ما هو دور المقادير في حياتنا وعالم الكون؟

جدول المحتويات
تحيط بنا المقادير في العالم الخارجي والداخلي، ودور المقادير في حياتنا لا يمكن إنكاره.

دراسة دور المقادير في حياتنا وتأثيرها عليها

لا يوجد شك في أننا نعيش في عالم مُنظَّم، ولكن المشكلة هنا هي أننا غالبًا ما نعتاد على الرضا بمظاهر الأشياء التي نراها. في الحقيقة، إن النظم الدقيق الذي يتواجد في العالم لا يشير إلا إلى وجود مقادير أدق خلف الظواهر. عند الحديث عن الأبعاد والمقادير، قد تذهب بتفكيرك لاإرادياً إلى مختبرات الفيزياء أو الكيمياء، دون إدراك أن المقادير تحيط بنا في العالم الخارجي والداخلي، وأن دور المقادير في حياتنا لا يمكن إنكاره. كل شيء في الكون تابع للمقادير، من الزهور الهندسية المُهَندَسَة إلى تردد الأصوات التي نسمعها، أو المد والجزر في المحيطات، أو ترتيب النجوم، أو أي ظاهرة تؤثر على حياتنا بطريقة ما، جميعها مرتبطة بالأبعاد والمقادير. جميع جوانب الكون، سواء كانت من الجمادات أو المجردات، تم إنشاؤها لكي تعمل وفقًا لقوانين رياضية ومحسوبة. إذاً، يمكننا ببساطة القول إن هذا الكون هو عالم المقادير والأبعاد.

للأسف، يعيقنا التعود على الروتين من استكشاف العالم والتأمل في روعة الظواهر من حولنا. هل فكرت يومًا في الفارق الدقيق بين موقع الشمس والقمر من على وجه الأرض؟ تخيل لو أن الشمس كانت أقرب أو أبعد قليلاً من الأرض. عندها لاحترقت أوراق الأشجار بسبب حدة الحرارة، ولم يكن لدينا طعام للبقاء، و لكنا نعاني من أمراض الجلد وأنواع مختلفة من السرطانات، أو لما كان للإنسان وجود على وجه الأرض بسبب البرودة الشديدة.

تخيل لو أن القمر كان جسمًا أكبر وأقرب إلى الأرض، في هذه الحالة، لارتفعت كل المياه على سطح الأرض بفعل جاذبية القمر، وغمرت القارات و لم يعد يبقى مكانًا للعيش. هذه أمثلة صغيرة فقط على الدور الكبير الذي تلعبه المقادير في حياتنا. نعمة تشبه الآلاف من النعم الأخرى نتجاهلها بلا اكتراث.

أما إذا أمعنّا النظر إلى المقادير في داخلنا، سنكتشف مدى اعتماد الهرمونات والعناصر المختلفة التي تقوم بتنظيم أمور حياتنا على الأبعاد والمقادير. يمكن أن يؤدي تغيير طفيف في مستوى هذه الهرمونات إلى مشاكل كبيرة، مثل الأرق والنعاس الزائد، والاكتئاب والارتباك العاطفي والجسدي، والعديد من التقلبات في التوازن. بالإضافة إلى ذلك، تعتمد حركة عضلاتنا وإطلاق طاقتنا وقوة وضعف عظامنا على كميات صغيرة ودقيقة من العناصر. وكل هذه الأبعاد، بتعقيدها وتفاصيلها، تتطلب استخدام أدق الوسائل لقياسها. 

نطاق تأثير الأبعاد والمقادير

قد يلفت انتباهنا أحيانا دور المقادير في الحياة عند ظهور تحول غير عادي و تغيير في المقادير التي نألفها. نشهد ذلك على سبيل المثال عندما نصادف أفرادا يعانون من حجم غير عادي في أجسادهم، سواء كان صغيرًا أم كبيرًا، مما يمنعهم من الاستمتاع بالامكانيات الشائعة المتاحة للجميع. إن ما يسبب هذا الاختلاف المزعج هو إفراز غير كاف أو زائد لهرمون النمو أثناء فترة الطفولة أو المراهقة. و في حالة وجود كروموسوم إضافي أو جزء منه في الزوج الأخير من كروموسومات جسم الإنسان، مما يؤدي إلى الاضطراب الوراثي الأكثر شيوعًا، ألا وهو متلازمة داون(Down Syndrome). حتى التفكير في هذه التعقيدات والدقة في دور المقادير في الحياة يمكن أن يكون مدهشًا وفي الوقت نفسه مثيرًا للقلق، إذ لا ندرك أنفسنا أبدًا قادرين على التحكم الشامل والتدبير في عالم عظيم بهذا الحجم من الدقة والعظمة.

