ما هي العلاقة بين الإنسان وتجلّي اللّه الأوّل؟
تعد مسألة تجلّي الله و ظهوره في الكون، من أهم القضايا في العرفان الإسلامي. يرى العرفاء أنّ الكون هو مرآة لأسماء الله وصفاته، وأنّ جميع المخلوقات هي تجلّیات لجمال الله، التي تظهر فيها هو وصفاته. وقد جسد الأدب العرفاني هذا المعنى بجمالٍ بديع، حيث نظم العرفاء والسالكون في هذا الطريق أشعارًا رائعة، أبرزها أشعار حافظ الشاعر:
منذ الأزل تتفق ضياء حسنك عن نور التجلي فبدا العشق جلیا، واشتعلت ناره في جميع الأكوان!
حينما وقعت صورة وجهك في مرآة الكأس ابتسمت الخمر، فوقع العارف، في طمع مجدد آخر..!
وكلا العالمين عبارة عن قبس واحد من وجهه وقد قلت لك ذلك جهاراً وخفية…!
الظهور والتجلّي في اللغة يعني الانكشاف والوضوح. ولتوضيح مفهوم تجلّي الله في الكائنات، تخيّل غرفة مزينة بآلاف المرايا بأشكال وأحجام مختلفة. عندما تدخل هذه الغرفة وتقف في وسطها، ترى آلاف الصور لنفسك تنعكس على المرايا المحيطة بك. تعكس كل مرآة وجهًا مختلفًا لك بحسب شكلها وحجمها. أنت لست آلاف الأشخاص، بل أنت شخص واحد يتجلّى بألوف الأوجه. هكذا هو تجلّي الله في الكون.
على خلاف الاعتقاد الشائع، فإن الله ليس كائنا بعيدا عن متناول الأيدي أو وراء المجرات، بل هو الوجود الجاري في كل شيء. تأملوا جيدا هذه العبارة: الوجود الجاري في كل شيء يعني أنه أينما وجهتم وجوهكم، سترون تجلّيا لجمال الله.[1] من الهاتف المحمول الذي بين يديك إلى الجبال والبحار والنجوم والنباتات والحيوانات والكائنات الدقيقة… كل ما ترونه في الكون، من المادة إلى الملكوت، هو تجلٍّ لأسماء الله وصفاته. وفي الحقيقة، لا يوجد في الكون شيء إلا وهو تجلٍّ لله في أحد مخلوقاته.
ولكن، هذه التجليات ليست متساوية. يتجلى الله في كل مخلوق بحسب طبيعته وهدفه من الخلق.[2] فعلى سبيل المثال، الماء تجلٍّ لاسم الله “الحَيّ”، والزهرة تجلٍّ لاسم الله “الجميل”، والشيطان تجلٍّ لاسم الله “المضلّ”… وهكذا.”
وأمّا الإنسان! فهو من بين جميع مخلوقات الكون، أتم تجلٍّ لله، وهو الكائن الوحيد الذي أودع الله تعالى فيه جميع أسمائه في داخله. وقد أطلق عليه العرفاء، نظراً لهذا الشمول، لقب الكون الجامع، والعالم الصغير، و خلاصة الخلق، لأنه من جهةٍ مظهر كامل لأسماء الله، ومن جهةٍ أخرى جامع لجميع مراتب الخلق من الجبروت إلى الدنيا.
ولكن، كيف قطع الإنسان مراحل الخلق، وكيف وصل إلى هذا الشمول؟ وما هي العلاقة بين الإنسان وأول تجلي الله؟ وما المقصود بقولنا أن الإنسان خلاصة جميع عوالم الخلق؟
في هذا الدرس، سنتناول إجابات هذه الأسئلة والعلاقة التي تربط الإنسان بأول تجلٍّ لله. و قبل ذلك، لا بد من التأكيد على نقطة هامة وهي أنه على عكس ما يعتقده بعض أتباع الديانتين المسيحية واليهودية، فإن معنى تجلي الله في الإنسان ليس هو تجسد الله أو حلوله في الإنسان. فذات الله لا متناهية، ولا يمكن للمطلق اللامحدود أن يتجسد في محدود. إن تجلي الله في الإنسان وفي سائر المخلوقات يشبه إلى حد كبير تجلي العلماء في اختراعاتهم وتجلي الفنانين في أعمالهم الفنية. فمن الواضح أن خلق الأعمال الفنية والاختراعات لا يعني تجسد روح الفنان أو العالم فيها، بل هي انعكاس لأفكارهم وقدراتهم وإبداعاتهم.

علاقة الإنسان مع التجلي الله الأوّل
الإنسان هو الکون الجامع وخلاصة كل ما في الوجود وجوهرته، فهو بمثابة نسخة مصغرة من الكون بكل ما فيه. إن بنية الإنسان وجودية تتصل وتتوافق مع كل مكونات الكون، وكل العوالم، وكل الكائنات من المادة وحتى الله نفسه. تتدرج عوالم الوجود من الأدنى إلى الأعلى على النحو التالي:
- عالم الناسوت: وهو عالم الدنيا والحسيات، ويتميز بصفات مادية كالكُتلة، والحجم، والحركة، والزمان، والمكان…
- عالم الملكوت، الذي يُعرف أيضًا بعالم المثال أو البرزخ أو عالم الخيال، هو مستوى وجودي يتجاوز المادة والحسيات. يقع هذا العالم في مرتبة أعلى من عالم الطبيعة، وهو بمثابة الحد الفاصل بين المادة والماهيات المجردة. يتصف عالم الملكوت ببعض صفات المادة مثل الشكل واللون، ولكنه يخلو من الوزن والمكان والزمان والحركة. لهذا السبب، يعتبر الفلاسفة الإسلاميون هذا العالم ذا تجريدٍ ناقصٍ.
