ماذا تعني مكتسبات النفس وما هو السبب في الفروق الفردية؟
كما نعلم، نحن البشر لدينا سمات شخصية وخصائص أخلاقية مختلفة، ولكن ما هو سبب وراء تلك الفروق الفردية؟ يحمل كل واحد منا نقاط قوة وضعف عديدة في وجوده، وتشكل هذه المجموعة أساس شاكلتنا الشخصية والأخلاقية. على سبيل المثال، نرى أن بعض الأفراد سريعو الغضب والحساسية، يتأثرون بتصرفات الآخرين ويسعون للانتقام عندما يواجَهون بتصرفات غير لائقة. بينما يبرز آخرون برحابة صدر كبيرة، متجاوزين أخطاء الآخرين ويمنحونهم الفرصة لتصحيح أوضاعهم. هناك من يتسم بالبخل والطمع، محتفظا بأمواله بإلحاح، بينما يتميز آخرون بالكرم منفقين ثرواتهم للغير دون توقعات مادية. هناك من يحتفظ بعلاقته مع الله حتى في أوج المحن، بينما لا يمتنع آخرين عن الشكوى والتذمر عند مواجهة أدنى مشكلة في حياتهم. يوجد هناك من يتلقى الحق بسهولة وبفتح ذراعيه لاستقباله، في حين أن البعض الآخر وعلى الرغم من فهمهم للحقيقة يقوم بتجاهلها و…
- ما هي أسباب الفروق الفردية واختلاف الشخصية بين البشر؟
- لِمَ تصرفاتنا وسلوكياتنا متنوعة إلى هذا الحد رغم وجود وحدة الفطرة وبنية النفس لدينا؟
- ما هو قانون الاكتساب، وكيف تؤثر مكتسبات النفس على بنية شخصيتنا؟
استعرضنا في المقالة السابقة إلى حد ما مفهوم الكسب والاكتساب، واتضح لنا أن قراراتنا، وعلاقاتنا، وتصرفاتنا، وأفكارنا تشكل جميعها أجزاءً لا تتجزأ من أعمالنا، وأن كل منها يدخّر شيء في داخلنا. كما شرحنا أن البنية النهائية لنفوسنا تتشكل من هذه المكتسبات والثروات التي اكتسبناها من خلال تلك الأعمال. يقدم هذا المقال تطويرًا واستمرارًا لنفس المفاهيم القائمة.
سنقوم بفحص عميق في أسباب التفاوت بين الأفراد ونلقي نظرة على تأثير هذه التفاوتات على مكتسبات كل فرد. يتيح لنا ذلك فهم السبب في الفروق الفردية و اختلاف الشخصية، إلى جانب فهم جذور الصفات الأخلاقية الإيجابية أو السلبية في أنفسنا وفي الآخرين بطريقة بسيطة. يُسهِم هذا التعمق في إدراك كيف يمكننا تصحيح تلك الصفات بشكل أفضل. لذا، يظهر مفهوم الكسب كشيء لا يقتصر على نظرية جافة، بل يلعب دورًا فعّالًا في استكشاف الذات وتطويرها.
ما هو الاكتساب وكيف يؤدي إلى تشكيل الصفات الأخلاقية؟
هل تستطيع استحضار أيام الطفولة في المدرسة هل يمكنك تذكر الوقت الذي قضيناه في تعلم الحروف والجهد الذي بذلناه خلال تلك المغامرة التعليمية؟ كانت هناك لحظات تمر بنا في كتابة حرف واحد فقط لعدة أيام متتالية. كما كانت تتغير الحروف التي نكتبها في أحيانٍ كثيرة، حيث كانت بعضها غير واضحة، والبعض الآخر كان كبيرًا أو صغيرًا، مما اضطرنا لمحوها وإعادة الكتابة. استغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى اكتسبنا مهارة كتابة الحروف بشكل صحيح. تمثل اليوم القدرة على قراءة وكتابة الحروف جزءًا أساسيًا من هويتنا وأحد مكتسباتنا العقلية وثرواتنا التي نفتخر بها، ولا يُمكن لأحد أن يحجب عنا هذه المهارة عنا.
يتطلب كل تفوق أو اكتساب ثروة تدريبا مستمرا وتكرار متواصل، و ينطبق هذا على جميع أنواع الكمال. على سبيل المثال، الأبطال في رياضة رفع الأثقال، الذين يستطيعون رفع أوزان تتجاوز المئات من الكيلوغرامات، لم يمتلكوا هذه القوة منذ البداية، بل اكتسبوها عبر فترات طويلة من التدريب المستمر. والصوت الجميل الذي ينبع عن قطعة موسيقية هو ثمرة التمرين المستمر، حيث اكتسب العازفون هذه المهارة مع مرور الوقت. أو المترجم الذي يترجم نصوصًا ثقيلة بسرعة لم يصل إلى هذه النقطة في ليلة وضحاها، بل قام بجهود وتدريب مستمر لاكتساب هذه القدرة و… . من خلال هذه الأمثلة، يمكننا تعريف الاكتساب بأنه:
“الاكتساب هو ثروة تتحقق نتيجةً لتكرار الأعمال المستمرة، وتؤدي في نهاية المطاف إلى ظهور اسم أو صفة في الأفراد.”
