فهم ضرورة أصالة التخصص حسب الهدف من خلق الإنسان
إذا نظرنا قليلاً إلى الظواهر والأحداث من حولنا، سنرى أن البعض منها ضرورية وتعتمد على بعضها البعض. على سبيل المثال، من الممكن الحصول على المركز الأول في بطولة ركوب الدراجات دون امتلاك الملابس أو الخوذة المناسبة لركوب الدراجات، ولكننا بالتأكيد لن نفكر في الحصول على امتياز في هذا السباق دون امتلاك دراجة. أو أنه من ضروريات المشاركة في مسابقة التجديف هو أن يكون لديك قارب و مجداف مناسبان لهذه المسابقة. إن بنية الحياة ورياضيات الخلق والرياضيات التي تحكم أرواحنا، تم تصميمها وتعديلها من أجل الهدف النهائي الذي خلقنا الله من أجله. ولتحقيق هذا الهدف، هناك حاجة لا غنى عنها لمجموعة من العوامل الضرورية، لأنه بدونها، يصبح تحقيق هذا الهدف مستحيلا.
على سبيل المثال، إذا جهلنا حقيقة أنفسنا، و أبعاد وجودنا، وأصلنا و وجهتنا النهائية، و كيف ينبغي لنا أن نسير في مسار حياتنا، فإننا غير قادرين على فهم الهدف من خلقنا. لكن النقطة المهمة هنا هي أن هذه الأسئلة لا تدخل في نطاق معرفتنا المادية والتجريبية، والوصول إلى إجابات هذه الأسئلة ضرورية للوصول إلى هدف خلقنا. ولكن، الوصول إلى هذه الإجابات في حد ذاته يتطلب أمورا وأهمها الرجوع إلى المتخصص المعصوم وهذه المسألة في حد ذاتها نوع من الدليل على ضرورة أصالة التخصص.
بنيتنا الوجودية والأبدية التي أمامنا
لقد ذكرنا في المقالات الماضية أننا نتميّز عن غيرنا من الكائنات بالبعد الإنساني فقط. إن الله لم يمهد لأي من المخلوقات في الكون، من جمادات ونباتات وحيوانات وحتى ملائكة، للوصول إلى هذه المرحلة. لقد أولانا الله هذا الاهتمام الخاص بسبب امتلاكنا للبعد الإنساني أو ماوراء العقلي، والذي اكتسبناه من النفخة الإلهية. كانت هذه النفخة في عالم آخر قبل مجيئها إلى جسدنا الأرضي و المادي في هذا العالم، وتعيش لفترة قصيرة فيه وفي بيئة العالم المحدودة، ويتوجب عليها أن تنمي نفسها قبل أن تنتقل إلى المرحلة التالية، عندها سوف تعود إلى الحياة الأبدية في الآخرة وإلى خالقها.
إن مسألة الخلود ورغبتنا في الحياة الأبدية ليست مزحة أبداً! إذا لم نول هذا الأمر اهتماما كاملا، فسوف نعطي الأولوية للجوانب الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية لوجودنا ونقوم برعايتها فقط، بدلاً من تنمية بعدنا الإنساني واللامتناهي. في هذه الحالة فسوف ننتقل إلى الحياة الأبدية وتصبح هناك غاية رغبتنا أن نعود مجددا إلى الدنيا لإصلاح أنفسنا ومحاولة الوصول إلى المكانة الإنسانية. لكن الأمر المهم هنا هو أنه لا يوجد هناك مجال للعودة إلى الوراء، وكما هو الحال مع الطفل الذي وُلد ناقصًا وعليه أن يتحمل حالته لبقية حياته، علينا أيضًا أن نعيش مع ما صنعناه لأنفسنا حتى نهاية الآخرة. مع الفارق أنه لن تكون هناك نهاية لحياتنا في الآخرة.
خطأ يجب تجنّبه

بطبيعة الحال، إننا نسعى للاستفادة من عالم الآخرة وتحقيق السعادة قدر الإمكان، و لكن من أخطائنا الفادحة في تحقيق السعادة أننا نلتزم بتعاريف خاطئة أو ناقصة. فمثلا في كثير من الحالات التاريخية والمعاصرة نرى أن شخصا أو جماعة أو مجتمعا قد بنى سعادته على أساس ما، وبعد سنوات أو أجيال أدركوا أن تعريفهم للإنسان كان خاطئا. والمصيبة هنا أن الاعتراف بالخطأ لاحقا لن يجدي نفعا إذ أن ليس له أي تأثير على عمر الناس الذين قضوا حياتهم وفق هذه التعريفات.
