ما هي أهمية الكمال الإنساني في الحياة و لماذا لا يبحث الناس عن الكمالات الإنسانية؟
“الإنسان”، كلمةٌ قد أصبحت مكرّرة لنا من فرط سماعها بينما نحن بعيدين بنفس القدر عن معرفة كنهها. إنه لمخلوق مذهل عظيم لانهتم بمعرفته ودراسته بالتفصيل. إنه كائن له كمالات ومواصفات ذاتية متعددة، تبدأ من أدنى مراتب وجوده وتستمر إلى اللانهاية. كل من هذه الكمالات محيطة به بشكل ما، وخاصة بجانب من جوانب وجوده، منها الجانب الجمادي والنباتي والحيواني والعقلي وما وراء العقلي الذي يدعى أيضا بالجانب الإنساني.
يرى كل بُعد من أبعاد الوجود الإنساني غايته ونهاية تنميته في الوصول إلى كمالاته الخاصة التي يحبها ويسعى إلى تحقيقها. إلّا أنّ ما نغفل عنه عادة، هو الجانب الإنساني فينا والذي هو الجزء الأهم من كياننا. يعتمد السلام و الكمال النهائي لوجودنا على قدر السلام و الكمال الإنساني فينا. إن سلامة الجانب الإنساني أو ما وراء العقلي في وجودنا تعادل جهوده في طلب محبوبه وسعيه وراء الوصول إلى الكمال الإنساني.
إذا لم نرغب في بذل جهد للوصول إلى الكمال الإنساني في وجودنا أو اذا كان هذا السعي ضئيلا ليس كالجهد المبذول لتحقيق كمالات أبعادنا الوجودية الأخرى، فهذا يعني أن تنمية البُعد الإنساني فينا غيرمكتملة وأنّنا لم نعرف أنفسنا كإنسان بعد. إذن وعلى الرغم من الوصول إلى كمالات الأبعاد السفلى من وجودنا لن نحصل على السعادة والهدوء في الحياة أبدا.
الأبدية متأثّرة بالكمال الإنساني
سوف نطرح مثالاً لفهم أهمية الكمال الإنساني. تخيّل أنّك تتهيأ لأسئلة امتحان ما وأشرت إلى موضوعات مهمة في الكتاب بصفة عامة دون أن تشير إلى الجواب الدقيق للأسئلة. هل تتوقع النجاح في هذا الامتحان؟ بالطبع لا!
لا يخفى على أحد أن اكتساب الكمالات الدنيوية لها أهميتها حيث أننا من خلالها نشعر بالاحترام والقيمة في هذا العالم، ونحقق أحلامنا و أمنياتنا و ننمّي قدراتنا. غير أنّ بلوغ مستوىً عالٍ من هذه الكمالات يعتبر نفسه عائقا إلى وصول الإنسان إلى السلام والسعادة الدائمين، حيث أنه كما شرحنا سابقا، فإنّ الحياة الإنسانية محدودة، ولا تسمح لنا الإمكانيات دوما الى الوصول إلى أعلى درجة من الكمالات، حتى في كمال واحد من الأبعاد السفلى لوجوده.
الجانب الوحيد في الإنسان الذي بإمكانه أن يصل إلى اللانهائية هو الجانب الإنساني، بما أنه يحب السعي لتحقيق الكمال الإنساني. إذا تم تنشيط هذا الجزء في وجود الإنسان بشكل صحيح، سيكون قادر على تحقيق الكمال الإنساني بلا حدود، وفي هذه الحالة فقط يتم إدارة كمالات الأجزاء السفلية الوجودية بصورة صحيحة، ولا تؤدي الاستفادة منها إلى جلب السعادة للإنسان فحسب، بل لها دور ايجابي في تقدمه في الحياة بصورة عامة.
الكمال الإنساني وأسباب عدم اهتمام الإنسان به
إن القيمة التي نمنحها لكل شيء تعتمد بشكل وثيق على معرفتنا بتلك الظاهرة. على سبيل المثال، إذا كنا نعلم أن قرارنا بشأن مسألة معينة سيكون له تأثير مباشر على سعادتنا لعشر سنوات قادمة من حياتنا، فإننا بالتأكيد سنتحلى بأقصى درجات الدقة في اتخاذ ذلك القرار. و لكننا لا نبدي أي اهتمام بالسير نحو تحقيق الكمال الانساني الذي يؤثر على مستقبلنا و أبديتنا بأكملها، لاننا لا نملك معرفة دقيقة عن انفسنا و أبعاد وجودنا.