من المثير معرفة أن نطاق أثر الأبعاد والمقادير لا يقتصر على الأمور المادية والملموسة فقط، بل إنه يشمل التفكير والعقلانية، و جنبًا إلى جنب مع المعرفة تكون هذه هي أسباب سعادتنا في الدنيا والآخرة، ويتأثرون بالأبعاد والمقادير. في الحقيقة، فإن عقلنا يعمل بكفاءة عندما نستطيع تمييز المقادير والحدود وإعطاء الأولوية للتعامل معها بدقة، وأخيرًا نختار الحدود الأكثر أهمية.

خیرُ الاُمور اُوسطها

قد وُضعت المقادير والحدود بهدف الالتزام بها. إذا أهملنا دور المقادير في الحياة، لَواجهْنا عالم مليء بالفوضى والاضطراب. هناك مثال بارز يسلط الضوء على أهمية احترام الحدود والمقادير، يتعلق بمراتبنا الوجودية في أنفسنا. إذا كنا نسعى لكي نصبح أفرادًا متوازنين، يجب أن نراعى مستوياتنا الوجودية الأدنى لتتعلم حدودها وتحترم حدود المستويات الأعلى. إن زيادة اهتمامنا بالمستويات الأدنى تجعل هذه الجوانب تصبح مستبدة وتمنع الجانب ماوراء العقلي من الحصول على فرصة للنمو. تماما كما يحدث للطفل الذي كان يُطاع من قبل والديه ومن ثم يصبح هو الذي يسيطر عليهم.

لا داعي للشك في ضرورة تغذية المستويات الأدنى من وجود الإنسان، شرط مراعاة المقادير وعدم تجاوز الحدود. ولكن هناك نقطة مهمة هنا وهي كيف يمكننا أن نجعل مستوياتنا الوجودية الأدنى ملتزمة بمراعاة هذه الحدود والمقادير؟ لا مجال للقلق، سنقدم مزيدًا من التوضيحات حول ذلك لاحقاً. أما الحقيقة التي لا يجدر أن نغفل عنها هي أنّ رفع مستوى التغذية الروحية للجزء الإنساني من وجودنا يقلل قوة المستويات الوجودية الأدنى وسيطرتها، مما يجعل النفس الإنسانية أكثر استجابة للعدالة و تصبح أكثر خضوعًا وطاعةً لسلطة جانب ماوراء العقل.

الأهم من ذلك هو فهم الحدود والمقادير لذواتنا. يؤدّي درك المقادير وحدودنا كإنسان، إلى تحديد قيمتنا الإنسانية و استيعاب وجودنا بناءً على ذلك. إن هذه القدرة الاستيعابية كبيرة بما يكفي لاحتواء اللانهاية في طياتها. في الواقع، إذا تجاهلنا دور المقادير في الحياة أو بالأحرى، إذا تجاهلنا فهم قدر ذواتنا، فإن طلباتنا لن تكون ضمن حدود البُعد الإنساني لدينا بل ستصغر إلى قدر البُعد الجسماني والأبعاد الأدنى لوجودنا.

تناولنا في هذا المقال دور المقادير في الحياة وبنية العالم المحيط بنا. قدمنا أمثلة على استخدام المقادير في الظواهر المحيطة بنا وفي أعماق ذواتنا، و أبرزنا أن العادات الروتينية قد تعوق القدرة على رؤية عجائب العالم المحيط بنا، وقد يقوم الله أحياناً بتغيير هذه القوانين لكي ندرك هذا النظم والحدود. تحدثنا عن أهمية احترام الأبعاد والمقادير في مراتب وجودنا، وختمنا بالإشارة إلى أننا لن نكون قادرين على طلب أمور ذات شأن وأهمية في حدود وجودنا الإنساني، إلا إذا كنا على دراية بقدر أنفسنا وحدودها.

هل سبق لك التفكير في تأثير المقادير ودورها في هذا العالم؟ نرحب بمشاركة آرائكم حول هذا الموضوع.

اكتب رأيك