- أما عالم الجبروت، أو عالم العقل، فهو مستوى أعلى من عالم الملكوت. يتميز عالم الجبروت بالتجريد التام، وخلوه من أي صفة مادية.
- عالم اللاهوت، أو عالم الإلوهية، هو ذلك العالم المرتبط بوجود الله القدوس، عالم الأسماء والصفات الإلهية.
والإنسان هو جامع لكل هذه العوالم، أي أنه على اتصال بكل هذه المستويات. فمن حيث الأبعاد الوجودية، يشترك الإنسان في بعده المادي مع المادة، وفي بعده النباتي مع النباتات، وفي بعده الحيواني مع الحيوانات، وفي بعده العقلي مع الملائكة. وكذلك من حيث قوى النفس، فإن لكل قوة زوجًا مناسبًا لها في العالم الخارجي. فالقوى الحسية والجسدية تتكون من المادة وتطمح إليها. والجزء الخيالي والوهمي يتصل بالعالم الملكوتي. والقوة العقلية نقية تمامًا وتتصل بعالم الجبروت أو عالم العقل. أما الجزء ماوراء العقلي فهو من جنس الله، ويشعر بالسرور واللذة من مصاحبة الله والتعلق به. بل إن الإنسان يحمل في داخله صفات الشيطان أيضاً، ولهذا السبب يصبح الكثير من الناس عبيدًا للشيطان، لأنهم يتشابهون معه.
إن سبب كون الإنسان نسخة مصغرة من الكون كله، يعود إلى هدف خلقه وبنیته الوجودية. كما سبق وذكرنا، فإن الهدف من خلق الكون هو خلق الإنسان، والهدف من خلق الإنسان هو بلوغه مقام الخلافة الإلهية ليصبح صورة كاملة لله. وللوصول إلى هذا الهدف السامي، نفخ الله في الإنسان من روحه. وأما روح الله هنا فهي تعني تلك الحقيقة التي أوجدها الله في تجليه الأول، وهي أصل النشأة الأولى للخلق وأقرب وأشبه المخلوقات إلى الله، كما سبق وتحدثنا عنها.
إن الحقيقة الأولية التي سميت خليفة الله و المثل الأعلى، هي حقيقة الإنسان الكامل، أي النبي والأئمة المعصومين عليهم السلام. إذن، فإن الله تعالى خلق حقيقة الإنسان الكامل أولاً، ثم خلق بعدها العوالم الأخرى. وقد خُلِقنا من هذه الحقيقة نحن أيضاً. ولهذا السبب، فإن نسخة وخلاصة كل أجزاء الكون كامنة في وجودنا. بعبارة أخرى، فإن جميع عوالم الوجود من الملك إلى الملكوت، تتبع وجود الإنسان وخُلقَت أصلاً لتتناسب مع هدف خلقه ولتوصيله إلى أعلى مراتب الكمال وهي التشبّه بالله والتقرب إليه.
التشبه بالله هو عملية تدريجية، لا تتم بين عشية وضحاها. فقد خلقنا الله بتركيبة وجودية تقتضي أن نمر بمراحل متتالية للوصول إلى الكمال. ولتحقيق هذا، نحتاج إلى بيئة تشبه النادي الرياضي، حيث نتعرض فيها للتحديات والضغوطات التي تدفعنا للنمو والتطور. هذه البيئة هي التي تتيح لنا مواجهة القوى المعاكسة، مثل الفشل، والمصائب، والوساوس، وغيرها من العقبات التي تقف في طريقنا وتختبر صبرنا وقوة عزيمتنا. ولكن، طالما أن هذه البيئة غير موجودة، لن يتحقق النمو والتدريب اللازمين، ولن تظهر أي من الكمالات المخبأة في داخلنا. ولهذا السبب فقد أرسل الله روحنا من أعلى مراتب الوجود إلى أدنى مرتبة، أي إلى عالم الدنيا. فالدنيا هي العالم الوحيد الذي يمتلك هذه الخصوصية بين جميع العوالم، حيث يوفر لنا التحديات والفرص التي نحتاجها لكي نقترب أكثر من الكمال الذي خلقنا من أجله.
إذاً إن أول ما خلقه الله هو حقيقة الإنسان. وهذا هو سبب انسجامنا مع كل جزء من أجزاء الكون، فكل هذه الأجزاء مستمدة في الحقيقة من حقيقة وجودنا، وخُلقت لأجل تطوّرنا ووصولنا إلى الغاية النهائية للخلق.
إذا كان لديك أي سؤال أو استفسار حول المواضيع المطروحة في هذا الدرس، فلا تتردد في مشاركتنا برأيك في قسم التعليقات.
[1] . «…فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ.. » سورة البقرة، الآیة 115
[2] . « وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » سورة الحجر، الآیة 21