ما هو الحس وما هو الدور الذي يلعبه في الحياة؟
قبل كل شيء سوف نشرح الحس[1] ودوره في الحياة. بصورة عامة، فإن الحس هو عملية یتلقى خلالها الجسم محفزًا خارجيا من البيئة، فيقوم بدركه و تمييزه. إلا أن دوره لا يقتصر على الإدراكات البسيطة، بل إنه يشمل وعينا بالعالم المادي المحيط کله. تعتبر الحواس الخمس من إحدى الطرق الأساسية لاكتساب المعرفة التي تهيئ النفس الإنسانية لفهم المعارف العميقة.
وكما ذكرنا في الدرس السابق، فإن النفس البشرية تتكون من مستويات حسية، وتخيلية، و وهمية، وعقلية، وماوراء العقلية ولكل من هذه المراتب، هناك قرينٌ وإله مختص بها. إذا وُضعت هذه الأزواج جنبا الى جنب فإن مختلف مستويات وجودنا سوف تشعر بالسكينة و الهدوء، لانه من الطبيعي أنه لا يهدأ كل حس إلا من خلال المحسوسات المتوافقة معه. على سبيل المثال، إن عين الإنسان تتأقلم فقط مع طول الموج، بينما لا تتوافق أذن الإنسان إلا مع ترددها في النطاق المناسب، أي بين 20 هرتز و20 كيلو هرتز.[2] و لا يحتاج اللسان إلا إلى تذوق النكهات وليس له دراية بالطول الموجي والتردد.
فهم الدور المهم للحس في الحياة
هل تخيلت يوما كيف ستكون الحياة بدون إحدى حواسك الرئيسية؟ فعلى سبيل المثال، كيف سيكون حالك إذا لم تملك حاسة الشم؟ قد نعتقد ببساطة أننا عند غياب حاسة الشم لن نفقد شيئاً غير القدرة على الاستمتاع برائحة الزهور، بينما الحقيقة أنّ مع غياب هذه الحاسة، قد نتعرض لمخاطر لم نفكر بها حتى الآن. على سبيل المثال، من الصعب علينا اكتشاف تسرب الغاز أو خطر الحريق أو الطعام الفاسد دون حاسة الشم. وقد يؤدّي عدم وجود حاسة الشم إلى فقدان الشهية أو تغيير في عادات الإنسان الغذائية، و في النهاية إلى نقص حاد في الوزن.
تصور الآن لو لم نملك القدرة على السمع، عندها لكان يحيط بنا عالم من الصمت المطبق و يهددنا خطر وقوع حادث ما طوال الوقت، بالإضافة إلى انخفاض مستوى علاقاتنا مع الآخرين وتدفق الأفكار المضطربة إلى أذهاننا. ليس هذا كله سوى جزء من عالم الصمت والانعزال الذي كنا نعيش فيه، لأن الصم لا يستطيعون حتى سماع أصواتهم. كما أن فقدان حاسة السمع منذ الولادة يضعف القدرة على التكلم. ولقد أظهرت التجارب أن قليل من الناس بامکانهم المكوث في أهدأ غرفة في العالم و في غياب الصوت لأكثر من ساعة[3]. تقول هيلين كيلر، كاتبة أمريكية عمياء وصماء، عن صعوبات الصمم: فالعمى يسبب الانفصال بين الإنسان والأشياء، والصمم يسبب الانفصال عن الآخرين.
وبنفس الطريقة، فإن فقدان حاسة اللمس في الإنسان يؤدي إلى عدم الشعور بالفرق في فهم البيئات المختلفة وتجاهل الجروح والحروق ولدغات الحشرات وعدم الدراية بوضع أعضاء الجسم. في هذه الحالة، لا يشعر الشخص بأي شيء لكي يحمي نفسه.
هذه الامثلة تكفي لإزالة حجاب العادة عن العقل البشري وإدراك أهمية ودور الحس في الحياة. يمكنك الآن أن تتخيل حجم المشاكل التي سنواجهها لو لم نملك حاسة البصر أو حاسة التذوق! كل ما ذكرناه حتى الآن هو ذو أهمية كبيرة بدوره ويسلط الضوء على أهمية الحواس الخمس بالنسبة لنا أكثر من أي وقت مضى، ولكن في الحقيقة فاننا لا يمكننا تجاهل دور الحس في الحياة كمدخل وأساس لتكوين القوى الأخرى، والذي سوف نتحدث عنه في هذا المقال.
