ما أهمية التقوى في حياتنا اليومية؟ ولماذا ينبغي أن نتحلّى بها؟
هل تساءلت يومًا عن السبب وراء هذا التأكيد البالغ على التقوى في نصوصنا الدينية والتربوية؟ ما هي العواقب التي قد تترتب على إهمالها؟ وهل فكرت مليئًا في مدى أهميتها لحياتنا؟
قبل أن نخوض في بيان أهمية التقوى، يحسن بنا أن نلقي نظرة على معناها. في تعريف بسيط وقريب من الأذهان، يمكن القول إن التقوى أو الورع تعني اجتناب كلّ ما يحول دون بلوغنا الغاية التي خُلقنا من أجلها. بمعنى آخر، التقوى هي أن نبتعد عن كلّ ما يفصلنا عن الله، وكلّ ما يباعد بيننا وبين التشبّه به سبحانه من حيث الأسماء والصفات. ومن اللافت أن تعريف التقوى بحد ذاته يعبّر عن عظمتها البالغة، فهي في الحقيقة درعٌ يحفظنا من الوقوع في قيود المحدودية بينما نسير في طريقنا نحو الكمال واللانهاية.
ولكي نفهم مفهوم التقوى على نحو أوضح، فلنضرب لها مثلاً محسوسًا. لنفترض أننا نشارك في سباق سيارات. هدفنا في هذا السباق هو الوصول إلى خط النهاية بأقصى سرعة ممكنة. فالتقوى في هذا السياق تعني أن نمتنع عن كلّ ما يُبعدنا عن هذا الهدف. ولذلك، ينبغي علينا في هذا السباق أن نراعي أمورًا عدّة، كأن نستخدم سيارة جيدة بمحرك قوي وخالٍ من العيوب، وأن نرتدي حذاءً وملابس مناسبة للقيادة، وأن نكون على أتمّ الاستعداد جسديًا ونفسيًا، وأن لا نعاني من النعاس، وأن نحافظ على تركيزنا الكامل، وأن نكون واعين لقوانين السباق. لأن الإخلال بأيٍّ من هذه الأمور سيبعدنا عن هدفنا، إذا لم نراعِ هذه الجوانب، أو بعبارة أخرى، إذا لم نكن متقين، فإن كل جهودنا ستذهب سُدًى، حتى لو بذلنا أقصى ما لدينا وتدربنا ليل نهار، ولن نبلغ النتيجة المرجوة.
التقوى والولادة السليمة إلى الآخرة
التقوى هي مفتاح وصولنا إلى محبوبنا الله سبحانه وتعالى؛ إنها تضمن لنا ولادة سليمة في الآخرة وسعادة أبدية. لقد جئنا إلى رَحِم الدنيا لفترة محدودة، لنهيئ أنفسنا للحياة الأبدية، ولنضمن ولادة سليمة نحو الآخرة والخلود. وكما أسلفنا، تعمل التقوى كدرع يقينا من الأعمال الضارة. فالالتزام بالتقوى لا يقتصر على الابتعاد عن الذنوب والآثام فحسب، بل يحرص أيضًا على ألا نصاب بهجمات الشيطان من الجهة اليمنى في أعمالنا الصالحة وعباداتنا، فنحافظ بذلك على جودة أعمالنا. وبهذا، نسلك طريقنا نحو الله والخلود بسلام، ونولد في الآخرة بقلب سليم.
للتقوى آثار وبركات عديدة، والوعي بها يُظهر أهمية التقوى بشكل أوضح وأعمق. ومن هذه الآثار: قبول الأعمال[1]، فهم المعارف والاستفادة من الحقائق الإلهية،[2] التمييز بين الحق والباطل ومغفرة الذنوب،[3] وكذلك نيل الهداية من القرآن الكريم.[4] ويُعد قبول الأعمال من أبرز آثار التقوى وأكثرها إثارة للتأمل. فحقًا، لماذا لا يُقبل أي عملٍ لا تصاحبه التقوى؟
التقوى، شرط قبول الأعمال
ذكرنا أن التقوى هي شرطٌ لقبول أعمالنا في هذه الدنيا؛ تلك الأعمال التي من المفترض أن تقودنا إلى هدف خلقنا، وتُشكّل مصيرنا الأبدي. لكن ما المقصود بالعمل المقبول؟ إنه هو العمل ذو الجودة العالية؛ أي العمل الذي يُنمّي فينا التشابه مع الله في صفاته ويؤدي إلى ولادتنا السليمة في الآخرة. بعبارة أخرى، تمنع التقوى أعمالنا من أن تفقد جودتها. على سبيل المثال، الأعمال الخيرية ومساعدة الآخرين، إذا صاحبها تقوى، تؤدي إلى نمونا واقترابنا من الله واكتساب أسماء مثل الرحمن، الجواد، والكريم. ومن أمثلة الالتزام بالتقوى هنا، اجتناب الرياء، والغرور، والعجب، والمنّ على الآخرين. فكل واحدة من هذه المظاهر التي تُعد نوعًا من عدم التقوى، تُفقد عملنا جودته. ولذلك، فإن الله لا يقبل إلا عمل المتقين؛ لأن هؤلاء الأفراد يمتلكون درع التقوى، وعملهم لا يُلحق بهم أضرارًا مثل العجب والكبر. إن أهمية التقوى عظيمة لدرجة أنها تجعل حتى العمل البسيط جدًا، مثل عمل صغير في المنزل، أو تقبيل طفل، أو تناول الفاكهة مع العائلة، أو ابتسامة بسيطة للوالدين، لا يُعتبر عملًا قليلًا. فمثل هذه الأعمال، على بساطتها وصغرها، تُحدث تشابهًا وتوافقًا وتُنتج الفرح والهدوء. كيف يمكن لعمل أن يُعد قليلًا والله قد قبله؟ ولهذا السبب، يقول النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي ذر (رحمة الله عليه): “يا َا أَبَا ذَرٍّ كُنْ بِالْعَمَلِ بِالتَّقْوَى أَشَدَّ اِهْتِمَاماً مِنْكَ بِالْعَمَلِ فَإِنَّهُ لاَ يَقِلُّ عَمَلٌ بِالتَّقْوَى وَ كَيْفَ يَقِلُّ عَمَلٌ يُتَقَبَّلُ يَقُولُ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اَللّٰهُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ.”[5]
في هذا الدرس، تحدّثنا عن أهمية التقوى، وذكرنا أنها تبلغ حداً يجعل من مراعاتها في اختياراتنا، وعلاقاتنا، وسلوكنا، وأفكارنا، سببًا في ولادةٍ سليمة إلى الآخرة، وسعادةٍ أبدية. فالتقوى لا تمنعنا فقط من الوقوع في الذنوب والرذائل، بل تعمل كدرع يقينا من فقدان أعمالنا الخيرية وعباداتنا لجودتها. وبالتالي، تبقى أعمالنا محتفظة بجوهرها، وتصبح التقوى سببًا في جذب أسماء الله، وفي التخلّق بأخلاقه. ولهذا، فإن مراعاة التقوى هي الشرط الأساسي لقبول أعمالنا، وهو ما يُظهر جليًا أهمية التقوى وضرورة الالتزام بها.
[1] إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، سورة المائدة، الآية 27
[2] وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ، سورة البقرة، الآية 282
[3] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ، سورة الانفال، الآية 29
[4] ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، سورة البقرة، الآیة 2
[5] . الطبرسي، حسن بن فضل، مکارم الاخلاق، ص468