ما هو دور المدرب في التربية الأخلاقية وتحقيق الكمال الإنساني؟

جدول المحتويات
ما هو دور المدرب في تربية الإنسان، ومن هم مدربونا الأساسيون؟

ما هو دور المدرب في تربية الإنسان، ومن هم مدربونا الأساسيون؟

إلى أي مدى تؤمن بدور المدرب في تربية الأفراد و نموّهم؟ مَن مِن بين مدرّبيك يتمتع بصفات مدرب الحياة الإستثنائي، و لماذا؟ برأيك، ما الذي يقوم به المدرب مع الإنسان حتى يكون حضوره ضروريًا ومهمًا في جميع جوانب الحياة؟

تخيل اللحظة التي يتم فيها قبولك في مجال دراستك المفضل في الجامعة بعد فترة طويلة من الجهد والتعب وقراءة الكتب الثقيلة. ولكنك تكتشف في اليوم الأول عندما تتوجه للتسجيل أن الجامعة ليست لديها أساتذة! أو أنك تسجل ابنك الصغير ذا الطموح الرياضي في أحد أندية المدينة مع أمل أن يصبح بطلا في رياضته المفضلة، لكنك تتفاجأ بعدها بأن النادي لا يوجد لديه مدرب! أو أنك ترسل ولدك الآخر إلى المدرسة، ولكنك ترى أن المدرسة ليس لديها معلم! ما الذي ستفكر به؟ قد تفكر في نفسك كيف يمكن للمسؤولين في الجامعة والمدرسة والنادي أن يكونوا غير مسؤولين إلى هذا الحد؟ كيف يمكنهم قبول كل هؤلاء الطلاب دون التفکیر في کیفیة تعلیمهم؟ لماذا تجاهل مسؤولو هذه الأماكن دور المدرب في تربية الطلاب؟ إذا كانوا لا يريدون تحمل مسؤولية التعلیم والتربية، لماذا أسسوا هذه الأماكن؟

أجل، إن دور المدرب في تربية الأفراد ليس أمرا يمكن تجاهله. فكل من يقوم بإنشاء مكان تعليمي، يخطط لوجود المدربين قبل وصول الطلاب. بالإضافة إلى ذلك، من الواضح أن المدربين يجب أن يعلموا ما يجب تدريسه، كما ينبغي للطلاب بمجرد انتهائهم من الدورة أن يحصلوا على قدرات معينة. إذا لم يكن هناك مدرب، فلن يكون هناك سبب من بناء مثل هذه المؤسسات التعليمية على الإطلاق.

إن الدنيا تماما مثل الجامعة والنادي، مكان تعليمي ترويضي نقضي فيها فترة قصيرًة ثم نعود بعد انتهاء الدورة إلى موطننا الأصلي. مهمتنا خلال هذه الفترة هي السبب لوجودنا في الدنيا، و هو السعي للتشبه بالمحبوب الحقيقي والكمال المطلق وهو الله واکتساب صفاته واحدة تلو أخرى. ولكن، بما أن الله هو الكائن اللانهائي والوجود المطلق فإنه ليس متاحا للبشر لكي يسعوا إلى معرفته والتشبّه به. بالتالي يظهر السؤال الرئيسي: “عندما لا نستطيع التعرف على الله، كيف نستطيع التشبه به؟” هنا يظهر دور المدرب في تربية الإنسان وسيره نحو الكمال المطلق.

لاحظ الأسئلة التالية:

– من هم مدربونا الحقيقيون وما هي خصائصهم؟

– من الذي نَصَبَهم في هذا الدور ولماذا؟

– هل يجب بالضرورة أن نتبع هؤلاء المدربين للتعرف على الله والتشبه به؟ أم أن هناك طريقة أخرى للوصول إلى الكمال؟

لقد تم خلق مدربينا قبلنا!

قد جعل الله الإنسان محور خلقه وصمم كل شيء وفقًا لبنيته الوجودية الرياضية التي تتكون من الأبعاد الجمادیة والنباتية والحيوانية والعقلانية وماوراء العقلية. یعتبر ماوراء العقل أو البُعد الإنساني الجوهر الرئيسي لوجود الإنسان، أما الأبعاد الأربعة الأخرى فهي فروع ثانوية وفرعية.

