ما هي الحاجة إلى وجود المخلوق الأول أو أول تجلٍ لله؟
نحن عادة ما نرغب في معرفة أصلنا و سلالتنا وجذورنا، من أين أتينا وإلى أين نعود. إلا أن الحقيقة تختلف عن ذلك، فالأصل والجذر لا يقتصران على صلاتنا وعلاقاتنا الدنيوية، بل يمتدان إلى مراحل الخلق. فالرأي السائد يغفل أي ارتباط بيننا وبين أول مخلوق، وهذا ما يجعلنا غير مدركين لهذه الصلة. في حين أن الأحاديث المختلفة تشير إلى أن الله في بداية الخليقة خلق النور المحمدي[1](صلى الله عليه وآله وسلم) أو المثل الأعلى، الذي يمثل أسمى تجليات الكمال الإلهي، ثم خلق سائر المخلوقات من هذا النور. والمثل الأعلى، الذي يُطلق عليه أيضًا خليفة الله، الذي وكل إليه الله الخلافة في الأرض، أو الروح أو اللوح[2] أو القلم، لا يختلف عن كمال الله إلا أن الله هو الخالق وذات المثل الأعلى قائمة مرتبطة بذات الله.[3]
لا فرق بين المؤمن والكافر في أصل الخلق، فكلاهما خلق من المثل الأعلى دون استثناء. بل إن الله قد خلقنا جميعًا من نور النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). ولعل السبب الوحيد الذي يجتمع عليه أناس من مختلف الأديان والمذاهب حول الإمام في الأربعين هو هذا الاشتراك في حقيقتهم الوجودية. أي أن كل هؤلاء يرون في الإمام نموذجًا كاملاً لأنفسهم، ولهذا ينجذبون إليه.
سنتناول في هذا الدرس أول تجلٍ وأول مخلوق، موضحين ضرورة وجود المثل الأعلى. وسنناقش في الدروس القادمة علاقتنا كبشر بأول تجلٍ لله بشكل مفصل.
تعابير متنوعة حول المخلوق الأول
إن تعدد الأوصاف التي وردت في الروايات للإشارة إلى المخلوق الأول لا ينفي وحدة الجوهر. فجميع تلك الأوصاف المختلفة لا تعدو كونها مظاهر متعددة لحقيقة واحدة وهي الحقيقة المحمدية. فكما جاء في الحديث الشريف: “أول ما خلق الله نوري”[4]. والنور بطبيعته يضيء ويبين ويظهر كل شيء. وبالمثل، فإن نور النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحقيقة المحمدية هو الذي أظهر سائر المخلوقات وتجليات الله تعالى.
- العقل
إن الله تعالى يتدبر كل شأن في الكون بوساطة هذا النور المحمدي أو الحقيقة المحمدية، لذا، يُطلق على المخلوق الأول اسم العقل.[5]
- الروح
الروح هي مصدر الحياة، وكل ما هو حي في هذا الكون يستمد حياته من هذا النور الإلهي. ولأن هذا النور هو أصل كل وجود، فقد أطلق على المخلوق الأول، أيضًا اسم الروح.
- القلم
القلم هو كل ما يُمكن به الإيجاد والتكوين، وبما أن الله قد خلق المخلوقات والکلمات وما سواه بواسطة هذا النور والحقيقة، فقد سُميت الحقيقة المحمدية بالقلم.[6] إن أدنى مراتب الكلمة هي الحروف التي نكتبها على الورق، ولكن للكلمة مظاهر أعلى، وهي المخلوقات الإلهية. فكل مخلوق إلهي هو تجلٍّ وظهور لله، والله يظهر لنا أسمائه وصفاته وقوته وحياته من خلال هذه المخلوقات، كما يتكلم معنا باستمرار عبر هذه الكلمات، وهو دائب على خلق هذه الكلمات والمخلوقات بالقلم.

ضرورة وجود المثل الأعلى
لقد سبق لنا في مقال سابق أن تناولنا مفهوم الوجود وصفاته بالتفصيل. وذكرنا أننا في الأصل متعطشون لمعرفة الذات الإلهية التي نرمز إليها بـ “هو”. “هو” هو الوجود اللانهائي الفريد الذي لا بداية له ولا نهاية، ولا حدود تحويه، ولا يحتاج إلى شيء خارجه، فهو الغني المطلق. إنه الوجود الأزلي قبل أن يتجلى بأسمائه وصفاته، إلا أنه بعد هذا التجلي يُسمى الله.
