سبب اختلاف الإنسان عن الكائنات الأخرى هو الميزات الفريدة لجانبه الإنساني
في دراسة أبعاد وجود الإنسان المختلفة، أشرنا إلى أن الجسم، والنمو، والإنجاب، والاهتمام بتحقيق المراتب الاجتماعية هي جوانب يشترك فيها الإنسان مع الحيوانات، وبما أننا طلاب العلم والمعرفة فإننا نشبّه بالملائكة. البُعد الوحيد الوجودي الذي يميز الإنسان عن جميع الكائنات الأخرى هو الجانب ماوراء العقلي أو الإنساني الذي يرتبط بشكلٍ تام بالكمال المطلق اللانهائي.
بصيغة أخرى، إنّ أبعاد وجودنا الجمادية، والنباتية، والحيوانية مع جميع محبوباتها وكمالاتها مشتركة مع الحيوانات، والجانب العقلي يشترك مع الملائكة، بينما الجانب الذي يختص بالإنسان هو الجانب ماوراء العقلي أو الإنساني الذي ليس له محبوبًا سوى الله. على مر التاريخ وغالبًا ما، انحصرت الدراسات التي تدور حول الاختلاف بين الإنسان والكائنات الأخرى، على قدرة الإنسان على التحدث والتفكير والتعقل، غافلين عن حقيقة أن ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات هو الفطرة أو بُعدنا الإنساني أو الجانب ماوراء العقلي لوجوده.
الفرق بين الإنسان وسائر المخلوقات يكمن في سيره نحو الكمال
يمكن القول أن الإختلاف الأهم بين الإنسان وبقية المخلوقات هو نوع وطريقة حركته في سعيه نحو تحقيق الكمال. تلبي الحيوانات احتياجاتها الأساسية وتتواصل مع محبوباتها تحت إرشاد الله وبناءً على غرائزها. لا يوجد من يعلّم النملة المقاتلة كيف تدافع عن مجتمعها، ولا يحتاج الطيور إلى تعلّم كيفية الهجرة عبر آلاف الكيلومترات بين القارات. على الرغم من أننا نستجيب بشكل غريزي في بعض جوانب وجودنا السفلية ونملك حركة غريزية في هذه الجوانب، إلا أن حركتنا في المستويات الأعلى ليست مرتبطة بالغريزة وتعتمد على جهودنا في اكتشاف الحقائق واكتساب المعرفة. إن جزءا من معرفتنا يتعلق بالمعلومات التي زُرعت في وجودنا بشكل غريزي والتي تساعدنا على البقاء، بينما نحصل على الجزء الآخر من معرفتنا بشغف التعلم وحب السعي نحو الكمالات اللانهائية.
يمثل مستوى علاقتنا مع معشوقات قوانا الوجودية، نموذجًا آخر من الاختلاف بين الإنسان وبقية المخلوقات. فنحن نرتبط بسائر المخلوقات ومحبوباتها بسبب بنية وجودنا، ولدينا على الأقل وجه مشترك مع الكون كله في هذا المجال. وفي الحقيقة بما أنّ وجودنا هو ذو أبعاد متعددة فنحن دومًا مشتركين في العالم مع فئة معينة من المخلوقات، وهذا الاشتراك هو الذي يجعلنا متميزين، لأنه يتم في سائر المخلوقات خلق التوق والرغبة إلى مجموعة واحدة من الكمالات والرغبات فقط. بعبارة أخرى، إن بقية المخلوقات في الكون تسعى إلى نوع واحد من الكمالات ولا تتطلع للنمو والتطور إلّا في نطاقها. على سبيل المثال، ترتبط الملائكة بعالم المعقولات فقط ولا تسعى إلّا لتحقيق الكمالات العقلية، وتظهر النباتات اهتمامًا فقط بأدنى الأبعاد الحيوانية مثل النمو والتكاثر.
وهذا هو السبب ذاته الذي يمنحنا القدرة على النمو والتقدم وتحقيق الكمال في جميع أبعاد الكون. وإنّ ما يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات هو أن المخلوقات الأخرى لا ترتبط إلا بمجموعة واحدة من المعشوقات التي تتناسب مع طبيعتها، بينما نطاق المعشوقات والمحبوبات التي تجذب الإنسان شاسع للغاية.
نحن نقوم بتحديد هدف حياتنا ضمن إحدى هذه الكمالات، ونضع معشوقنا في مسار النمو والتطور والنضج في نفس القوة. وبناءً على هذا الاختيار، يمكن أن نُخفِضَ أنفسنا إلى مستوى حيوان أو حجر، أو أن نرتقي بها إلى درجة الكمال اللانهائي وغير المحدود والذي هو محبوب جزءنا الإنساني للوجود. في الواقع، إنّ السبب وراء اختلاف الإنسان عن بقية المخلوقات يكمن في شيئين: اختياره اولاً ثم قدرته على الوصول إلى مختلف المعشوقات. يمكننا بإرادتنا الحرة أن نتجاوز كمالات الحيوانات وحتى كمالات الملائكة، وننمو حتى نصبح لانهائيين، أو أن نقوم بخطأ في هندسة و اختيار معشوقات وجودنا، و نهدر رغبتنا اللانهائية في الجوانب المحدودة للوجود ونسقط إلى مستوى أدنى من الجمادات.
