هل الرحلة من الدنيا إلى الآخرة يحتاج إلى مستلزمات خاصة؟
انّ الحياة الإنسانية عبارة عن مسار حتميّ متّصل لا خيار لنا فيه ولا مفرّ منه، يبدأ من مرحلة ما قبل الدنيا وينتهي الى الأبدية. ومن الطبيعي انّ الإلمام بخصائص هذه الحركة وكيفيتها يُعيننا على اجتياز هذا المسار على أكمل وجه. إنّ هذه الحركة الدؤوبة تشمل مراحل الوجود كلَّها (كالحياة في الرّحم والدنيا والعالم ما بعد الدنيا)، وكلّ مرحلةٍ منها متّصلة بالأخرى وتشكّل إعداداً وتمهيداً للمرحلة التي تليها باستغلال الوسائل والأدوات المتاحة. ولكنّ التوقف الحقيقيّ في هذه الرحلة لا يعني السكون الجسدي، بل نسيان الهدف! كمن يشرع في كتابة كتابٍ ثم ينسى غرضه، فينصرف عن جوهر الموضوع الى تتبّع حواشيه الهامشية عديمة القيمة. ويمكن لهذا التوقّف أن يحدث بهدوءٍ وبصمتٍ وسط زحام مشاغل الحياة. وقد يهدّدنا خطرٌ أعظم وهو فقدان الاتجاه الصحيح للحركة؛ وفي هذه الحالة لا يقتصر الأمر على عدم التقدّم، بل نقع في التراجع والنكوص. إنّما السرعة والمُسابقة على السير على الطريق المستقيم، هي وحدَها التي تُقرِّبُنا من ولادةٍ سليمةٍ في الحياة الأخروية، ولا ينفصل هذا النوع من الحركة عن البنية الوجودية للإنسان. ولهذه الحركة من الدنيا الى الآخرة لوازم وأحكام أخرى، سنعالجها بالتفصيل في هذا الدرس.
ما هي لوازم حركتنا من الدنيا إلى الآخرة؟
إنّ الوعي بالهدف، ومعرفة بنية وجودنا، والإلمام بلوازم الطريق، هي مفاتيح السير الصحيح في هذه الرحلة الكبرى.
• أولًا: نحن في هذه المسيرة نتّجه نحو مقصدٍ أبديٍّ لا يفنى، ولا بدّ أن نُعِدَّ زادنا له من خلال هذه الدنيا، بما تحمله من علاقاتٍ وابتلاءاتٍ وتجارب مختلفة. ولا يمكننا أن نزعم النجاح الحقيقي إلا إذا وُلدنا ولادةً سليمةً في الآخرة، وحملنا معنا مقوّمات الحياة الأبدية. وهذا لا يتحقّق إلا بالمداومة على توجيه بصر القلب نحو الهدف. فالحياة بلا مقصد كقاربٍ يسير بلا بوصلة؛ حتى لو كان سريعًا، سوف يتيه ولن يصل إلى شاطئٍ معلوم. إنّ أدنى لحظة من إهمال أو غفلة عن غاية الوجود وسيرنا الحتميّ نحو الآخرة، كفيلةٌ بإحداث الانحراف وتوقيف النماء المعنويّ للإنسان في هذه الحياة، وهذا ما يعدُّ الخسارة الكبرى على الإطلاق. يكفي أن نتصوّر حال جنينٍ في رحم أمّه لو أنّه انشغل بملذّات وجوده الضيّق، ونسي أن مهمّته هي بناء أعضائه استعدادًا لعالمٍ أوسع ينتظره. إنّه، بذلك، يَحرم نفسه من النموّ الذي يُهيّئه للحياة القادمة.
• ثانيًا: هذه الحركة، إلى جانب حاجتها المستمرة إلى الوعي بالهدف، يجب أن تكون منسجمة مع تكويننا الوجودي. فالإنسان بطبيعته كائنٌ لا يكتفي بأمور محدودة، بل يحمل في داخله شوقًا سرمديًّا إلى اللانهائية. وهذه النزعة اللامحدودة تؤثّر بعمقٍ في نوع حركتنا واتجاهها؛ فنحن لا نحتمل التأخر أو الضعف، بل نريد الوصول بأقصى سرعةٍ وقوّةٍ ممكنة إلى غايتنا. ومع ذلك، قد نتباطئ أحيانًا بفعل الكسل أو الملل أو الانشغال بالدنيا، فيتعارض هذا البطء مع طبيعتنا العميقة، وينشأ في داخلنا شعورٌ بالضيق والقلق، لأنّ أرواحنا خُلقت للسير الدائم لا للركود.
• ثالثًا: إنّ الإحاطة بهذه الأمور لا تقلّل أبداً من أهمية الوعي بكيفية حركتنا في هذا المسار. فحتى في شؤوننا الدنيوية نُعدّل استعداداتنا تبعاً لنوع الحركة؛ فاجتياز مسافة بالطائرة يتطلّب لوازم ومُعدّات مختلفة تماماً عن اجتيازها بالدراجة الهوائية. علينا أن ندرك أنّ هذه الحركة ليست طولية يمكن قياسها بالسنين والأعمار، بل هي حركة تحوّلٍ وارتقاء، حركة “صيرورة” داخلية تتناسب مع ما نكتسبه من صفاتٍ إلهيةٍ في مدرسة الدنيا. فبقدر ما تتجلّى فينا أسماء الله وصفاته، نقترب من “قلب سليم” هو علامة صادقة على صحة حركتنا نحو الأبدية.
