تأملات في ضرورة وجود الأستاذ ودور الأستاذ بوصفه رحماً في الإرتقاء الروحي والمعنوي
“احرص أن يكون لك معلّم!”؛ و “استعن بمن سبقك في هذا الطريق!”….
كم مرّة سمعنا هذه النصائح من أناس يهتمون بنا، ونحن نهمّ بتعلّم رياضة، أو فنّ، أو مهارة ما بشكلٍ جادّ ومنهجي؟ إنها كلمات تنبض بالحكمة، ونعرف تمامًا كم هي صائبة وراشدة. فوجود الأستاذ يُعدّ ركيزةً أساسية في كلّ مسيرةٍ نحو التقدّم، إذ يُجنّبنا الضياع، ويوفّر علينا الكثير من الوقت والعناء.
على سبيل المثال، من يحاول أن يتعلّم فنّ الخطّ بمفرده، لا بد أن يُمضي وقتًا أطول، ويقاسي مشقّاتٍ أشدّ من ذاك الذي يتتلمذ على يد المتقدمٍ بارع. لأن الأستاذ لا يعلّم فحسب، بل يفتح لك دروبًا خفيّة، ويختصر لك المسافات، ويُرشدك إلى جوهر الفنّ لا إلى قشره. هذه الحقيقة لا تنحصر في شؤون الحياة الماديّة فقط، بل تمتدّ إلى النظام الميتافيزيقي والتقدم الروحي والمعنوي عند الإنسان، حيث تصبح الحاجة إلى الأستاذ أشدّ إلحاحًا وأعظم أثرًا. فهذه المسائل ليست عابرة، بل تمسّ أبديّتنا، والأبدية ليست أمرًا يمكن المجازفة به!
إنّ بلوغ الكمال الإنساني والسير الصحيح نحو الحقّ الأزلي، من دون دليلٍ عارف، أمرٌ بالغ الصعوبة، إن لم نقل مستحيلًا. فنحن نحتاج في رحلتنا الكبرى إلى أستاذٍ المتقدمٍ، حيّ القلب، واسع البصيرة، يعرف تضاريس الطريق، ويُضيء لنا دروبه، ويحذرنا من مزالقه، حتى نبلغ غاية الخلق في أقصر وقتٍ وأقرب سبيل. وليس أجمل من بيتٍ لحافظ الشيرازي، العارف الذي ذاق مرارة الطريق وعذوبته، ليُجسّد ضرورة وجود الأستاذ:
“لا تَسلك هذا الدرب وحدك دون رفيقٍ كخِضر…….فالدرب ظلمات، واحذر من فتنة التيه والضياع”[1]
في هذا المقال سنتناول كيف يمكن أن يؤثر وجود الأستاذ أو المدرب في تشبهنا بالله، وكيف تنمو نفوسنا في حضن الأستاذ والذي نطلقه: “رحِم الأستاذ” وتكتسب القوّة والسرعة؟ والأهم من ذلك، ومن هم أولئك الذين يمتلكون هذه القدرة الفريدة؟
ضرورة وجود الأستاذ من خلال التأمل في خصائص الرّحِم
ذكرنا في الدرس السابق أنّ وظيفة “الرّحم” هي إكمال الجنين. فالرّحم يتلقّى كيانًا لا يزال في طور القوّة والإمكان، في لحظة ضعفه القصوى، ويحتضنه، يفعّل قابلياته وينمّي مواهبه، ثم يُسلّمه إلى عالمٍ آخر أكثر اتّساعًا. هذه هي ميزة الرّحم الكبرى مقارنةً بسائر البيئات من حوله. تأمّل نطفة الإنسان: لو بقيت مئة عام في فضاء الدنيا، فلن تتحوّل يومًا إلى وليد. لكنها، ما إن تدخل رحم الأمّ، حتى تبدأ رحلتها في النموّ والتخلّق، وتنبعث قدراتها، التي لا يمكن لها أن تتفتح في فضاء الدنيا مهما طال الزمان، وتنمو وتزدهر.
إن العلاقة بين الدنيا والآخرة تشبه ذلك كثيرًا. فـ”رحميّة” الآخرة أضعف بكثير من “رحميّة” الدنيا. حتى لو بقينا مئات السنين في عالم البرزخ والآخرة، فلن نقدر على إنماء مواهبنا الروحيّة ولا على تفعيل ما أودعه الله فينا من قابليّات كامنة. بل أكثر من ذلك، لن نستطيع إزالة عيوبنا الأخلاقيّة بسهولة.
لهذا، فإنّ الفرصة الوحيدة لنا كي نصقل أرواحنا، ونُصلح ما بنا من نقص، ونُطلق طاقاتنا الكامنة، هي هذه الأيام القليلة التي نحياها في الدنيا. وقد شاء الله، بعلمه وحكمته، أن يجعل في رحم الدنيا أرحامًا أخرى، تُعيننا على التسريع في رحلة التكامل، وتسدّ ما فينا من ضعفٍ أو تأخّر. ومن أعظم هذه الأرحام هي رحم الأستاذ.