تعقيد البنية الوجودية للإنسان
إنّ الجانب الإنساني أو ماوراء العقلي من وجودنا يسمح لنا بالوصول إلى إمكانيات لا تتاح للكائنات الأخرى. على سبيل المثال، الرغبة في اللانهاية التي تنبع من كمالات الجزء ماوراء العقلي تجعل منا كائنًا لا يمكن إيقافه وقادرًا على طلب الجمال والقوة والعلم والكمالات بمستوى لا متناهٍ، ومن خلال الهندسة الصحيحة لها، يستطيع التحرك و الاتجاه نحو محبوبه الحقيقي الذي لا یکون غیر اللانهاية المطلقة.
هناك اختلاف آخر بين الإنسان وسائر الكائنات وهو أن الكائنات الأخرى تتصرف ببراءة في استخدام كمالاتها الخاصة، إذ أن رغبتها وطلبها يعتمد على وظيفة الغريزة. بالتالي فإن الحيوانات تستخدم الكمالات الحيوانية فقط على لتلبية احتياجاتها الأساسية وإشباعها، ولا يمكنها استغلال الكمالات الخاصة بها بشكل لا متناهٍ.
بالإضافة إلى ذلك، فإن كمال الكائنات الأخرى يكون نشطًا في وجودها. على سبيل المثال، للصخرة حجم وأبعاد، وينمو النبات باشكال مختلفة، ويتصرف الحيوان وفقًا لغريزته الخاصة، مثل الغضب والشهوة والحياة الاجتماعية، و تشكل هذه الكمالات جزءًا من حيوانيته. ولكن الأمر ليس كذلك مع قوة الكمال الإنساني، فهي غير نشطة في وجودنا يتعين علينا أن نحوله من قوة إلى فعل. إننا لا نصل إلى جوهر إنسانيتنا ولانحصل على هويتنا كإنسان إلّا إذا اتحدت جوانب حياتنا بأكملها للوصول إلى محبوبنا الإنساني الذي نسعى لتحقيقه، تمامًا مثل النبات الذي يسيطر على نمو ساقه وأوراقه عبر إيصال الماء بالکمیه المناسبة لجذوره، أو الحيوان الذي يكون على استعداد للقتال والمخاطرة بحياته من أجل المنافسة والحصول على مكان اجتماعي لكي يترأس القطيع .
إذا كنا مشغولين بالكمالات الحيوانية أو العقلانية التي تنخرط فيها سائر كائنات العالم، فما الفرق بين الإنسان وباقي المخلوقات؟ هل يعني ذلك غير أن الحيوانات والنباتات والملائكة يلبون حاجتهم إلى التواصل مع الشريك الحقيقي لوجودهم من خلال الاجتهاد والسعي ويرتقون إلى السرور والسكينة؟ كلما انشغلنا بالكمالات الحيوانية أو العقلانية، فإننا نبتعد تدريجيًا عن شريكنا ومحبوبنا الحقيقي ونصبح قلقين وحزينين وغير مرتاحين أكثر فأكثر. إذن يمكننا القول اننا مهما بذلنا من جهد، فاننا لن نكون ناجحين مثل الحيوانات أو الملائكة، وإذا نسينا التطرق إلى محبوب جزءنا الإنساني، سنكون أدنى من الحيوانات والملائكة.
اتساع نطاق المحبوبات في النفس الإنسانية
إنّ الفرق الآخر بين الإنسان وسائر المخلوقات يكمن في تعدد محبوبات الإنسان في كل جوانبه الوجودية. فعلى سبيل المثال، تحوي كمالات الجسم الصلب الوزن والحجم والأبعاد الثلاثة والخصائص العنصرية. ولكن المحبوبات الجمادية للإنسان تحتوي على كل ما يدخل في تعريف الأشياء الجامدة، مثل الرغبة في المال والمنزل والسيارة والمجوهرات والسجاد والذهب و… وكلها تقع ضمن نطاق المحبوبات الجمادية للإنسان، أو عندما يتعلق الأمر بالنباتات فالنمو والتغذية والجمال والنعومة و … يعتبر من الكمالات والمحبوبات عند النباتات. ولكن الكمالات النباتية الخاصة بالإنسان تشمل جميع الأنشطة التي نقوم بها للحصول على أنواع الجمال وزيادة القوة البدنية واللياقة البدنية والمائدة الملونة وطول القامة وغيرها. إذا تغلّبت هذه الأشياء على جانبنا ماوراء العقلي، سيتم خفض مكانتنا إلى مستوى نبات. لذلك تقع مسؤولية كبيرة على عاتقنا في التعرف على هذه المحبوبات، و ترتيبها واستخدامها بقدر ما يكفي.
تناولنا في هذه المقالة، الإختلاف بين الإنسان وباقي المخلوقات وأصل هذا الفرق، والذي يكمن في وجود البعد الإنساني أو ماوراء العقلي في نفسنا. تحدثنا عن الاختلاف بين الحركة الغريزية للمخلوقات والحركة الإرادية للإنسان، وأشرنا إلى أن مستوى علاقة الإنسان بمحبوباته يختلف عن الكائنات الأخرى. وفي النهاية، تطرقنا إلى توسع نطاق وتعدد المحبوبات المرتبطة بكل جانب من جوانب وجود الإنسان مقارنةً بباقي المخلوقات.