تحليل العلاقة بين سلامة القلب واختيار الإنسان لمسار العبور على الصراط
خلافاً للتصور السائد بين العامة، أن الصراط ليس جسراً أدق من الشعر، وحاداً كسيف منصوباً فوق جهنم؛ بل الصراط هو نحن؛ هو قلب الإنسان ذاته. إن الصراط هو القلب الذي يعبر من بين جحيم الشهوات والميول المتدنية للمراتب الدنيا من وجودنا. فكلما تمكنا في الحياة الدنيا من التغلب على هذه الميول، استقام مسارنا، وبالتالي أصبح حركتنا في الآخرة أسرع وأيسر. إذن، ليس الصراط في القيامة شيئاً خارجياً عنا، بل هو القلب ذاته الذي قمنا ببنائه عبر خياراتنا وسلوكياتنا في الحياة؛ فالخواطر، والأفكار، والنظرات، والعلاقات، وحتى عادات يومية صغيرة، كلها تؤثر في مآلنا النهائي.
قد يبدو غريباً، ولكن أحد عوامل مؤثرة في جودة عبور الصراط هو الشيطان؛ تلك القوة التي تضغط باستمرار على ميولنا الدُنيا لكي ينحرف مسارنا. وإذا لم ننتصر في هذه المواجهة، تلوَّث قلوبنا وانتهى صراطنا إلى الجحيم. كما أن رذائل أخلاقية كالحسد، والحقد، والكذب، والنفاق، والخوف، هي أشبه بـألغام مخفية تجعل طريق العبور غير آمن.
تستدعي هذه المواجهة الروحية ضرورة استنباط قوة كامنة في الذات؛ قوة تضمن أن تكون لذتها المستمدة منها هي مفضلة لدينا على سائر لذائذ دنية. ذلك أن الركون إلى ملذات زائلة يعيق الارتقاء بالجانب الإلهي للقلب، وفي غياب تفعيل هذه القوة، يؤدي المسار حتماً إلى الارتكاس في جحيم الشهوات المحيط بالصراط.
من هنا، تتضح أهمية قصوى لـإعادة بنية نظام الحب(تنظيم منظومة الحب). فمكوّن جوهري يضمن سلامة القلب والثبات على الصراط هو العثور على المحبوب الأعلى وتذوق اللذة العليا. هذه اللذة تشكل مصدر القوة الفعّال الذي يمنح الفرد القدرة على التغاضي عن ميول متدنية، ومجابهة وساوس، ومقاومة رذائل أخلاقية. ولا يمثل هذا الإكسير سوى المحبة والعشق للذات الإلهية اللانهائية.
دور الشيطان في مسار الصراط
ما لم نتمكن من إحداث توازن دقيق بين ميول طبيعية، ونكتسب قوة الرفض أمام الوساوس، ونجعل الله بوصفه المحبوب الأعلى في قمة معشوقات وأولويات، فإن انحراف القلب عن المسار الصحيح يبقى وارداً في كل لحظة. ولكن، هل الوصول إلى هذه المنزلة أمر يسير؟ قطعاً لا؛ ففي هذا الطريق يقف عدو شديد وهو الشيطان. هو الكائن الذي أقسم، حينما كُرِّم الإنسان كأشرف المخلوقات، على أن يترصد الصراط المستقيم ويحول البشر عنه، وقد أُمهل لذلك إلى يوم معلوم. ومنذ ذلك اليوم، بات الشيطان يكمن على الصراط، مهاجماً الإنسان من كل جانب، ليسقط القلب السليم ويقذفه في الهاوية.
ولذلك، كلما ارتقى قرار الإنسان نحو حياة أكثر نقاءً وإلهية، تضاعفت حدة وساوس وازدادت كثافة إغراءات شیطانية. فقد كان بمنأى عن هجومه طالما ظل جزءاً من حزبه، لكنه يشن هجومه فور إعلان الانفصال عن ولايته.
وفي حكمة بالغة، حوّل الله عز وجل هذا التهديد إلى فرصة للنمو والتكامل. فالشيطان يُعد بمثابة شريك تدريب قوي يضمن عدم ركون الإنسان إلى الغفلة أو التهاون في اليقظة الروحية. وهذا الموقف يُشبه حال من يسير على مسلك ضيق يمر فوق هوة سحيقة مملوءةٍ بحيوانات مفترسة؛ حيث يُصرف كامل وعيه وانتباهه للحفاظ على التوازن، فلا يستطيع أي صارف أن يصرفه عن هدفه المحوري.
نحن أيضاً نسير على صراط يعبر من قلب جهنم. إذا تخلينا عن روح المجاهدة، أصبح السقوط أمراً محتوماً. ولكن هذا الخطر ذاته هو ما يمنح الحياة حيوية وإثارة. فالقلب المتأهب يظل أصلب وأكثر سلامة.