في الواقع، إذا قمنا بتنفيذ خططنا وأنشطتنا منذ البداية على أساس المبادئ الإنسانية الصحيحة واتبعنا أولئك الذين لديهم فهم كامل وصحيح لوجودنا، فلن نتعرض لمثل هذه الخسائر أبدًا. لأن الناس يميلون بالعادة إلى وضع ثقتهم في قادتهم، و لقادة المجتمع التأثير الأكبر على الناس، سواء أكان ذلك يقودهم إلى الانحراف والابتعاد عن السعادة، أو ينير طريقهم نحو السعادة. هنا تبرز أهمية وجود عالم في علم الإنسان وضرورة أصالة التخصص لتوجيه المجتمع وقيادته، وهو شخص واعٍ بجميع جوانب ومستويات وجود الإنسان والمخلوقات الأخرى و الذي بإمكانه أن يقيم أفضل علاقة بين الله والناس والمخلوقات الأخرى.
إرشادات من الخالق
إذن يبدو أن وجود مرشد متخصص في مجال بعدنا الإنساني وفوق العقلي ليس ضرورياً فحسب، بل من حقنا أن نطلب ذلك من الله. وبالطبع، نحن كبشر بإمكاننا عدم الاهتمام بضرورة أصالة التخصص ونسيان ذاتنا الحقيقية والانشغال بالمستويات الجمادية إلى العقلية طوال حياتنا، لكن الله الذي هو أكثر وعيا لما خلق ولضرورة أصالة التخصص فهو على علم بجميع إمكانياتنا وأدق حاجاتنا، ولم يتردد قط في إرسال أنبيائه لهدايتنا. في الواقع، إن إرشادنا مهم جدًا بالنسبة إلى الله، إلى درجة أنه كان على استعداد على التضحية بحياة العديد من أعز خلقه، أي الأنبياء والأئمة وأحبائه من أجل إرشادنا. ومن الواضح أن مرشدي هذا الطريق الذين يتعاملون مع سعادتنا على نطاق أبدي، يجب أن يكونوا بعيدين عن أي خطأ لكي لا يرتكبوا أدنى خطأ في تلقي التعاليم الإلهية ونقلها إلى الناس. هذه الصفة كانت موجودة في كل الأنبياء والأئمة.
وفي الواقع فإن الله لا يعطي الأصالة إلا للهداية التي نسّقها وخلقها على حسب طاقتنا وهدف خلقنا، وبالمقابل فإن الأنبياء والأئمة المعصومين هم الممثلون الوحيدون الذين يثق بهم الله لأنهم جديرون بأن يوصلونا إلى هدف خلقنا. نتيجة لذلك، فإن الله لا يقبل إلا اتباعهم. تعبر هذه المسألة عن ضرورة أصالة التخصص في الجانب فوق العقلي لوجودنا. بعبارات أبسط، فإن ليس لدينا طريقة أخرى لنيل الكمال في البعد الإنساني والوصول إلى الهدف من خلقنا سوى الاستعانة بمتخصص معصوم وموثوق به من قبل الله.
ذكرنا في هذا المقال أن الحاجة إلى وجود قادة ومرشدين معصومين وضرورة التواصل معهم هي حاجة طبيعية وتتشكل على أساس “قاعدة أصالة التخصص”. إن ضرورة هذا الأصل تتطلب الرجوع إلى متخصص معصوم، لأننا لا نستطيع الحصول على المعلومات التي نحتاجها بمفردنا بسبب البنية الرياضية لوجودنا. يكفي فقط أن نخطو الخطوات الأولى بشكل صحيح في طريق معرفة أنفسنا وعلاقتنا بالوجود، حتى لا نرتكب الأخطاء في طريق الوصول إلى هدفنا النهائي.
هل تؤمن أيضًا بأهمية أصالة التخصص لتحقيق الهدف من خلقك؟ شاركنا أفكارك حول هذا الموضوع.