ولتنعلنا لسنا مذنبين بهذا الصدد، فلم يخبرنا أحد عن واقع حقيقتنا الإنسانية، كما أننا لم نبحث عنها بأنفسنا أيضاً.
منذ أن أبصرنا النور، رأينا أنفسنا في هذا العالم و تفاعلنا مع ظواهره. لذلك فإن فهم أي ظاهرة غير ملموسة أمرا صعبا وقد يكون مستحيلا. إنّ كمالات الأجزاء السفلية من وجودنا كلها ملموسة ومعروفة لنا، بحيث إننا نفهم وبسهولة التأثير المباشر لقراراتنا المتخذة في أيّ من هذه الأجزاء سواء كانت في حياتنا أو حياة الآخرين. ولكن عندما يتعلق الأمر بالجانب الإنساني من وجودنا فإنه كالوادي المجهول بالنسبة لنا حيث أننا لسنا عارفين على المعيار الدقيق للنجاح فيه.
فترى أن كل همومنا ملخصة في حصول لقب الدكتوراة والهندسة، والرئاسة والشهرة، والجمال والصحة، والثروة والتسهيلات؟ ذلك أننا نتصور أن نجاحنا يزيد كلما حققنا أمنياتنا الدنيوية. حيث أننا ظننا أن كلما نلنا المزيد من راحة العيش والرفاهية، كلما كان هدوءنا أكثر. لقد أصبحنا مستأنسين بالعالم المادي لدرجة أنه لا نستطيع منح أنفسنا فرصة خلوة للتفكر في هويتنا ومهمتنا في الكون والتدقيق في مسألة من أين أتينا وإلى أين سنذهب. وبالتالي، ليست لدينا معرفة صحيحة بأنفسنا، كما لانعرف منزلتنا في هذا العالم و لهذا فإننا نقوم إتخاذ قراراتنا على أساس هذه المعرفة الناقصة.
إننا نرى النجاح في تحقيق المزيد من المال والثروة و الجمال والشهرة، والمكانة الاجتماعية الراقية، إلّا أنّنا لو خلونا لحظة مع أنفسنا، فسوف ندرك أن السبب الرئيسي لانجاز كل هذه الكمالات هو تحقيق الهدوء والسعادة الدائمين. مع أن السعادة و السلام و الحب هي من المعايير الأساسية للنجاح في الجانب الإنساني وتحقيق كماله!
الفرق بين المعرفة و عدم المعرفة
“هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون”؟[1] بالطبع لا! حتى في الأمور الدنيوية، فإن الذين يعرفون مكانتهم ودورهم الحقيقي لا يستوون مع غير المطلعين عنها. فمثلاً لا تستوي الأم التي تعرف دورها المهم والحاسم في تربية طفلها كإنسان وتلك التي لا تهتم إلّا بإنجاب طفل وقضاء أيامها معه.
وكلما زادت أهمية القضية، زاد تأثير هذه المعرفة والجهل. المشكلة تكمن في معرفتنا غير الصحيحة بأنفسنا والتي تسفر إلى أننا لانعرف أي كمال يجب أن نقضي وقتنا عليه وإلى أي مدى. إننا نقضي أوقاتنا في التعامل مع كمالات ليس لها التأثير على هدوءنا وسعادتنا ومستقبلنا أو قد تكون حتى ضارة بها.
إننا لا نملك معرفة صحيحة عن أنفسنا كما أننا لسنا على دراية بأبعادنا الوجودية المختلفة. حكايتنا ومكانتنا الحقيقية في الحياة تشبه قصة في المثنوي للرومي عن أمير فقد والده في صغره وأخبروه أنه ليس سوى عبد! ينشأ هذا الأمير معتقداً على الفكرة الخاطئة دون أن يدرك كرامته ومكانته الحقيقية، وبنى كل قراراته وأهدافه وأمنياته على هذه المعرفة الزائفة. إن بعدنا عن ذواتنا الحقيقية والبعد الإنساني لوجودنا واضراره، لا يقل خطورة عما حدث لأمير القصة! وهذا ما يمنعنا من أن نبحث عن أهم حاجتنا في الحياة وهي الهدوء والسعادة كأساس لتحقيق الكمال الإنساني.
ولكن كيف يمكننا إقامة التوازن اللازم بين القوى المختلفة لوجودنا؟ تعتبر المعرفة الكاملة والدقيقة كالخطوة الأولى. لقد عرفنا حتى الآن بعض هذه الميزات في مقالات ودروس مختلفة. وسوف ندرس قوى الوجود المختلفة ودور كل منها في
طريق تحقيق الكمال الإنساني فيما يلي.
[1]. سورة الزمر، الآية 9