حلول لتقليل الضغط النفسي الناتج عن مشقات الحياة وصراعاتها

جدول المحتويات
ما هو تأثير الإيمان بالخلود على تقليل الضغط النفسي الناتج عن مشقات الحياة وصراعاتها؟

الصلة بين تقليل الضغط النفسي ومنهجنا في التعامل مع الحياة

إن الضغط النفسي أشبه ما يكون بأَرَضَة تنخر حياة معظمنا بصمت، وهو سبب العديد من أمراضنا ومخاوفنا واضطراباتنا وإخفاقاتنا. إنها مشكلة غالبًا ما نكافحها ولا نعرف أي طريقة مؤكدة للتخلص منها. كل بضع سنوات، تنتشر حلول جديدة ومختلفة بين الناس لمكافحة الضغط النفسي، ثم تفقد شعبيتها بعد فترة؛ لأن معظم هذه الحلول مؤقتة وسطحية ولا تواجه جذور مشاعرنا.

من اللعب بالعجائن المطاطيّة (الـ«سلايم») والألعاب المضادّة للتوتّر، إلى الجلوس بين يدي المعالج النفسي، تتعدّد الأدوات التي نلجأ إليها محاولين التخفيف من ذلك الضغط النفسي الطاغي الذي يتسرّب في حياتنا. محاولات متكرّرة، لكن ـ ويا للأسف ـ غالبًا ما تبوء بالفشل، إذ تعجز عن أن تهبنا فرحًا راسخًا أو سكينةً دائمة.

يمكننا القول بثقة إنّ أحدًا منّا ليس في مأمنٍ من لسعات القلق وضغوط الحياة. فالمسائل المعقّدة، والظروف المتشابكة، تهاجم شتّى جوانب وجودنا، فنجد أنفسنا باستمرار نبحث عن ملاذٍ آمن يحفظنا من جراحها. ومع ذلك، ثمّة أشخاص نادرون يمتلكون مهارة السيطرة على الضغوط المختلفة، فيحسنون إدارة أوضاعهم وانفعالاتهم، لا ليحموا أنفسهم فحسب، بل ليتحوّل الضغط ذاته إلى جسرٍ يقودهم نحو التقدّم والارتقاء.

إن تحويل الظروف الصعبة والشاقة إلى سعادة وسلام هي مهارة يمكن لجميع البشر اكتسابها، ولكن لها متطلبات لا تنفصل عن نظرتنا للحياة؛ ربما لو عرفنا أن زيادة قدرتنا على تحمل هذه الضغوط ترتبط ارتباطًا مباشرًا بتعريفنا الصحيح للحياة، لكنا قد سعينا بالفعل لفهم هذا التعريف الصحيح.

هنا تتجلّى إحدى أبرز الفوارق بين النظرة الماديّة إلى الحياة وبين الرؤية الإيمانيّة أو الفطريّة؛ إذ يمكن القول إنّ الإيمان الحقيقيّ بالعالم الآخر، مع فهم بنية الدنيا وقوانينها، يجعل من آلام الابتلاءات ومكابدات هذه الحياة أمرًا أقلّ وطأةً وأضعف حضورًا في وجدان الإنسان. فحين يترسّخ في القلب اليقين بالآخرة،

تتراجع الغصّات، وتخفّ الضغوط النفسيّة، وتنقشع غيوم القلق شيئًا فشيئًا؛ بل يكاد يصبح هذا الانشراح نتيجة طبيعيّة، وقضاءً محتومًا، يترتّب تلقائيًّا على بناء الإيمان بالخلود والسرمديّة.

في هذا الدرس، سنسعى إلى توضيح كيف يساهم الاعتقاد بالآخرة في تقليص الأحزان والهموم، والتخفيف من وطأة الضغوط النفسيّة، وصولًا إلى إشاعة الطمأنينة والسكينة في أعماق الإنسان.

تأثير الإيمان بالخلود

لعلّ أكثر ما يجعلنا نضيق ذرعًا بما نعيشه من ظروفٍ قاسية هو شعورنا بأنّ تحمّل هذه المشقّات لا جدوى منه، ولا ثمرة له. وهذا التصوّر في حقيقته لا يصدر إلّا عن غياب الإيمان الصادق بالأبدية التي تشكّل غايتنا ومصيرنا الأخير. فلو كان اليقين بالخلود حاضرًا في قلوبنا، لكانت معاناتنا في الدنيا أشبه بتعب الصعود إلى قمّة جبلٍ شامخ؛ إذ يهون الجهد حين نستحضر لذّة الوصول. ولَغدت صعوبة الدراسة في تخصّصٍ عسير ممهّدة بالتصوّر الجميل لمستقبلٍ مشرق ينتظرنا. وكذلك الإيمان بحياة أبديّة في جنّةٍ سرمديّة، عامرة بالنعيم والجمال، كفيل بأن يُخفّف عنا الغصص، ويزيل الضغوط النفسيّة، ويبدّد القلق، بل ويمنح أرواحنا راحةً وطمأنينة. ويزداد أثر هذا الإيمان عمقًا إذا أدركنا قِصر أعمارنا الدنيويّة قياسًا إلى حياةٍ خالدة في الآخرة.