أمّا الشيطان فيعمل عبر بث أفكار مغلوطة، ودوافع كاذبة، ومشاعر سلبية كالخوف، والحزن، واليأس، والحسد، وسوء الظن. هذه المشاعر تُمرض القلب وتصيبه بالعلل، ولا یملك قلب معتل أي تجانس أو سنخية مع فضاء الجنة، لذا فإن صراطه ينتهي حتماً إلى الهاوية. في المقابل، يظل القلب السليم والقوي أشبه بنهر حي متدفق؛ دائم يقظته، ومستعداً للتحرك والديناميكية. إن وجود الشيطان هو محرك هذه الحركية القلبية على الصراط المستقيم، وهو ما يقي الإنسان من الركون إلى الغفلة والجمود ويقوده نحو معرفة النفس. هذه المراقبة القلبية المستمرة في خضم صراع الهجمات الشيطانية هي الضامن الوحيد لعبورنا بسلام من الجحيم بوصفه مسار الصراط.
سرُّ العبور على الصراط
تساؤل جوهري مطروح هو: كيف يمكن عبور الصراط بسلام في ظل التدافع بين ميول نفسية وهجمات الشيطان؟ يجب أن ندرك أولاً أن النار ليست كياناً خارجياً عنا؛ بل هي تجليات لمراتبنا الوجودیة الدُنيا. فإنّ الشهوات، والتعلقات المادية، والمعشوقات الصغيرة، هي ذاتها نيران محدقة بالصراط. وعندما تتم ممارسة مقاومة فعالة تجاهها، تضعف هذه الميول، وتستيقظ في المقابل الفطرة الإلهية وتكتسب قوة لازمة.
في هذه الحال، تتمزق حجب الأبعاد الدُنيا (الجمادية، النباتية، الحيوانية، بل وحتى العقل المجرد)، لتنكشف الذات الفطرية الأصيلة؛ وهي قوة قادرة على اجتياز الصراط بـسرعة الضوء. بيد أنّ هذه المقاومة لن تتحقق دون تذوق لذة أعظم. لكي يتمكن المرء من انفصال عن لذائذ صغرى، لا بُد أن يكون قد استشعر لذة تفوقها. فالذي يهجر النوم اللذيذ في السحر، هو من وجد حلاوة الخلوة بالخالق. والذي يتجاوز التعلقات بالآخرين، هو من ذاق طعم الحرية في محضره الإلهي.
إذاً، نحن بحاجة إلى قوة دفع متسامية، وهذه القوة ليست سوى الحب. إنّ الله هو المحبوب الأعظم للإنسان ويمنحنا حبّه القدرة على تجاوز كافة تعلقات صغرى. فمتى ما تعلمنا هذا الحب ومارسناه، أصبح الصراط أمامنا أكثر استواءً ويُسراً. يشير القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة حين يطلب المنافقون من المؤمنين النور يوم القيامة: ” يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيل ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا…”[1] هذا النور هو مدى تشابه روحي للقلب مع الله، وهو الرصيد المخزون من العشق في الحياة الدنيا. وهذا النور هو الذي يدعم التوازن في ظلمات الصراط.
بناءً عليه، فإن سبيل العبور الآمن على الصراط هو التمرس على الحبّ: حبّ الذات الحقيقية، وحبّ الفطرة السليمة، وحبّ الله. وكلما تزايد هذا الحب وتعمق، تزايد النور المتاح لنا، وأصبح الصراط أكثر إضاءة وثباتاً تحت أقدامنا.
يتضح مما سبق أن الصراط ليس جسراً مادياً خارجياً مفصولاً عن الذات الإنسانية؛ بل هو قلب تُحدّد طبيعته في الحياة الدنيا. إن ميول النفس ووساوس الشيطان تمثل جحيما يمر الصراط من بينه ولا يمكن عبور آمن عليه إلا بتحقيق سلامة القلب (القلب السليم). وتُكتسب هذه السلامة عبر تمرين مستمر على رفض المتع الدُنيا وامتثال تام للمحبوب الأعظم وهو الله. حبّ الله هو المصدر الوحيد للنور الذي يضيء الصراط، ويمنح القلب ثباتا ويقينا، ويزوده بالقدرة على التضحية بلذائذ أدنى.
فإن سرّ العبور على الصراط سريعاً وآمناً ليس في أي آلية خارجية؛ بل يكمن في قلب الإنسان ذاته. فكلما تعمق حبّ الله فيه، ازداد متانة الصراط وتسارعت وتيرة العبور. ويبقى هذا هو السر الوجودي الدائم لطريق النجاة: الحبّ والنور، وسلامة القلب.
[1] . [الحديد: 13].