ما هي القاعدة التي يتبعها التقدم والعظمة وسعة الآخرة في مواجهة الدنيا؟
قد حدث لكم أن سألتم طفلاً صغيراً عن مقدار حبه لأمه؟ رُبَّما أجاب بعشرة! لن تتفاجئوا من كلامه بالتأكيد إذ أنكم تعلمون جيدًا أن هذا الرقم لا يعكس حقيقة ارتباطه الحقيقي بأمه. في الحقيقة، تظهر لكم هنا الفجوة بين معرفتكم الرقمية وما يفهمه الطفل في هذا السياق. إنكم تعيرون انتباهكم لحقيقة أن العدد عشرة هو الحد الأقصى الذي يمكن للطفل تصوُّره من حبه. فهو لا يمتلك فهمًا لمفهوم الآلاف والملايين والمليارات، وبالنسبة له فإن العشرة هي الرقم الأكبر. لذا إذا أردتم مواصلة الحوار معه، يجب أن تكون لغتكم مفهومة بالنسبة له. بنفس الطريقة، هناك مفاهيم أخرى تتخطى دائرة فهمنا واستيعابنا، مفاهيم استخدمها الله كأمثلة أو المقارنات لتقريب أفكارنا وتعزيز فهمنا في هذه القضايا.
إن أعلى نقطة ممكنة لفهم الإنسان محدودة على فهم عظمة الدنيا التي يعيش فيها. نحن جميعا، غير عدد قليل منا، كنا على سطح هذه الكرة الأرضية منذ الولادة ولم نخرج عن حدودها أبدا، ومن خلال التكنولوجيا والصور البصرية الرائعة التي نحصل عليها من خلال التلسكوبات المتقدمة، تعرفنا قليلاً على العالم المحيط بنا. وعلى الرغم من أننا قضينا معظم حياتنا في هذا العالم، إلا أن فهمنا لعظمة العالم المحيط بنا يظل محدودًا ولا نزال نفتقر إلى تصوّر صحيح عن عظمة العالم الذي نتواجد فيه. على سبيل المثال، فإن فهمنا لعظمة المجرات وسر الكون يظل غامضًا في أذهاننا، وفهم الأعداد الهائلة مثل المليارات تظل صعبة دون وجود مثال ملموس. من الواضح أننا، ورغم هذه القيود، نجد صعوبة في فهم عظمة الآخرة. الآخرة هي عالم لا حدود له، أكبر وأروع وأكثر تقدمًا من عالمنا الحالي هذا. لفهم عظمة الآخرة، قمنا بدراسة سعة الآخرة بالنسبة للدنيا، كما قمنا بالمقارنة بين سعة الدنيا ورحم الأم.
عندما ننظر إلى القيود التي يواجهها الجنين في رحم الأم ونقارنها بالعالم الجميل والمتنوع والواسع والمتقدم الذي يولد فيه، فإننا ندرك الفارق الكبير في عظمة وسعة الآخرة بالنسبة للدنيا. وبهذا، ندرك أن المفاهيم المذكورة في الآخرة، مثل الأنهار والأشجار والفواكه، لم تُذكر إلا لتقريب أذهاننا الدنيوية. ووفقًا لقاعدة النسبة، فإن خصائص الحياة ونعم الآخرة من حيث الدهشة والتنوع والجمال.
اختلاف سعة الآخرة إلى الدنيا
وفقًا لقاعدة النسبة، فإن سعة الآخرة إلى رحم الدنيا مثل سعة الدنيا إلى رحم الأم. فكما أن قوتنا في الدنيا أكثر بآلاف المرات من رحم الأم، فإن وسع حركتنا وقدرتنا في الآخرة يزداد بنفس المقدار. في الواقع، فإن تأثير قوتنا يتوقف على وسع المكان الذي نتواجد فيه. بعد رحيلنا من رحم الأم ومرورنا بمراحل الجنين، يلزمنا فترة قصيرة تقدر بتسعة أشهر على الأقل لنتمكن من الوقوف على أقدامنا والمضي قدما. إذ أنه لم يكن هناك حاجة بنا للحركة في البيئة الضيقة والمحدودة داخل رحم الأم، حيث يمكن القول إن أقدامنا كانت غير فعالة ومقيدة في فضاء محدود للرحم. ومع ذلك، فإن سعة الدنيا وظروفها تفتح لنا أفقًا لإمكانيات تتجاوز حياة الرحم بكثير. لدينا في الدنيا إمكانيات أكثر بآلاف المرات من الحياة في رحمنا، لأن سعة الدنيا وظروفها تتطلب مثل هذه القوة.