نحن بسبب حیازتنا لماوراء العقل فإننا نعشق أعلى الكمالات ونرغب ما لا نهاية من كل شيء، منها العلم اللانهائي، والثروة اللانهائية، والقوة اللانهائية، وما إلى ذلك. لا تتجلى هذه الكمالات اللانهائية إلّا في وجود الله ويعتبر جميع نماذجه الأرضية مرآة من جوهر ذات الله. لذلك فإنّنا جميعا نحب الله في اللاوعي، ولكن بما أنّ جانبنا ماوراء العقل غير نشط، فإننا نرتكب أخطاءً في التمييز ونهدر جميع طاقتنا في السعي وراء الكمالات المحدودة والفانية على الأرض.

لكي يصبح هذا الحب اللاواعي واعيًا، يجب أن يبلغ الجانب ماوراء العقلي للإنسان إلى مرحلة النضج والبلوغ والنشاط. عندما يصبح الجانب ماوراء العقلي نشطًا وندرك معشوقنا الحقيقي، لا نشعر بالسعادة والسكينة مع أي شيء آخر غيره. هذا النضج يجعلنا نعشق كمالات الله ونرغب في السعي للتشبّه بمعشوقنا.

ولكن الله ليس من جنس المادة التي يمكن معرفتها. إذا أنّى لنا أن نعرف صفاته؟ الإجابة واضحة. نحن بحاجة إلى مرشدٍ ومربٍ.

لا يمكننا إنكار دور المدرب في تربيتنا وسلوكنا نحو الله. ولكن من أين يمكن العثور عليه؟ هل نحن مختارون في اختيار المدرب والمسار الذي سيوصلنا إلى هدفنا؟ من الذي لديه الكفاءة ليأخذ بأيدينا ويكون معنا في هذا الطريق؟ من المهم أن نذكر أن الله الرحيم قدم لهذه المسألة حلاً منذ بداية الخلق وحتى قبل أن يخلقنا. حیث أنّه قد خلق أنماطًا رغم كونهم من البشر إلّا أنّهم يتحلّون بجميع صفات الله وكمالاته في أعلى المستويات ويمكننا بسهولة رؤية مظاهر جمال الله في مرآة وجودهم. من هؤلاء المدربين؟

الأئمة المعصومون (علیهم السلام) هم مدربونا الوحيدون في طريق الكمال

كما قلنا في المقالات السابقة، لقد خلق الله سبحانه في أول تجلياته حقيقة تعتبر مصدر الخلق الأول والمخلوق الأشبه بالله نفسه، وكانت تحمل جميع صفات الله تعالى بالكامل. ثم خلق باقي عوالم الوجود وسائر الكائنات من هذه الحقيقة. ليست هذه الحقيقة إلّا نور أهل البيت (عليهم السلام). ولذلك فإن أهل البيت (عليهم السلام) هم أقرب الكائنات إلى الله ويحملون كل صفاته بشكل كامل، غیر أن الله هو الخالق وهم المخلوقون، ونحن جميعًا كبشر على وجه الأرض خُلقنا من نورهم. بالتالي فإن أصلنا وبُعدنا غير المادي لوجودنا الذي تعتمد عليه إنسانيتنا، ينبع من أهل البيت (عليهم السلام)، وليس من أبوينا الدنيويين.

إنّ العلاقة بيننا وبين والدينا الأرضيين هي علاقة مؤقتة و تعاقدية وتقتصر على الدنيا فقط، بينما علاقتنا مع الله وأهل البيت(عليهم السلام) کعائلتنا السماوية هي علاقة وجودية وحقيقية تعود إلى بداية الخلق. الآباء والأمهات كانوا وسطاء لظهور أجسامنا في هذا العالم، ولكن روحنا التي تشكل جوهرنا الحقيقي والبُعد الخالد، تأتي من جوهر الله وأهل البيت(عليهم السلام). بالإضافة إلى ذلك، لدينا علاقة قانونية مع المعصومين، تتعلق بدورهم في التربية والقيادة. إن أهل البيت (عليهم السلام) هم الوحيدون الذين يمكنهم أن يكونوا مربينا في الطريق نحو الله واكتساب جمیع الفضائل والكمالات الإلهية والإنسانية. لا يملك أي شخص آخر الكفاءة لتربيتنا وتوجيهنا بما أنه لا يوجد أحد مشابه لله بهذا القدر.

في المقالات القادمة، سنتعرف أكثر على دور أهل البيت (عليهم السلام)  كقادة ومرشدين.

اكتب رأيك