طبيعة العلاقة بين الإدراك والرغبة: ما الأسس التي يجب أن تُنظّم اهتماماتنا؟
قد يتبادر إلى الذهن سؤالٌ جوهري: ما هو منشأ ميولنا ورغباتنا؟ وما هي العلاقة بين المعرفة والرغبة؟ ما الذي يحرّك اهتماماتنا ويُوجّهها؟ هل نحن نميل إلى كل ما يحيط بنا؟ هل نشعر باللذة في أي صحبة، أو بالفرح من أي شيء نصادفه؟ لا شكّ أنّك صادفت في حياتك أشخاصًا شتّى، لكلٍّ منهم هواجسه واهتماماته الخاصة. فبعضهم يجعل المال والمكانة الاجتماعية في رأس قائمة تطلعاته، وبعضهم الآخر يسعى وراء العلم والتحصيل، وفئة تنشغل بأعمالها وشؤونها الخاصة، بينما هناك من لا يفتأ يتدخل في حياة الآخرين ويتتبّع تفاصيلهم. إذن، ما الذي يرسم طريق ميولنا ويحدّد مسار رغباتنا؟ علامَ تدلّ هذه الرغبات المختلفة؟ وهل اخترنا المنطلق الصحيح الذي نوجّه على أساسه اهتماماتنا؟
لقد أشرنا من قبل إلى أن مستوى معرفتنا وإدراكنا هو الذي يحدّد مقدار رغبتنا وحماسنا، وأن ميولنا ليست منفصلة عن معرفتنا، بل مرتبطة بها ارتباطًا وثيقًا. غير أنّ السؤال الأعمق يبقى: كيف تُعرَّف هذه الصلة بين المعرفة والرغبة؟ وإلى من، أو إلى ماذا، ينبغي أن نتوجّه بالمعرفة؟ ثم كيف نميّز أن هذا الإدراك يسلك بنا المسار الصحيح؟
أهمّ ما نقوم به في هذه الحياة
كما ذكرنا في الدروس السابقة، فإنّ غاية الخلق ليست سوى التشبّه بالله عزّ وجلّ، والتخلّق بأسمائه وصفاته. غير أنّ بلوغ هذه الغاية لا يتحقق إلا بمعرفة الله حقّ المعرفة. فكيف يمكن للإنسان أن يشبه ما لا يعرفه؟ أو يطلب ما لم يُدركه بعد؟ من هنا يتّضح أن أعظم عمل نُكلَّف به في الدنيا هو تحصيل المعرفة بالله، لأنّها المدخل الرئيسي لتحقيق الهدف من وجودنا. غير أنّ هذه المعرفة لا تنفصل عن معرفة ذواتنا نحن؛ فالإنسان خليفة الله في الأرض، يحمل في كيانه بالقوّة كل الأسماء الله وصفاته، ومن ثمّ فإن معرفة الله لا تتم إلا بمعرفة النفس.
وعليه، فإنّ أهمّ ما ينبغي أن ينشغل به الإنسان في دنياه هو طلب المعرفة بالله وبذاته معًا. هذه المعرفة ليست ذات قيمة لمجرّد أنّها تزيد من رصيد الإنسان أو تمنحه قدرةً إضافية، بل لأنّها تُعيد تشكيل ميوله ورغباته، وتُهيّئه لميلادٍ سليم في الآخرة. إنّ الفهم العميق للعلاقة بين المعرفة والرغبة ينعكس أثره على اختيارنا لأسلوب حياتنا، ويجعل توجّهنا ورغباتنا تسير في الطريق المؤدّي إلى الله.
أثر المعرفة على أسلوب الحياة
كلّما ارتقى مستوى معرفتنا وازداد عمق إدراكنا، ازدادت همومنا واهتماماتنا بما يهمّ الله تعالى بصفته ربّنا ومربّينا. يشبه ذلك حالَ التلميذ المثالي الذي يسعى دومًا لأن ينسجم مع أفق نظر معلّمه، إذ يرى نجاحه مرهونًا بالاتباع الدقيق لتوجيهاته والعمل بها. كما أشرنا في الدروس السابقة، فالعلم والمعرفة أمران مختلفان. مهمّتنا الأساسية ليست جمع المعلومات فحسب، بل اكتساب المعرفة التي تمنحنا قوّة حقيقية ورصيدًا روحيًا. أما العلم إذا تجاوز حدّه وانفصل عن المعنى، فإنه قد يفسد النفس ويعيق مسيرتها.
