب أن نجد الإجابة في نفس النسبة التي تمثل أساس الحديث في المقالات السابقة. هل سأل أحدٌ يومًا عن ضرورة البقاء في رحم الأم قبل دخول الدنيا؟ هل اعتبر أحد أن الوقت الذي قضاه في رحم الأم لا جدوى له أو بدون فائدة؟ في الحقيقة، تكمن أهمية رحم الأم في حياتنا الدنيوية في قدرته على البناء، حيث لا يمكن أن تبدأ حياة جديدة في المرحلة التالية دون بناء الجسم في بيئة رحم الأم.
صنع الأدوات للآخرة

من الضروري أن جميع الأدوات اللازمة للحياة في الدنيا يتم بناؤها في المرحلة السابقة، وهي المرحلة التي تأخذ مكانًا في رحم الأم. فبناءً على الطبيعة نجد أن الأدوات التي تحتاجها لحياتنا في الدنيا يتم إنشاؤها في المرحلة القبلية، وهي تلك الفترة الزمنية التي تمر بها في رحم الأم. وعلى نفس النحو، يتعين لنا بناء أدوات حياتنا في الآخرة في المرحلة السابقة، أي في الدنيا.
لا تحمل الدنيا قدرات رحم الأم، کما لا تحمل الآخرة قدرات الدنيا لبناء تلك الأدوات الأساسية. لا یقل صناعة الأدوات وأهميتها في الآخرة عن الدنيا، بل تتسم بأهمية أكبر نظرًا للبنية الأبدية للآخرة والحياة السرمدية التي نعيشها فيها. يؤدي أدنى مستوى من التأخير أو التعثر في عمل رحم الأم إلى تحمل عبء المعاناة طوال الحياة. ليست هذه المعاناة نتيجة لظروف الدنيا أو الآخرة، ولكنها تنبع من عدم التوافق والانسجام مع شروط هاتين البيئتين.
كما سلطنا الضوء عليه من قبل، يعد رحم الأم، المكان الذي يتم فيه بناء الأعضاء والأجهزة اللازمة للحياة في المرحلة اللاحقة، حيث يتم تجهيز “الجسم” للحياة في الدنيا، بينما يجب علينا في رحم الدنيا أن نعد “القلب” أو “الروح” الخاصة بنا لحياة الآخرة. يحتل بناء الأدوات وأهمية صناعتها مكانة خاصة في كلا الرَّحِمَين، مع الاختلاف فيما أنّ نمو الجنين في رحم الأم يكون بطريقة تكوينية وغير إرادية، بينما يعتمد تحصيل القلب السليم في الدنيا وتنمية الجوانب الإنسانية وبناء أدوات للآخرة على اختيارنا وإرادتنا الشخصية.
لا يملك الجنين في رحم الأم القدرة على الاختيار أو التصرف بإرادته، حيث يتم بناء الأدواة وصناعتها تلقائيًا وفقًا للظروف الموجودة في الرحم. بينما نحن الآن لدينا القدرة على اتخاذ القرار والتحكم بإرادتنا في الدنيا، ويجب علينا استغلال هذه القوة بشكل صحيح لصناعة الأدوات. كما أشرنا سابقًا، تعد عملية الصيرورة وصنع الأدوات طبيعية في رحم الأم، وحتى إذا كنا غير مدركين وغیر جاهدين تمامًا لهذه العملية، فإننا مستمرون في صنع أدوات حياتنا لمرحلة الآخرة. وفي النهاية، إما أن يكون هذا البناء صحيحًا وفعّالًا نحو تحقيق الرفاهية واكتساب القلب السليم، أو أنه يتجه في اتجاه غير صحيح.
ناقشنا في هذا المقال، مفهوم الأدوات وعملية صنعها، مسلطين الضوء على أهمية صناعة الأدوات في حياتنا، سواء في الدنيا أو في الآخرة. تمحورت فكرة صناعة الأدوات لحياة الدنيا في المرحلة القبلية، وهي المرحلة التي تقع في رحم الأم، حيث يتم إعداد وصناعة الأجهزة والأعضاء اللازمة. وبالمثل، بما أنه يتوجب علينا إعداد أنفسنا و اكتساب الأدوات الضرورية للآخرة في رحم الدنيا، نجد أننا دائمًا في عملية صنع الأدوات في هاتين البيئتين. يعود فشلنا في الاستفادة من فرص الدنيا أو الآخرة وإمكانياتهما إلى عدم توفر الأدوات المناسبة التي يجب أن نبنيها.
هل تولي اهتمامًا لعملية صناعة الأدوات وأهميتها في بيئة الدنيا؟ نتطلع إلى مشاركة آرائكم حول هذا الموضوع.