ما معنى أن الجسد مركب الروح و هل عكس هذه العلاقة ممكن؟
من أجمل ما يمكن مشاهدته هو الفارس الذي يمتطي حصانه بمهارة متجهاً إلى أي مكان يشاء. إن جاذبية ركوب الخيل آسرة للغاية لدرجة أنها تدعونا إلى تجربة سحرها، ولو لمرة واحدة. ومع ذلك، يبقى من النادر أن نلتقي بأفراد يتبنون فن الفروسية بشكل احترافي، لأنه إذا اختار هذا الحصان النبيل، في لحظة ما، تجاهل أمر سيده وأطلق العنان لنفسه، لا يعلم أحد مدى الضرر الذي قد سيلحقه بمالكه!
الفرس هو مركبٌ للإنسان، ولابد له أن یخضع لتوجيهات فارسه ويطيعه. يتحمل الحصان، أو الحمار، أو الجمل، أو أي مركب آخر مهمة نقل الراكب والوصول به إلى الوجهة المطلوبة ويتم استخدامه لهذا الغرض. تخيلوا الآن أن هذه المخلوقات بدلاً من الالتزام بأوامر راكبها، تكون عنيدة ومتمردة وتذهب أينما تريد. أو أنها مثلاً، تجلس على ظهر راکبها وتسيطر عليه بدلاً من أن يركب صاحبها علیها ويقودها. تبدو مثل هذه الحادثة سخيفة ومضحكة، ولكن من المثير للاهتمام أن هذا الأمر يتكرر مرارًا في حياة البشر. مع الفارق أن الراكب والمركب، هما جزءان من وجودنا ويُعتبر كلاهما من قوی النفس لدينا.
في هذه المقالة، سوف نتحدث عن مصطلح مألوف قد تكون سمعته من قبل و هو أنّ “الجسد مرکب الروح“. سنتناول كيف يمكن للروح أن تكون مرکب الجسد وتسيطر عليه، وإذا ما كان من الممكن أن تكون هذه العلاقة معكوسة، حيث تكون الروح تحت سيطرة الجسد بدلاً من أن يكون الجسد مرکب الروح. سنتطرق أيضا إلى الظروف التي يحدث فيها ذلك والمخاطر التي قد تليه، وأهمية تغذية الروح وتغذية الجسد، بالإضافة إلى أسئلة أخرى .
“الجسد مركب الروح” ما معنى ذلك؟
إن الكمال النهائي لبذرة التفاح هو أن تصبح شجرة تفاح، حيث أن هذه الموهبة موجودة بالقوة في طبيعة البذرة. ولكن لكي تزدهر البذرة بهذا الكمال في داخلها، لا بد من وضعها في قلب التربة، وإن لم تكن هناك تربة فلا يمكن أن تنبت.
الشيء ذاته يحدث مع الإنسان. إن إمكانية التطور موجودة في نفوس جميع البشر، غیر أنّ طريق هذا التطور يمر عبر العالم المادي. بعبارة أخرى، إن بنية النفس الإنسانية لا تستطيع أن توصل بالإنسان إلى مستويات الكمال دون تناقضات وصراعات العالم المادي. إنّ جوهر روحنا من المجردات ولا يمكنها بطبيعة الحال أن تعيش في العالم المادي. ونتيجة لذلك فهي تحتاج إلى أداة لتلعب دور الوسيط وتتواصل بينها وبين المادة، و لیست هذه الأداة إلّا الجسد. لذلك فإن الجسد هو أداة الروح، أو بمعنى أفضل وأدق، الجسد هو مركب الروح للسير في طريق الكمال.
وبطبيعة الحال، لا يمكن أن يكون الجسد الضعيف مركبا جيدا. ولهذا السبب فإن الاهتمام بالحاجات الجسدية، أو بمعنى آخر الحاجات الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية، أمر في غاية الأهمية، وقد روي له الكثير من الثواب والأجر. إذن العناية بهذه الأمور ليست بمشكلة و لا يمنعنا أحد من التفرغ لهذه الأمور، ولكن تبدأ المشكلة عندما تكون الحاجات الحيوانية والجمادية والعقلية في مركز اهتمامنا وتتقدم على الحاجات النفسية.
عندما یرکب الجسد الروح!
