فهم معنى قوس النزول و قوس الصعود؛ مراحل حياة الإنسان في عالم الكون

جدول المحتويات
قوس النزول و قوس الصعود: مراحل حياة الإنسان من الله إلى الله

قوس النزول و قوس الصعود: مراحل حياة الإنسان من الله إلى الله

سنتحدث في هذا المقال، عن مفهوم فلسفي يُعرف ب: “قوس النزول وقوس الصعود“، أو الدورة حياة الإنسان في عالم الكون. على الرغم من أن هذا المفهوم قد يبدو معقدًا قليلاً، إلا أنه مثير للغاية ونستفيد منه مرارًا وتكرارًا خلال أيام حياتنا، دون أن نكون على علم بجوهره. الآن وفی هذه اللحظه أثناء قراءتك لهذا المقال، يستخدم عقلك الباطن قوس الصعود لفهم المحتوى. غير أنّ هذه العملية تحدث بسرعة وبشكل غير ملحوظ لدرجة أنك لا تدركها. ومع ذلك، ما هي العملية التي يتضمنها قوس النزول و قوس الصعود، وما هي علاقتها بمراحل حياة الإنسان؟

كل مفهوم غير مادي في قلوبنا قبل أن يتحول إلى كلمة ويخرج من أفواهنا، فإنه يقوم بطي مراحل في النفس يُعرف بـ “قوس النزول“. على سبيل المثال، إنّ الحب هو مفهوم غير ماديّ، ومكانه هو القلب. لكي يتحول هذا المفهوم إلى كلمة قابلة للتعبير بواسطة اللسان، ينتقل أولاً إلى العقل. هذه هي المرحلة الأولى من النزول. في المرحلة التالية من النزول، يبحث العقل عن كلمات وعبارات مناسبة للمفهوم، فتتحول هذه الكلمات إلى أصوات وتعبر عن نفسها في شكل عبارات مثل “أحبك” على لساننا. هذه هي المرحلة الأخيرة من النزول.

أمّا “قوس الصعود” فهو يشير إلى التأثير الذي يحدث في روح الشخص المستمع. حيث إنّه يستمع إلى الصوت الخارج من حنجرتنا ويبدأ في تحليله وتفكيكه في عقله الذي يحمل طبيعة غير مادية. هذه هي المرحلة الأولى من الصعود. في المرحلة التالية من ذلك يقوم العقل بتحليل هذه العبارات وفهم معناها، لكي يتم أخيرًا نقل المفهوم إلى القلب الذي هو أيضًا ذو طبيعة غير مادية، وسيؤثر كلامنا في المخاطب. هذه هي المرحلة الأخيرة من الصعود.

كان ذلك مثال بسيط على عملية قوس النزول وقوس الصعود في النفس الإنسانية. تحدث هذه العملية أيضًا عند خلق الفنان لأعماله الفنية. يقوم الفنان بمرور مراحل قوس النزول في نفسه ليحضر مشاعره الداخلية التي تحمل طبيعة غير مادية وعقلانية ويعبر عنها بشكل شعري، قصصي، فني، موسيقي، إلخ، لينقلها إلى المتلقي، ومن ثم يمر المتلقي بدوره بمراحل قوس الصعود لفهم هذه المفاهيم تباعًا في نفسه. لذا وبشكل عام، يمكن القول إن قوس النزول وقوس الصعود يحدثان عند تحويل جميع المفاهيم أو الظواهر غير المادية إلى المادية، أو المادية إلى غير المادية. وبناءً على ذلك، إنّ نظام الكون الذي يتم تفسيره كدائرة الوجود، يمتلك كلا القوسين النزول والصعود، وسنقوم فيما يلي بشرح هاتين العمليتين.

مفهوم دائرة الوجود ومبدأ نشوء الكائنات

تشكل مجموعة نظام الوجود الدورة من المبدأ إلى المعاد، والتي تعرف عند الفلاسفة الإسلاميين بـ”دائرة الوجود” أو “دائرة الكون”. ومع ذلك، لا يجب عليكم أن تتخيلوا دائرة معينة في أذهانكم، لأنها تمتد إلى ما لا نهاية ولا يمكن الخروج منها. بمعنى آخر، ليس الأمر كما لو كان هناك تدفق داخل دائرة الوجود وخارجها كوجود وعدم. الكون بأكمله هو وجود متكامل غير محدود، لا حدود له، وبدون بداية أو نهاية. الخروج من دائرة الوجود محال من الواقع، لأنه إذا توقف الكون في أي نقطة، فإنه سيكون إما وجودًا أو عدم وجود، إذا كان وجودًا فإنه مجرد استمرار لهذا الكون، وإذا كان عدما، فإن العدم ليس له وجود، حيث أنه لا يمكن أن يكون شيء وجودًا وعدم وجودًا في آن واحد. إذا كان العدم “موجودًا” فإنه لم يعد بإمكاننا تسميته “عدم”!

