لماذا تتفاوت مستويات الرضا عن الله بين البشر؟
يغلب على الظن أن حالتنا النفسية – سعادةً أو شقاءً – مرهونة بما نمتلكه أو ما نحن عليه في الواقع الملموس. بيد أن الحقيقة أكثر تعقيداً؛ فكثيراً ما نرى شخصاً يعيش في رفاهية تامة ولا يزال يشعر بالاستياء، بينما آخر يكتفي بموارد متواضعة وبسيطة لكنه يرتع في سكينة وهدوء. بل إن البعض يصمد أمام شدائد قاسية دون أن يبدي تذمراً أو يرهق المحيطين به بالشكوى.
أين يكمن سر هذا التباين؟ يكمن الجواب في صميم قلوب البشر. يمكننا القول إن حالة الأفراد في الحياة تتعلق بحالة قلوبهم ورضاهم عن الله، أكثر بكثير مما تتأثر بمقتنياتهم أو أحداث حياتهم.
في الحقيقة، يمكننا الجزم بأن حال الأفراد في الحياة لا ترتبط بترف عيشهم قدر ارتباطها بـحال قلوبهم ومقدار رضاهم عن الخالق. فجودة القلب هي التي تحدد ما يفرحه وما يعكر صفو طمأنينته وبهجته. القلب الذي يبلغ درجة السلامة والتوازن، يتمكن من ترتيب صحيحة للأولويات بين معشوقاته الصغيرة والكبيرة؛ فلا يضعفه أي نقص أو قصور؛ لأن هذه النقائص لا تمس سوى مراتب دُنيا من وجوده. وبالمقابل، يكون قلبه مرتبطاً برابط عميق وصحي بـالمحبوب الأعظم، وهو الله، ومن هذا الارتباط ينبع الرضا التام وثقة مطلقة.
يصل الفرد في هذا الاتصال إلى مرحلة من تطابق ويقين تجاه معشوقه، يجعله مؤمناً بأن كل ما يجري في هذا الكون، وكل ما يُقسم له، هو بمثابة تدبير حكيم من رب العالمين ومُربي الكون، صُمم خصيصاً لتربيته على أسمى مستويات إنسانية. من هنا، يصبح الرضا القلبي مؤشراً على سلامة القلب.
تنبغي الإشارة إلى أن الرضا عن الله لا يقتصر على موقف من ممتلكات أو أحداث. بل هو قبول عميق، وتوافق، وسرور للقلب بكل ما يشاءه المحبوب اللانهائي (الله) من تدابير وتكاليف. ويتسع نطاق هذه التدابير ليشمل: الرضا والتسليم أمام أحكام دينية وأخلاقية، والرضا عند مواجهة حوادث، ومشكلات، وشدائد، وبلايا. ولفهم أعمق، نستعرض نوعين أساسيين من الرضا عن الله وعلاقتهما بسلامة القلب وطهارة النفس.
الرضا والتسليم لأحكام الله
نمو الطفل يتطلب تخطيطاً دقيقاً لغذائه، ونومه، ولعبه، وتعليمه. والوالدان الواعيان يضعان قيوداً على الأبناء حباً بهم وحرصاً على مستقبلهم. إن هذه القيود تنبع من الحب والمسؤولية، لا من تشدد غير مبرر. وكذلك الحال بالنسبة لـأحكام إلهية متعلقة بالدين والأخلاق والعقائد. فالله هو الخالق والمدبر والمُختص بخلقنا، وهو وحده يمتلك أدق المعلومات حول ما يجب علينا فعله وما يجب علينا اجتنابه. إنه عالم ببنيتنا الوجودية، ويدرك تماماً أدق المعلومات عما ينفعنا ويضرنا. إن الشرائع الدينية هي أدوات لتغذية الجانب الإلهي والإنساني فينا. فالقيود التي يضعها الله ليست مؤذية، بل هي بمثابة مدرب رحيم يقودنا نحو قمة الإنسانية. وكما يثق تلميذ بكلمة أستاذه الحكيم وإن كان متشدداً، لأنها تصب في مصلحته؛ كذلك المؤمن ذو القلب السليم يستسلم ويرضى بما يريده الخالق. لكن، من أين يأتي هذا التسليم والرضا؟
لا يمكن للقلب أن يكون مطيعاً وراضياً بطلبات الله إلا أن يكون يبلغ إلى مرحلة السلامة. فمثل هذا القلب قد عرف الله حق معرفته وأحب حقيقة وجوده، وجعل الخالق في صدارة معشوقاته، مقدماً بذلك إرادة إلهية على أهوائه الشخصية. في المقابل، كثير من الناس لم يعرفوا ذواتهم الحقيقية بعد. فهم يعرفون وجودهم فقط في نطاق احتياجات مادية، أو جسدية، أو عقلية. وحين تتعرض هذه الأجزاء للتحدي، يشعرون بالضيق ويتذمرون من الله. بينما أحكام الشريعة لا تقيد إلا مراتب وجودنا الدُنيا لتمكين جوانبنا الإلهية من الصعود. فهي تضع حدوداً على الشره، أو الإفراط في النوم، أو الإكثار من الكلام، لكي تصبح الروح أخف وأكثر صفاءً. إذن، فإن الرضا عن الله في طاعته هو ثمرة أمرين:
- معرفة عميقة بالله وإيمان بربوبيته وحكمته.
