القوة الرحمية للدنيا هي قوة لا يمكن تجاهلها

جدول المحتويات
لا يمكن إيقاف قدرة البناء والقوة الرحمية للدنيا

ما هي القوة الرحمية للدنيا و على أي جزء تؤثر من حياتنا؟

كيف نرى الدنيا؟

  • هل هي مكان نقضي فيه سنوات عمرنا ونتركه في النهاية؟
  • هل هي مزرعة الآخرة؟
  • هل هي نادي المؤمنين ومكان الاختبارات والابتلاءات؟

جميع هذه التعابير صحيحة عن الدنيا، ولكن ماهو المعنى الحقيقي لهذه التصورات؟ ما الذي نزرعه في هذه الدنيا والذي يتوجب أن نحصده فيما بعد؟ في هذا المقال، سنبحر في إجابة عن هذه الأسئلة.

تتمتع الدنيا بقوة رحمية فائقة قادرة على بناء الإنسان لمواجهة الآخرة، تمامًا كالعلاقة التي يمتلكها رحم الأم مع عالمنا الحالي. ولكن هناك فارق طفيف، فقدرة بناء رحم الأم تتعلق ببعدنا الجسدي و تقوم بتزويد الجسم بقدرات استثنائية ضرورية للعيش في هذه الدنيا، بينما القوة الرحمية للدنيا تتعلق بجانبنا الإنساني وتقوم بقدرتها الفائقة ببناء روح أو نفس تكون أداة حياتنا في عالم الآخرة. في الحقيقة إن الدنيا تحتل موضعين في حياة الإنسان، في الموضع الأول حيث يتواجد فيها في رحم الأم، حيث أنها ليس لها دور في تكوين أي عضو كما يفعل الرحم، و في الموضع الذي تواجه فيه الآخرة، وتتميز بقوة رحمية فائقة.

تستطيع القوة الرحمية للدنيا إنشاء أداة يحتاج إليها الإنسان بعد الولادة في الآخرة. مثل الشخص الذي يحتل مكانة الطفل أمام والديه ولكنه لاحقا عندما يجد نفسه أمام أبنائه يحتل مكانة أخرى و يتولى دور الأب أو الأم.

نظرًا لأن الدنيا لها قابلية البناء من أجل الآخرة، فإن جميع القواعد التي تحكم الحياة الرحمية الجنينية تنطبق أيضًا على رحم الدنيا. إذا لم نكسب الثروة للآخرة في فترة الدنيا المحدودة من خلال العمل وتكراره والتواصل معه، فإن من المستحيل أن ندخل الآخرة بأدوات كافية ونحظى بولادة سالمة. تنطبق هذه القاعدة أيضًا على أخلاقنا وسلوكياتنا السيئة، أي أن القوة الرحمية للدنيا لديها قدرة فريدة على القضاء على هذه الصفات السلبية، وإذا وُلِدنا بهذه الصفات في الآخرة، فإنها ستطارنا لعقود متتالية، لأن الآخرة لا تتمتع بخاصية البناء.

إن جودة حياتنا وقدراتنا الروحية في الآخرة تعتمد على جهودنا في هذه الدنيا، تمامًا مثل الجنين الذي تكون حياته الدنيوية بأكملها نتيجة جهوده داخل رحم أمه. إذا وُلِدَ الجنين بجسم يعاني من عيوب وأمراض، فإنه سيعيش حياته في معاناة وتعب طوال فترة وجوده في الدنيا. وبالمثل، فإننا إذا وُلِدنا بأمراض روحية من رحم الدنيا إلى الآخرة، فإننا سنعاني من المصائب والصعوبات خلال حياتنا الأخروية.

سبب أفعالنا في الدنيا

إذا لم تكن لدينا صورة عامة عن حياة الجنين ولا نكون على علم بالمكان الذي سيولد فيه، فإن سلسلة الأعمال التي يقوم بها في رحم الأم سوف تبدو غير ذات مغزى لنا. إذا لم نعلم أن هناك عالم وراء رحم الأم، فلن ندرك السبب وراء كل الجهود التي يبذلها الجنين ليلا ونهارا لتشكيل أعضاء جسده والقيود التي يفرضها على نفسه. كل أعمال الجنين في رحم الأم ليست لها فائدة في بيئة الرحم، وإنّما تكتسب معنىً فقط عندما ندرك أن الجنين يعمل على تجهيز و اعداد نفسه وتوفير الأدوات اللازمة لدخول الدنيا.

ربما لو كان الجنين يتمتع بالاختيار في أعماله، لتراجع عن الجهد وعمليات بناء أعضائه في الرحم، إذ أن الدنيا مخفية له و بمثابة عالم الغيب. لذا فليس من الغريب إذا قرر الجنين ترك السعي نحو عالم غير معروف والتفرغ للسعادة المتاحة في رحم الأم.