إن حقيقة وجودنا هي قوة ماوراء العقل أو الجزء الإنساني من كياننا، والأجزاء السفلى لها كمركب. إن الجوانب الجمادية والنباتية والحيوانية هي وسيلة لنا للسير نحو الله ومن المفترض أن توصلنا إلى محبوبنا الحقيقي. إلّا أنّ من الممكن أن تكون كمية الطعام التي نقدمها لهذه الأجزاء زائدًة إلى حدّ تجعلها سمينة وكسولة، بحيث أنها تقف في طريق ماوراء العقل ولا تظهر الاستعداد للطاعة. يؤدي هذا الحدث إلى تحول الدين في حياتنا إلى أمر دنيوي، وعلاقتنا بالمقدسات إلى أن تخضع لسيطرة أجزاءنا الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية.
إن أسلوب حياتنا يتسم في الغالب بأن معظم وقتنا وطاقتنا يُخصص لتغذية جزءنا الحيواني، مما يجعل أنفسنا أسرى لهذا الجزء بحيث لا تبقى رغبة في الأنس والانفراد مع الله. ولهذا السبب، نرى أن أداء الصلاة أصعب بالنسبة لنا من رفع وزن يبلغ 200 كيلوغرام! وعندما تقصر ركعتان من صلاتنا الرباعية بسبب السفر، نشعر بالسعادة! يوجد لدينا دائمًا وقت فراغ للقيام بمهام غير مهمة وغير مجدية، لكننا نختلق ألف عذر للخلوة مع الله ونشتكي من ضيق الوقت. أو أننا نستعجل في ترك الأضرحة والمساجد التي هي أساس غذائنا الروحي، بينما نقضي وقتًا مضاعفًا في المطاعم في انتظار إعداد الطعام.
تشير هذه العلامات إلى أننا قد أعطينا أهمية زائدة للجانب الحيواني وأننا وضعنا أنفسنا تحت سيطرته بشكل مفرط. هذا الموقف مضحك بقدر ما هو مضحك كما لو كان الحصان يحدد مهمة لصاحبه!
ما هي عواقب دفع الفدية للبعد الحيواني؟
نحن لا نبحث عن سبب ومنطق خاص للوقوع في الحب في البعد الحيواني. الحقيقة أننا نشعر بالاسترخاء ونستمتع بالتواجد مع الجنس الآخر، بينما عندما يتعلق الأمر بالحب الإنساني والسماوي، ترانا نبحث عن آلاف الفلسفات لتبرير هذا الحب. إذا غبنا عن محبوبنا الدنيوي لبضعة أيام، تنقلب قلوبنا ونشعر بالحنين والقلق. ومع ذلك، طوال حياتنا لا نشتاق إلى الله حتى بعدد أصابع يدينا. عندما يصل الأمر إلى محبوبنا الأرضي نريده لنفسه فقط، وليس لتلبية احتياجاتنا. ولكن عندما يتعلق الأمر بالله، تصبح محبتنا مشروطة بتلبية احتياجاتنا. في الواقع، إن علاقتنا مع الله علاقة تجارية وليست علاقة حب، إننا نريد الله لراحة الدنيا، لا نريد الدنيا لله.
إن إعطاء الأولوية للجوانب الحيوانية يجعلنا نعتاد على لذائذ في مستوىً دنيّ ولا يسمح لنا بتجربة اللذائذ المتعلقة بماوراء العقل. وبالتالي يصبح التدين لدينا مهمة مرهقة، إما نحاول الهروب منها أو نقوم بأدائها بصعوبة واشمئزاز خوفًا من النار. في كلتي الحالتين، يكون باطننا حيوانيًا، غير أنّنا في الحالة الثانية، نحن حيوانات مقدسة!
الخطوة الأولى في الطريق نحو تحقيق الكمال الإنساني ونضوج الجانب ماوراء العقلي هي فهم مفهوم “لا إله إلا الله”. دون فهم هذه العبارة، يتحول الدين إلى سلسلة من البيانات التوجيهية والأوامر والنواهي التي تقيّد حرياتنا الحيوانية. بينما حقيقة الدين ليست إلّا أنشودة حب مليئة بالحنان والحب إلى الله، ويمكن سماعها في جميع النصوص المقدسة التي وصلتنا من المعصومين عليهم السلام.
في هذه المقالة وفي متابعة موضوع علم الإنسان، قمنا بالتركيز على العلاقة بين الجسد والروح وتعلمنا أن الجسد هو مركب الروح ووسيلةٌ للتطور والسير نحو الكمال. كما شرحنا أن الاهتمام بالبعدين الجسدي والحيواني ينبغي أن يكون بمقدار يسمح للروح بالوصول إلى هدفها، لا أكثر ولا أقل.
وفي الختام، إذا كانت هناك أية أسئلة أو استفسارات حول موضوع هذه المقالة، فالرجاء مشاركتها معنا.