وانطلاقًا من صلة المعرفة بالرغبة، فإنّ علينا أن نبني أسلوب حياتنا، وننظّم برامجنا وأنشطتنا بما يقودنا إلى معرفة أنفسنا وربّنا. فالمعرفة الحقيقية لا تظلّ حبيسة الفكر، بل تترك أثرها العميق في نمط الحياة، في اهتماماتنا، وفي ميولنا ورغباتنا. إن امتلاك موسوعة من المعلومات الدينية أو التخصّص في علوم الشرع لا يجدي نفعًا إن لم يتحوّل إلى يقينٍ وبصيرة. فالمعرفة المؤثرة هي تلك التي تتجاوز حدود المعلومات لتغدو جزءًا من كياننا وإيماننا. يبقى سؤال جوهري: ما هي علامات المعرفة الحقيقية؟ وكيف نعرف أن معلوماتنا لم تعد مجرد تراكم ذهني، بل تحوّلت إلى رصيدٍ حيّ يغيّرنا من الداخل؟
علامات المعرفة الحقيقية
قد نتساءل: لماذا لا تكون الكمالات الدنيوية مصدرًا للبهجة نفسها عند جميع الناس؟ لماذا لا يفرح الجميع بالقدر ذاته عند امتلاك بيت أو سيارة؟ ولماذا لا ينظر الجميع إلى نيل شهادة عُليا أو منصب مرموق على أنّه غاية الغايات؟ وكيف يحدث أن ينفق بعض الناس جهدهم وحياتهم في سبيل اقتناء شيء من هذه الكمالات، بينما يرى آخرون فيها مجرّد وسيلة لتحقيق أهداف أسمى؟
الجواب يكمن في مستوى المعرفة التي يحملها كل إنسان، وفي طبيعة العلاقة بين المعرفة والرغبة. فمَن بلغ معرفةً صحيحة بالله، ورأى أنّ الغاية من خَلقه هي السعي نحو الكمال المطلق واللامحدود، لن يُفتَن بكمالات دنيوية زائلة. لأنّ من يطلب اللامحدود لا ينشغل بالمحدود، بل يتوجّه إلى ما يقرّبه من غايته الكبرى: التخلّق بأسماء الله وصفاته. ومن هنا، فإن أحد أبرز آثار المعرفة الحقيقية أنّها تعيد صياغة اهتماماتنا وتحوّل طبيعة رغباتنا. فبدل أن تكون ميولنا مشدودة إلى أمور زائلة ومؤقتة، تصبح متّجهة نحو ما هو أبديّ وخلود. وهذه الرغبات الخالدة هي وحدها التي تنسجم مع مقام الإنسان الحقيقي وتتناسب مع فطرته الأصيلة.
عدم الانشغال بالكمالات الدنيوية
بالطبع، ليست علامات المعرفة الحقيقية محصورة في جانب واحد؛ فإذا بلغنا معرفة صحيحة بالله وبحقيقتنا اللانهائية، استطعنا أن نميّز بين ذواتنا الأصيلة وبين جوانبنا غير الإنسانية، فلا نُسرف في الانشغال بالكمالات والمظاهر السفلية لوجودنا. إننا ندرك أنّ هذه الأمور ليست غايات في ذاتها، بل وسائل وأدوات ومرحلة عابرة في مسيرة الوصول إلى الهدف.
ولعلّ مثالًا بسيطًا يوضّح الصورة أكثر: تخيّل أنّك في طريقك إلى بيتك الجديد في مدينة أخرى، واضطررتَ أثناء الرحلة أن تمضي ليلةً في استراحة على الطريق. من الطبيعي أنّك، مهما أعجبت بجمال المكان أو موقعه أو خدماته، لن تبدأ بتجهيزه وتأثيثه كأنك ستقيم فيه إلى الأبد؛ لأنك تعلم أنّه مجرد محطة مؤقتة، ووسيلة لرفع التعب وتسهيل الوصول إلى غايتك. بهذا المنطق ينبغي أن نتعامل مع مظاهر الدنيا وكمالاتها: البيت والمال، الأبناء والأسرة، الوظائف والمناصب… كلّها أدوات تُسخَّر لخدمة الهدف، لا أن تتحوّل إلى هدفٍ بحد ذاتها. إننا جئنا إلى هذه الحياة بغاية واضحة، فإذا تحوّلت هذه الشؤون إلى عائق يحجبنا عن الله ويحول دون ولادتنا السليمة إلى الآخرة، فقد خسرنا المعركة الحقيقية.