لو قمنا بمقارنة بنية رحم الأم والدنيا، ينبغي لنا القول إننا قد وقعنا في عالم محصور تقريباً كحجم بطيخة، في بيئة تمتد على مسافة تقارب 510 مليون كيلومتر مربع ومتناسبًا مع هذا التوسع، تحمل في طياتها تفاصيلها المعقدة وتتميز بعجائبها وعظمتها الفريدة. إن الدنيا مملوءة بالجبال والصخور والبحار والأماكن التي خُلقت لتكون في خدمتنا. في الواقع، تظهر لنا الدنيا بكل هذه العظمة والتفرد، كصورة صغيرة ومتناقضة إلى جانب عظمة وسعة الآخرة، بالطريقة نفسها التي يظهر بها البطيخ بجانب الدنيا.
بعد أن نغادر الدنيا، ننتقل إلى عالم يتسم بعظمة و تعقيد و روعة اكبر من عالمنا الحالي. إنّ النفس الإنسانية ككبسولة مغلقة، ولكنها تفتح جزءًا صغيرًا منها عند الانتقال إلى البرزخ، وفي يوم القيامة، تنفتح بمقدار سعته كسعة جنتها الموعودة التي تعادل كافة السماوات والأرض.[1] ينبغي أن تحتوي الآخرة بالتأكيد على وسع يفوق حجم عالمنا الحالي بمرات مليونية، حيث يحدث هذا الوعد من الله بشأن أهل الجنة، ويتجاوز هذا الوسع فهمنا وإدراكنا. ربما يساعد فهم مفهوم الملفات المضغوطة في علم البرمجيات على توضيح هذا الأمر، حيث يتم تخزين الملفات بشكل مضغوط بحجم صغير نسبيًا، ولكن عندما نقوم بفتحها، يجب علينا تخصيص مساحة حقيقية تكون متناسبة مع حجمها الفعلي. في الحقيقة، ينبغي أن تكون الآخرة واسعة بما يكفي لتلبية احتياجات وقدرات جميع نفوس البشر.
نسبة تقدم الآخرة مقارنة بالدنيا
تشمل قاعدة النسبة كل جوانب حياتنا الجنينية. حيث أنها بالمقارنة مع حياة الجنين، تتناسب تقدم إمكانات عالمنا الدنيوي مع تقدم عالم الآخرة مقابل الدنيا. كل ما نحظى به في رحم الأم، هو مشيمة وكيس مليء بالسائل الأمنيوسي والحبل السري. ولكن عندما نُولد في الدنيا، نجد أنفسنا في بيئة لا يمكن مقارنتها برحم الأم من حيث التعقيد والإمكانيات. إننا لا نستطيع المشي في الدنيا فحسب، بل بإمكاننا قطع آلاف الكيلومترات في وقت قصير. في رحم الأم لا نملك حتى القدرة على رؤية الفضاء خارج الرحم، بينما في الدنيا يمكننا تمييز آلاف الألوان المتنوعة. ورغم تقدم الدنيا وتفوقها على رحم الأم، يعتبر هذا التقدم ضئيلًا أمام عجائب الآخرة. والحقيقة أنّ كل الأماني والأحلام التي لا يمكننا تحقيقها في الدنيا هي جزء من ضرورات وميزات عالم الآخرة. إن هذا ليس سوى جزءًا صغيرًا من عظمة وسعة الآخرة بالنسبة للدنيا، والتي أصبح فهمها ممكنًا لنا من خلال استخدام المقياس والمقارنة.
في هذا المقال ركزنا على نسبة التقدم وسعة الآخرة بالنسبة للدنيا، وتبين لنا أن الجنين في رحم الأم يفتقد تصوّرًا لعظمة ووسع الدنيا، مما يعكس وجود نفس النقص في تصوّرنا لعجائب وعظمة عالم الآخرة أثناء وجودنا في الدنيا. يعمل مفهوم قاعدة النسبة كوسيلة لفهم سعة الآخرة بالنسبة للدنيا، ولا يشمل هذا التناسب فقط عظمة وسعة الآخرة ولكن أيضًا مدى تقدمها بالمقارنة مع الدنيا.
هل سبق لكم أن فكرتم في عظمة العالم الذي نستعد للولادة فيه؟ وكيف يؤثر هذا التصوّر على نظرتكم للحياة في الدنيا؟ نتطلع إلى مشاركة آراءكم حول هذا الموضوع.
[1] . سورة الحديد/21. سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