إننا كبشر محدودين ماديين لا نستطيع أن ندرك كنه وجود اللامتناهي. فكيف لنا أن نفهم معنى علم لا حدود له أو قوة مطلقة؟ إن الوجود المطلق لا يمكن أن نتصوره إلا إذا تجلى لنا في صورة ملموسة، أي في صورة يمكن لعقولنا أن تدركها. لذلك كان لابد من وجود “مثل أعلى” يتجلى فيه جمال الله وكماله، ل نتمكن من التواصل معه والإحساس به.
ومع ذلك، فإننا محدودين كبشر، لا نستطيع أن ندرك هذا الكمال المطلق بشكل مباشر، ومفاهيم مثل العلم المطلق والقوة اللانهائية تتجاوز حدود إدراكنا. لذلك، نحتاج إلى وجود “مثل أعلى” أو “نموذج كامل” يمكننا أن نرتبط به ونفهمه. هذا النموذج هو الذي يسمح لنا أن نتقرب من فهم حقيقة الوجود المطلق.
بالاضافة إلى ذلك، وبما أن الطاقة لا تُدرك إلا بتجسّدها في شكل مادي، فإن كل موجود في الكون هو تجلٍ لجمال الله وصفاته. ولكن يقتصر كل تجلٍ على قدرة ذلك المخلوق على استيعاب هذه الصفات. الإنسان الكامل هو التجلي الأسمى والأكمل، فهو وحده القادر على تجسيد جميع أسماء الله وصفاته، وبامكانه أن يهدينا إلى معرفة الحق. بعبارة أخرى، لکي نفهم الوجود اللانهائي، كان لابد أن يتجسد في صورة مثالية، وهي صورة الإنسان الكامل. ولذلك، فقد خلق الله في أول تجلياته، كائن كامل جمع فيه أسمى الصفات وأجلّها، وسمّاه المثل الأعلى أو خليفة الله، إلا أن الله هو الخالق الأزلي قائن بذاته بينما المثل الأعلى هو المخلوق وقائم بذات الله.
إن الفرق الجوهري بين الله والمثل الأعلى يكمن في أن الله هو الخالق الأزلي الأبدي، وهو المنشأ لكل شيء، بينما المثل الأعلى، وإن كان يحمل جميع صفات الكمال الإلهي، فهو مخلوق من الله وقائم بذات الله. ومع ذلك، فإن هذا المخلوق الفريد يتمتع بجميع صفات الكمال التي يتمتع بها الخالق، فهو تجسيد حي لأسماء الله وصفاته. ولذلك، فإن وجود مثل الأعلى ضروري كنموذج مثالي نسعى إلى التشبه به، لكي نفهم معنى الكمال الإلهي ونقترب من الله تعالى.
قد توقفنا في هذا المقال عند أسمى تجليات الله، وهو المثل الأعلى، وبيّنا أهمية وجوده. فالنور المحمدي، الذي يُعرف أيضًا بالروح، وخليفة الله، والقلم، واللوح، والمثل الأعلى، هو المخلوق الأول وقدوة الكمال. ونحن، كبشر، محدودون في إدراكنا لللانهاية، ولذا كان على لله أن يتجلى في صورة ملموسة لنتواصل معه. فخلق الله المثل الأعلى في أول خلقه وهو شبيه له في الأسماء والصفات والكمالات، مجسداً جميع صفات الكمال الإلهي، ليكون مرآة تعكس لنا جمال الله وجلاله. غير أنه مخلوق وقائم بذات الله، وهو النموذج المثالي للإنسان، ونسعى إلى التشبه به لنصل إلى الكمال.
هل كنت على دراية بهذا الارتباط الوثيق بين الخالق والمخلوق الأول، وهذه الحكمة البالغة في خلقه؟
[1] . أول ما خلق الله نوري. بحارالأنوار، ج1، ص 97
[2] . أول ما خلق الله اللوح. مشارق أنواراليقين في أسرار أميرالمؤمنين (علیه السلام)، ص 210
[3] . لا فرق بینک و بینهم الا انهم عبادک. اقبال اعمال، جلد 2، صفحۀ 646
[4] . بحارالانوار، ج 1، ص 97
[5] . أول ما خلق الله قلم. کنزالعمال، ج 6، ص 122
[6] . اول ما خلق الله قلم. کنزالعمال، ج 6، ص 122