ما معنی الأستاذ هو بمثابة الرحم؟
كما أشرنا في مطلع هذا المقال إلى ضرورة وجود الأستاذ، فإنّ الإنسان لا غنى له عن أستاذٍ يُرشد خطواته، سواء في أبعاده الجسديّة أو الروحيّة. فالأستاذ الصالح يمكنه، في فترة وجيزة، أن يُعوّض سنواتٍ من التخبّط والتأخّر، ويأخذ بيدك من دركات الجحيم إلى أعالي جنّات النور.
المؤمن السائر نحو الأبدية لا يقوم بخطوةٍ عشوائية، ولا يسلك طريقًا بجهل، بل يتزوّد بالمعرفة الدقيقة، ويغترف من معين أساتذةٍ تشرّبوا أسرار النفس وقوانينها، فيتعلّم منهم “معادلات السرعة والقوة” في سيره الباطني. وبدون معرفة هذه المعادلات، فإنّ كلّ سعيٍ إلى الله قد يكون غير مجدٍ، بل قد ينقلب إلى ضررٍ خفي!
تأمّل مثلًا: إن لم نكن نعرف “بنية النفس” بلغةٍ رياضيّة دقيقة، فلن نميّز هجوم الشيطان من جهة اليمين، أي تلك الحيل المتخفّية في لباس العبادة. وبهذا قد تتحوّل عباداتنا من جسورٍ إلى الله، إلى سلاسل يشدّنا بها الشيطان عبر الغرور والزهو والتكبّر، فنبتعد عن الله ونحن نظنّ أننا نقترب!
كم من أناسٍ أمضوا أعمارهم في الصلاة والصوم، ولكن لم يتغيّر من باطنهم شيء: لا زالوا سريعي الغضب، حادّي اللسان، غارقين في الحسد والحقد وسائر الرذائل الأخلاقيّة. والسر؟ لا أستاذ لديهم، يعرّفهم بطرق تزكية النفس، ويحذّرهم من فخاخ الطريق.
وفي المقابل، نجد أناسًا كانوا غارقين في الفساد، لكنّهم حين دخلوا في “حضن أستاذٍ المتقدم”، تغيّروا تغيّرًا مذهلًا، وتحوّلوا إلى أولياء لله. فكلّما كان الأستاذ أقدر وأقوى، أسرعَ في إيصالك إلى مبتغاك.
إنّ اللجوء إلى حضن أستاذ قادر على تنظيم قلبك وتوجيه روحك، هو في الحقيقة لجوء إلى رحم جبّار. فحين نُسلم قلوبنا إلى الله، ونُحرّك أرواحنا نحوه، نكتسب سرعةً وقوّة تفوق كلّ ما يمكن للجسد أن يبلغه بالعبادات الشكليّة والرياضات المجهدة.[2]
والآن بعد أن اتّضح لنا مدى أهمية وجود الأستاذ، وقيمة رحمِه التربويّ، يبقى أن نسأل: من هم أولئك الذين يستحقّون أن نتخذهم أساتذةً لمسيرتنا الكبرى نحو الأبد؟
الجواب واضح: إنّ خيرَ الأساتذة هم الذين تشبّهوا بخالقهم، وأدركوا قوانين النفس والكون، وأُوكلت إليهم هذه المهمّة الإلهيّة لا عن هواهم، بل بأمرٍ من السماء. ولا تنطبق هذه الصفات إلا على المعصومين(عليهم السلام) في المقام الأوّل، وعلى تلامذة مدرستهم الربّانيّة في المقام الثاني.
فشخصية المعصوم عليه السلام ووجوده كرحم، وكذلك رحم الأولياء الإلهيين، تمثّل أقصر طريق نحو الله. من يسلّم نفسه لهم، ويخضع لتربيتهم، يطوي طريق مئة عامٍ في ليلة، ويبلغ أعلى مراتب الكمال في أقصر وقت ممكن.
تحدّثنا في هذا المقال عن ضرورة وجود الأستاذ، وعن قوّة حضوره في نموّ الإنسان روحيًا، وبيّنا أنّ الأستاذ بوصفه رحماً هو طريق مختصر إلى التهذيب والكمال. فمن خلال احتضان هذا الرحم الواعي، يمكننا أن نُصلح أخطاءنا الماضية، ونسير نحو هدف الخلق بقوّةٍ وتسارعٍ متزايد.
أيّ طرقٍ سلكتم في مسيرة النمو الإنساني؟
هل وجدتم أستاذًا يدلّكم على دروب النفس؟
يسعدنا أن تشاركونا تجاربكم وتأمّلاتكم في هذا المجال.
[2] «القَصدُ إلیَ الله بِالقُلُوب أبلَغُ مِن إتعابِ الجَوارِحِ بِالأعمال؛ الدرة الباهرة من الأصداف الطاهرة، ج ۱، ص 39