هناك نتيجة أخرى لوحدة الكون ولامحدوديته، وهي أنه ليس هناك وجود أكثر من واحد. لأنه إذا كان هناك وجودان، فستوجد بالضرورة مسافة بينهما يجب أن تُملأ إما بالوجود وإما بالعدم. إن العدم لا يمكنه ملء هذه المسافة لأنه ليس له وجود، وإذا تم ملء الفجوة بالوجود، فلا يوجد فرق بين الوجودين. لذا، فإنّ الوجود هو واحد وفريد. ولكن ما هو اسم هذا الوجود الفريد واللامتناهي والذي لا يبدأ ولا ينتهي؟

يطلق على هذا الوجود الفريد واللانهائي “هو”. فمن “هو”؟ إنّ “هو” هو الذي نحن جميعا واقعين في حبه. إنه اللانهائي الذي نبحث عنه طوال حياتنا دون أن نعرف أين يمكننا العثور عليه. إنّه المحبوب الذي نخطئ في تفسيره أحيانًا بالثروة والشهرة والقوة والعلم وما إلى ذلك. من وجوده تنبع رغبتنا في اللانهاية، هذا الكائن هو “هو”: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.[1]

ما الفرق بين “هو” و”الله”؟ عندما يتجلى “هو” ويظهر نفسه من خلال جميع صفاته وأسمائه، يصبح “الله”. فالحقيقة أنّ “الله” هو نفس “هو” ولکنه قد تجلى وأصبح قابلًا للفهم للبشر. إنّ الله هو الوجود الجاري في كل الأشياء، لكنه غير قابل للمس والرؤية بذاته. تعتبر جميع ظواهر الكون تجليات الله وظهوراته وهو بداية كل شيء ونهايته. إن كل شيء يبدأ من الله وينتهي به. ولكن كيف؟ كيف تبدأ المخلوقات من الله وتنتهي به؟ للإجابة على هذا السؤال يجب أن نرجع إلى قوس النزول و قوس الصعود في الوجود.

قوس النزول في الإنسان وباقي أجزاء الكون

كما ذكرنا في المقالات السابقة، خلق الله جميع الكائنات ومراتب الوجود بأسرها من مخلوق أول يُعتبر التجلى الأول لله. هذا الكائن الذي يحمل كل الكمالات الإلهية بشكل كامل، يُعرف بمختلف الأسماء، منها المثل الأعلى، خليفة الله، الروح، نور أهل البيت (عليهم السلام)، اللوح والقلم. لذا، يعد هذا المخلوق الأول مصدرًا وبداية لظهور باقي المخلوقات. أولًا، لقد خلق الله عالم الجبروت من هذا الكائن، ثم عالم الملكوت، وأخيرًا عالم الناسوت، الذي يُطلق عليه اسم “الدنيا” بسبب موقعه الأدنى بالنسبة للعوالم الأخرى. هذا هو قوس النزول في عالم الکون. ولكن كيف يكون قوس نزول الإنسان؟

یتم تکوین نطفة الإنسان في عالم الدنيا. لذلك ولكي يصبح الإنسان حاملًا للروح الإلهية ويحيا، يجب على المثل الأعلى أن يتنزل في درجات الوجود من الجبروت والملكوت، خطوة فخطوة، حتى يدخل عالم الناسوت ويتصل بالجنين داخل الرحم. يحدث هذا حوالي الشهر الرابع من الحمل، عندها يصبح الجنين حاملاً لمقام الخلافة الإلهية، أي أنه يصبح بإستطاعته أن يكون مظهرًا لجميع أسماء الله وصفاته وكمالاته على وجه الأرض ويُرفع إلى مقام يصعب حتى على الملائكة الوصول إليه. غير أنّ هذه القدرة هي بمثابة قوة محتملة، ولا يصل العديد من البشر إلى هذا المقام بسبب اختياراتهم الخاطئة وعدم الامتثال لمرشديهم الحقيقيين، بل قد ينحدر البعض إلى مستوى أدنى حتى من الحيوانات. هذا هو قوس النزول. لنلق نظرة الآن على قوس الصعود والرجوع إلى الله.

بعد أن يفارق الإنسان الحياة، تنفصل روحه عن جسده. تعتبر مهمة روحنا في الدنيا الانقطاع عن التعلقات الدنيوية والاستعانة بالكمالات السفلى من أجل التشبه بمنشأ الوجود. كلما انفصلت الروح عن المتعلقات بشكل أكبر، اقتربت أكثر من هدف خلقتها، واستطاعت تحقيق كمالات وجودها الكامنة. بعد وفاة الجسم، تتحرر الروح من جميع التعلقات المادية وتصبح مستحقة لاسم “الروح”. يبقى الجسم في الدنيا وتعود الروح من المسار الذي جاءت منه، وتدخل عالم البرزخ أو الملكوت. منذ ذلك الوقت فصاعدًا إلى يوم القيامة، تعيش روح جميع البشر في البرزخ وبعد قيام القيامة التي تستغرق خمسين ألف عاما، تبدأ مرحلة جديدة من حياة الروح، واعتمادًا على مدى التشابه الذي تم إنشاؤه في الروح مع منشأ الوجود و مدى توافقه مع ظروف العيش في عالم الملكوت، ستجرب الجنة أو النار. إن طبيعة ولادتها في البرزخ تعتمد على إذا ما كانت تنتمي إلى الفئة الأولى أم الثانية.

كان هذا المقال ملخصًا لقوس نزول الإنسان إلى الدنيا وقوس صعوده و رجوعه إلى الله. في المقالات القادمة، سوف نقدم مزيدًا من التفاصيل حول أنواع الولادة في البرزخ. إذا كان لديك أي أسئلة أو استفسارات حول قوس النزول وقوس الصعود الذين تم شرحهما هنا، فلا تتردد في مشاركتها معنا.

[1] . سورة التوحيد، الآيه 1.

اكتب رأيك