قواعد الحركة من الدنيا إلى الآخرة
إلى جانب معرفة شروط ومقوّمات مسبقة للحركة من الدنيا إلى الآخرة، نحن بحاجة أيضًا إلى فهم قوانين تضمن لنا حركةً صحيحة وسليمة نحو الحياة الأبدية. فكما أنّ من يعرف القوانين أفضل، ينجح أكثر في كل ميدان، كذلك الأمر في رحلتنا الكبرى نحو الآخرة. تخيّل مسيرًا جبليًا شاقًا: من يعرف متى يحين وقت التحرك، وما أدوات ينبغي حملها، وكيف ينسّق طاقته مع طبيعة الطريق وعقباته، تكون فرصه في بلوغ القمة أعلى بكثير. وهكذا تمامًا هي رحلتنا من الدنيا إلى الآخرة؛ فكلّ جهلٍ بقواعد هذا الطريق أو بشروطه وموانعه سينعكس علينا نحن، ويؤخرنا عن الوصول إلى الغاية التي خُلقنا لأجلها.
إن قوانين حاكمة على النفس الإنسانية هي ذاتها التي تحكم رحلة الجنين من الرحم إلى الدنيا. وكما أنّ الجنين لا يُسمح له بالتوقف أو العودة إلى الوراء في طريقه نحو الولادة، فإنّ توقّفنا أو تقصيرنا في السير نحو التشبّه بالله واكتساب صفاته وأسمائه يحرمنا من ولادة سليمة في عالم الآخرة.
كما أن السير في هذا الطريق يحتاج إلى سرعةٍ وسباقٍ نحو الخيرات، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى صبرٍ عميق. فالصبر هو جسر يحوّل معارفنا إلى مكاسب روحية حقيقية، وهو الذي يحدّد مدى نجاحنا في بلوغ هدف الخلق، والوصول إلى الولادة الأبدية التي تنتظرنا في دار الآخرة.
الحركة الناجحة والسليمة
على خلاف ما يظنه كثيرون من أن الدنيا والآخرة عالمان منفصلان، فالحقيقة أن بينهما علاقةً وثيقة متداخلة، كارتباط الجنين برحم أمّه. فكما يُعِدّ الجنين نفسه في ظلمات الرحم لحياةٍ جديدة في الدنيا، نحن أيضًا في هذه اللحظة نبني آخرتنا من داخل هذه الدنيا. الدنيا ليست نقيض الآخرة، بل هي مرحلة تتكوّن فيها ملامح وجودنا الأبدي.
نحن كمتدرّب يكتسب مهارات عمله المستقبلي من فترة التدريب الأولى؛ فكلّما أحسنّا في اختياراتنا، وعلاقاتنا، وترتيب أفكارنا وسلوكنا، أصبح طريقنا من الدنيا إلى الآخرة أكثر سلاسةً وطمأنينة. لذلك فإن بناء عالمٍ داخليٍّ سليم هو جزء من السير نحو الخلود دون عائق. أمّا الاضطراب والغضب والتشتّت، فإنها تسرق منّا صفاء الذهن وتركيز القلب اللازمين لفهم موقعنا والاستمرار في المسير.
إنّ من المستحيل أن ننجح في رحلتنا إلى الآخرة من دون امتلاك حياةٍ دنيويةٍ سليمة. تصوّر جنينًا يواجه في رحم أمّه نقص الأوكسجين أو سوء التغذية أو خللًا في تدفق الدم إليه، ومع ذلك يُفترض به أن يستعدّ لحياةٍ طويلة في الخارج! طبيعيّ أن مثل هذا الجنين لن يستطيع أن ينمو نموًّا سليمًا ولا أن يتهيّأ لدخول عالمٍ جديد، بل قد يتهدّده الموت قبل الولادة.
وهكذا نحن أيضًا: إن كانت حياتنا مليئة باختلالات ومشكلات، فكيف يمكن أن نبني بها آخرتنا؟ فوجود الإنسان ذو طبيعة استمرارية؛ كما أنّ الجنين يستخدم ما يملكه في الرحم لبناء أعضائه استعدادًا للدنيا، نحن أيضًا ينبغي أن نوظّف ما نملكه في الدنيا—من إمكانات وطاقات وتجارب—لنهيّئ أنفسنا للحياة الأبدية. أمّا حين ننشغل بتأمين ضرورات الحياة الدنيا وحدها، ونغرق في همومها، فلن يبقى في داخلنا فراغٌ أو صفاءٌ للتفكّر في الآخرة والاستعداد لها.
لكنّ امتلاك دنيا سليمة لا يكفي وحده لتحقيق حركةٍ ناجحة، فنحن أيضًا بحاجةٍ إلى مركبٍ سليمٍ يحتمل صعوبات الطريق. ومركبنا في هذه الرحلة هو نحن أنفسنا: أجسادنا، وعقولنا، وأرواحنا. فكيف نسير إلى الله بجسدٍ متهالكٍ أو نفسٍ مرهقةٍ مشتّتة؟ إنّها كمن يحاول صعود جبلٍ شاهق بسيارةٍ ذات عجلاتٍ مثقوبة!
ولذلك، فإنّ الجسد السليم لا يعني فقط قوة العضلات أو اللياقة البدنية، بل يحتاج أيضًا إلى مدخلاتٍ نقية: طعامٍ طيّب، هواءٍ نقيّ، ومشاعرٍ متوازنة. فهذه المدخلات لا تحفظ لنا الجسد فحسب، بل تشحن قوانا الداخلية لتكون جاهزةً للحركة القويّة نحو الأبدية.