أضرار الجانب الحسي
صحيح أن كل من حواسنا جزء من وجودنا ولها تأثير كبير على حياتنا. ومع ذلك، لا أحد منها هو إلهنا الحقيقي. إن إلهنا الحقيقي هو محبوب جانبنا الإنساني الذي سوف نقوم بشرحه بالتفصيل في مقالات قادمة. في ضوء الأهمية للحواس في حياتنا، فإن غيابها أو نقص أي من المحسوسات يسبب عدم راحة و انزعاج و يعيق قدرتنا على فهم العالم من حولنا. مع ذلك، فإن الإفراط والتفكير في كل من المحسوسات لن يجلب لنا غير الضرر والتعقيد في حياتنا.
عندما يتجاوز الإنسان الحدود في الأكل والشرب، أو في العلاقات الحسية مثل الرؤية والسمع والشم واللمس، أو يرتكب حراما، أو حتى يفرط في استخدام الحلال، فإن كل هذه الأمور تؤدي إلى فقدان التوازن للإنسان وتعيق رعايته وتقدمه في جميع جوانب وجوده.
على سبيل المثال، الشخص الذي يفرط في تناول الطعام يصاب بصعوبة الحركة، والشخص الذي يفرط بمشاهدة الأفلام يفقد قدرته على التركيز والتفكير حيث يتبادر إلى ذهنه صورة مما شاهده في كل لحظة. هذه بضعة أمثلة على استخدام المحسوسات بشكل مفرط.
علاقة الحس مع مراتب الوجود الأخرى
لفهم العلاقة بين الحس والمستويات الأخرى من الوجود الإنساني بشكل أفضل، تخيل طفلًا. عند الولادة لا يملك الطفل غير حواس محدودة، حتى أنه يرى وجوه والديه ضبابية، ومع مرور الوقت ونتيجة التكرار والتدريب يستطيع التمييز بين مختلف الأشخاص. كما تتقوى بقية حواس الطفل أيضا بهذا التكرار والممارسة. ولكي تتعزز حواسه الخمسة، لا يمكن للمرحلة التالية في وجوده، وهي الخيال، أن تتكوّن وتصبح قوية.
عندما نصل إلى المعرفة، فإننا نقوم بالتحكّم في جمیع مداخل و مخارج روحنا ولن نسمح لأي معشوق بالتسلل إلى أجزائنا الحسية والخيالية والعقلية، هذا لأننا نعلم أن منافذ الروح هي المواد الخام التي توصلنا إلى المراتب العليا.
فكما يحتاج المصنع الى مواد خام عالية الجودة بغض النظر عن مدى احترافه في عمله، لإنتاج منتجات ذات جودة عالية، فإن الإنسان أيضا بحاجة إلى مواد خام عالية الجودة. لأن مستويات النفس الإنسانية متصلة كالسلسلة، و إذا كان هناك اقل خلل في أحد المستويات فان ذلك سوف يعكس عدم التوازن في النفس و ويخرجها من توازنها الأساسي. إن نمو الجانب العقلي والإنساني من وجود الإنسان يعتمد على وجود القوة و القدرة الخيالية و الوهمية. والخطوة الأولى لبناء جانب خيالي ووهمي وعقلي قوي هي الاهتمام بالجسم و مداخله، و هي الحواس الخمسة.
في هذا المقال القينا الضوء على أهمية دور الحس في الحياة باعتباره المستوى الأول من مراتب النفس الإنسانية. لقد تعرفنا على المزيد عن المحسوسات بوصفها إلهًا إلى الجانب الحسي من الإنسان، وذكرنا أضرار الإفراط والتفريط في استخدام القوى الحسية. وفي الختام، أشرنا إلى دور الحواس كمداخل وأسباب لتقوية مستويات الوجود الأخرى من وجود الإنسان. في المقالة التالية سنتناول دور قوة الخيال في الحياة.