في ضوء هذا التعريف، لا يمكننا تسمية لاعب كرة القدم الذي أدخل الكرة إلى المرمى مرة واحدة عشوائيًا بأنه لاعب كرة القدم. بالمثل، فإننا لا يمكن أن نعتبر الشخص الذي قام بالضغط على أزرار البيانو بطريقة عشوائية وأنتج بضعة نغمات متناغمة عازفًا. يُمنح لقب لاعب كرة القدم أو عازف البيانو للفرد الذي اكتسب هذه الصفات وتميُّز من خلال جهوده الشخصية.
تكون الأمور مشابهة أيضًا في سياق الصفات الأخلاقية. الشخص الذي يستيقظ يومًا من عمره بنشاط باكرًا لا يُمكن أن يُعتبر شخصًا مستيقظ باكرًا. الابتسامة التي قد تظهر على وجه البعض بعض الأحيان، لا تكفي لكي تعكس حسن خلقه، والشخص الذي لم يلجأ إلى الكذب إلا بضع مرات في حياته لا يُعتبر بالضرورة كاذبًا، و… . إذًا، لا يحقق كل عمل جيد أو سيئا اكتسابًا ولا يتحقق الاكتساب إلا عندما يتم القيام بالفعل أولاً نتيجة االرغبة والميل، وثانيًا، عندما يصبح هذا الفعل جزءًا من الهوية نتيجة للتكرار والاستمرار.
أسباب الفروق الفردية وعلاقتها بالاكتساب
في ظل الأفكار التي طرحناها، ربما قد فهمتم بأنفسكم أسباب الفروق الفردية بين الأفراد و التفاوت في شخصياتهم. يكمن سبب هذا التباين في اختلاف مكتسباتهم. لا يبقى شيء في هذا العالم حيادي وبدون تأثير، فكل ما نتعامل معه يؤثر لينا، سواء كان ذلك وسائلنا أو ملابسنا أو طعامنا، أو حتى الأشخاص الذين يحيطون بنا، يحمل تأثيرًا. كما أنّ اللحظات التي نعيشها، والأصوات التي نسمعها، والمشاعر التي نختبرها، وحتى الكلمات التي ننطقها، كلها تحمل وتمتلك تأثيرًا على ذواتنا، سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا.
عندما يستمر تفاعلنا و يتكرر ونقوم بعاشرة فرد معين أو ظاهرة ما، تبدأ عملية جذب آثار هذا التواصل في ذواتنا، سواء كانت إيجابية أو سلبية، وتتلاحم هذه الآثار مع ذواتنا مع مرور الوقت. ونتيجة لذلك، فإن كل ما نحن عليه من الصفات اليوم، سواء كان ذلك سعادة أو حزنًا، تسامحًا أو انزعاجًا، صبرًا أو عجلةً، خوفًا أو شجاعةً، تدينًا أو بلا دين، قربًا من الله أو بعدًا عنه، وغير ذلك، نتيجة لما اكتسبناه في الماضي.
نحن رهائن اكتساباتنا التي تصوغ باطننا وتشكل بنية نفوسنا وأرواحنا. حتى في الحياة الآخرة، يُحاسب كل فرد منا بناءً على ما اكتسبه، وما نبع من أعماله. النقطة المثيرة هي أن اكتساباتنا لا تقتصر على مراحل الطفولة والشباب فحسب، بل حتى في مرحلة الجنين، حيث أننا نكتسب آثارًا متنوعة من العالم من حولنا وتظهر نتائج هذه الاكتسابات بعد ولادتنا. لهذا السبب، فإن هناك توجيهات كثيرة في الإسلام حول شروط تكوين النطفة، وحلالية وطهارة طعام الأم، وتجنب الأم للبيئات المتوترة والملوثة بالخطايا، وغير ذلك. يُؤكد ذلك على أن كل أم تتطلع لإنجاب طفل سليم وصالح في هذا الدين يجب عليها أن تلتزم بالخطوط الحمراء التي حددها الإسلام في هذا السياق.
استعرضنا في إطار هذا المقال جذور الفروق الفردية بين الأفراد وتباين شخصياتهم، وقدمنا إجابات على بعض الأسئلة المتعلقة بهذا الجانب. ومع ذلك، هناك أسئلة لم نجد لها إجابات بعد، مثل:
– كيف تؤثر رغبتنا في أداء عمل على اكتسابه أو عدم اكتسابه؟
– ما هو المعنى الحقيقي لكوننا رهائن اكتساباتنا؟
– من أين يمكننا أن نتعرف على ما اكتسبناه حتى الآن في حياتنا؟
– هل يمكن تحسين اكتساباتنا؟ وهل لدينا القدرة على تصحيح الاكتسابات الخاطئة واستبدالها بمكتسبات سليمة وجديدة؟
سنقدم تدريجياً إجابات على هذه الأسئلة في المقال القادم والمقالات المستقبلة. ولكن قبل ذلك، ندعوكم لتحدي أفكاركم قليلاً من خلال الاعتماد على المعرفة التي اكتسبتموها حتى الآن والتأمل في إجابات هذه الأسئلة!
يُرجى تدوين الأفكار التي تخطر في أذهانكم ومشاركتها معنا.