إننا كبشر نمر بوضعٍ مشابه في رحم الدنيا غافلين عن تفاصيل الآخرة وعظمتها، متجاهلين القوة الرحمية للدنيا وبالتالي تصبح الكثير من النصائح التي تؤدي إلى بناء آخرتنا، مجهولة وغير مفهومة لنا. إننا نجهل السبب الذي يمنعنا من النوم العميق من أجل أداء الصلاة، وأن ننفق من المال الذي قمنا بالحصول عليه بجهد، وأن نلتزم بالحجاب في الحر، ونمتنع عن النظر إلى أي شيء كان، وأن نتجنب الاستماع إلى أي نوع من الموسيقى، وتجنب مخالطة أي شخص كان وما إلى ذلك. الجهل بالقوة الرحمية للدنيا يتسبب في معاناتنا من القيود التي نفرضها على أبعاد وجودنا السفلى. ولكن الحقيقة هي أنّ كل هذه الأمور ناتجة عن تجاهلنا للقوة رحمية للدنيا و لعدم انتباهنا إلى قُصر فرصة إستعدادنا للآخرة، ولعدم الاستفادة من الأدوات اللازمة لبناء آخرتنا.

لا تتوقف عملية البناء في رحم الدنيا

كما أن خاصية البنّاء في رحم الأم لا تتوقف و تستمر فيه عملية النمو وبنية الجسم، فلا يمكن إيقاف قدرة البناء والقوة الرحمية للدنيا أيضًا. حتى لو لم يكن الجنين مشغولًا بعملية البناء والنمو، فإن رحم الأم يستمر بعمله بسبب خاصيته الفريدة أي “الصيرورة والتحول”، وتظهر نتائج إهمال الجنين طبعا في وقت الولادة طبعاً. لذلك، فإن الجنين الذي لم يشتغل في عملية بناء الجسم في الرحم سوف يتجه نحو اكتساب النقائص والضعف.

إن جميع الحركات والسكون في بيئة الرحم ينطلق بالجنين نحو الصيرورة، إما نحو اكتساب الكمال والثروة، أو نحو اكتساب النقص والضعف. دعونا نستخدم مثالًا لتوضيح الفكرة، لنفترض أننا قد أعددنا موادًا غذائية تحضير طعام و وضعناها في الطنجرة. في هذا المثال، تمثل الطنجرة، الرحم الذي يتمتع بقدرة بناء وما دمنا نحتفظ به على النار، فإن عملية الطهي سوف تستمر. كما أنه لا يمكننا استثناء أحد المكونات من داخل الوعاء من الطهي، ولا نتوقع أن الطعام سينضج إذا لم نضعه على النار. في نهاية وقت الطبخ، اعتمادًا على المكونات التي اخترناها والمواد التي اعتبرناها، إما أننا نحصل على طعام لذيذ ومثالي، أو نشعر بعدم الرضا عن ما حدث.

إن رحم الدنيا متواصل إما باتجاه صحيح أو خاطئ، وبمجرد أن ننسى نفسنا الحقيقية، حتى تبدأ نفسنا الحيوانية أو النباتية وما إلى ذلك في النمو. الحقيقة أنّنا دائما في حالة نمو إمّا نحو الجنة أو نحو النار. لا يوجد شيء محايد مما نسمعه أو نراه أو نأكله وما إلى ذلك. لا يمكننا القول أن سماع مثل هذه الموسيقى أو قراءة كتاب معين أو الاستماع إلى حديث معين لأستاذ ما، ليس له تأثير عليّ. نحن في رحم الدنيا دائما في حالة النمو والصيرورة، إما بشكل حيواني غير عادي أو بشكل إنساني. تمامًا مثل الجنين الذي يظل جسمه في حالة دائمة من النمو، ويولد إما بجسم عادي وإنساني، أو أنه يجلب معه أطراف زائدة أو عضو غير كامل.

في هذا المقال تحدثنا عن القوة الرحمية للدنيا مقابل الآخرة، وأكدنا على أن قدرة البناء في الدنيا لا تتوقف. وبناءً على الطريقة التي نختارها في الحياة، إما أننا نتجه نحو الجنة أو نحو النار. إن جميع القوانين الحاكمة في رحم الأم سارية في رحم الدنيا أيضاً، ونحن فور دخولنا إلى عالم الآخرة وبعد الولادة، نحرم من قوة البناء النفس والتي توفرها لنا رحم الدنيا.

هل نظرتم إلى الدنيا من قبل بوصفها رحم قوي للآخرة؟ هل أحدث هذا المقال تغييرًا في رؤيتكم للدين أو الحياة؟ يُرجى مشاركة آرائكم معنا.

اكتب رأيك