- تنظيم صحيح للأولويات في تعلقات ومحبوبات.
وحين يبلغ القلب هذه المرحلة، يتولى الله رعايته وقيادته في طريق النمو والكمال.
الرضا عند مواجهة حوادث الحياة وتحدياتها
سبق أن تحدثنا عن الصبر، غير أنّ الرضا عن الله مرتبة أعلى منه. فكيف يتشكل هذا الشعور العميق بالرضا في قلب الإنسان؟ إنّ القلب السليم يقع في اتصال متين مع معشوقه، ويوقن بأن كل ما يحدث، حتى أشد الأمور مرارة، هو جزء من التصميم الإلهي المحب لتربيته وتهذيبه. مثل هذا الإنسان يدرك أبعاد وجوده دركا عاليا. فهو يعلم أن خسارة مالية تضر بمرتبته الجمادية، والمرض يتعلق ببعده النباتي، وفقدان العلاقات أو مكانة اجتماعية يؤذي البعد الحيواني. لكن لا يمس أي منها بُعده الإلهي أو حقيقة وجوده. إنه يحلل هذه الأضرار ويرتب أولوياتها، فيسكن ويطمئن؛ لأنه يعلم أن خطة الله، بصفته المُربي(الرّب)، هي الحفاظ على توازن القلب وسلامته.
قد تثقل كاهلنا وتعجزنا تعلقاتنا الشديدة بممتلكات، أو جمال، أو علاقات، أو مكانة اجتماعية، أو علم. في مثل هذه الظروف، قد يتدخل الله ليقطع عنا هذه التعلقات، بغية إعادتنا إلى مسارنا الفطري الأصيل. تماماً كأم حنون تنتزع اللهاية من طفلها لينتقل إلى مرحلة نمو أعلى. كثيراً ما نتألم من مثل هذا الانفصال، لعدم بلوغنا عمق العلاقة مع الله بعد. لكنّ القلب السليم يتلقّى هذه التجرّدات بالقبول والرضا؛ إذ يُدرك صاحبُه أنَّها ضرورية لـخفة حمله وارتقائه، كمسافر يتوجب عليه التخلي عن حقائبه الزائدة استعداداً للطيران.
إننا نروم سلوک درب الارتقاء والنمو الإنساني عبر الأمانی و الأوهام الدنیویه، بید أن هذه التطلعات غالبًا ما تتنافر مع جوهر فطرتنا الحقیقیة. لذلک، قد یشاء الله تعالی أن یقلب موازین قراراتنا، لا لشیء إلا لیذیب “الأنا” الزائفة المحدودة والمنغلقة علی ذاتها فی محض ارادته، و یهیئ میلاد روح أعظم و أکثر رحابة فی داخلنا.
في هذا المسار، يعمل الرضا عن الله كـ”عامل مُحفز”؛ فهو يزيد من سرعة النمو ويقلل من حدة المقاومة. مثل هذا القلب لا يهتز أمام البلايا، لأنه يستمد سروره من قربه من الله. إنّه لم يعد يعتمد على ذاته المحدودة، لأنه يوقن بأن الله هو الذي يدعمه ويقوده في طريق الكمال.
وفي الختام، يُعد الرضا عن الله أولاً تمريناً للوصول إلى قلب سليم، ثم يصبح جزءاً لا يتجزأ من تكوينه.
ربما حان الوقت لنتساءل: هل قلوبنا راضية حقاً؟ أم أننا نبتسم فقط عندما تكون الظروف مواتية، ونتزعزع عند الشدائد؟ الرضا عن الله ليس مجرد شعور إيجابي؛ بل هو مرآة تعكس مدى معرفتنا بذواتنا وبخالقنا. هل لا زلنا متعلقين بمعشوقات صغيرة، أم تمكنا من تسليم القلب إلى المحبوب الأعظم؟ قد يكون الوصول إلى قلب سليم صعباً، ولكنه ممكن بلا شك. يبدأ هذا المسار من الرضا، حيث نقرر أن نثق بدلاً من أن نتذمر، وأن نستسلم بدلاً من أن نقاوم.