إنّ حالنا في مواجهة متاعب الدنيا لا يختلف كثيرًا عن حال إنسانٍ يبني بيت أحلامه في مكانٍ بهيٍّ معتدل المناخ، فيتحمّل لأجل ذلك ضغوطًا ماليّة، وظروفًا شاقّة، وتعبًا متواصلاً. وما إن يثقل عليه الحمل أو ينهكه الطريق، حتّى يكفيه أن يستحضر في خياله لحظة انتقاله إلى ذلك البيت المنشود؛ فتغمره السعادة، ويستمدّ من الأمل سكينةً تعينه على مواصلة السير.

ربما لو كان هناك حد أدنى لكي تُحسب الأعمال الصالحة أو الصعوبات التي نتحملها في الحياة، لكنا قد شعرنا بالإحباط إلى حد ما تجاه تحمل هذه الضغوط؛ لكن الإيمان بالأبدية، تلك الأبدية التي لا تغفل عن أصغر ابتسامةٍ أو أدقّ موقفٍ مرّ علينا في الحياة، وتحتسب كل شيء، يأتي بثمرة ثمينة تسمّى الطمأنينة. وبهذا الإيمان، نصبح مستعدّين لتحمّل تقصير الآخرين، وسوء مزاجهم، وصعوبة التعايش معهم، مقابل وعد بجنةٍ لا حدود لواسعها، بقدر اتساع السماوات والأرض!

لكنّ الإيمان بالأبدية لا يثمر إلا إذا نشأ من فهمٍ عميق ومنبعٍ غنيٍّ بالمعرفة. أما الإيمان الأعمى، أو الاعتقاد الخرافي بدون تفكير، فلن يثمر، بل قد ينعكس أثره سلبيًا. فالإيمان بالأبدية لا يعني مجرد التعلق بالجنة أو الأمل فيها، بل يعني: إدراك حقيقة وجودنا، وفهم فلسفة الخلق، ورياضيات الحياة، ومكانة المشقّات في هذه المنظومة. وهنا تظهر الحاجة إلى العودة مجددًا لمراجعة مفهوم الحياة الدنيا على نحوٍ يشبه “نادي التدريبات”.

مشقات الدنيا كنادٍ تدريبي

يمكن القول إن نصف أحزاننا وقلقنا يعود إلى جهلنا ببنية وطبيعة العالم كنادٍ. أي أننا، بما أننا ننظر إلى الدنيا ومشاكلها بشكل منفصل ومستقل عن الآخرة، لا نقع في سوء فهم فيما يتعلق بفلسفة المشاكل التي تشغلنا بأشكال مختلفة فحسب، بل نفقد أيضًا القدرة على تحمل هذه المشاكل وأحيانًا هدوءنا.

أما إذا تعرّفنا على بنية هذا “النادي”، ندرك أنّ الله خلق الإنسان لعبادته، وأنّ العبادة الكاملة لا تتحقق إلا بالطاعة التامّة لـ المدرّب الإلهي. لقد وُلدنا في الدنيا لننمي ونثمر بنية أرواحنا بما يتوافق مع مواهبنا اللامحدودة، وهذا النمو والازدهار لا يمكن أن يتحقق إلّا بالامتثال للظروف الخاصة التي وضعها لنا المدرب. مدربنا في نادي الدنيا، من خلال خلق بيئة مليئة بالتناقضات والضغوط، يهدف إلى دفعنا نحو كسر قيودنا الذهنية وتفتيح مواهبنا؛ لأنه كلما زادت تمارين الرياضي في النادي، زادت عضلاته وقوته البدنية.

سبق وأن أوضحنا أنّ الضغوط والمشكلات النفسية في الدنيا ليست سوى تمارين معدّة لإعدادنا وتمكيننا لدخول عالم الآخرة. ومن ثم، فإنّ إدراك وجود الأبدية ودورها الذي لا يُمكن إنكاره في حياتنا هو الذي يخفّف من أحزاننا وضغوطنا النفسية، ويهيّئ الطريق نحو الطمأنينة والسكينة الحقيقية.

في الحقيقة، إنّ الصعوبات والمشقّات والابتلاءات التي ترافقنا في مراحل حياتنا المختلفة ليست عشوائيّة ولا بلا غاية، بل هي ظروف معدّة لاكتساب الأسماء والصفات الإلهيّة التي سنحتاج إليها في الحياة الأبديّة الآخرة. فقوّتنا هناك، وتمتّعنا بنعيمها، وقدرتنا على التكيّف مع أجوائها، كلّها رهينة بقدر ما نحمله من هذه الأسماء والصفات. فكما أنّ من يعجز عن إدارة نفسه وأهله في الأزمات لن يكون قريبًا من اسم الله “المدبّر” أو “المحيط”، كذلك من يفقد السيطرة على سلوكه عند أصغر منغّصٍ سيبتعد عن اسم “الحليم” وصفة الصبر الإلهي.

من المؤكد أن كل واحد منا، إذا وصل إلى فهم صحيح للآخرة، وآمن بجديتها، وعلم ما هو دور هذه المشاكل والصعوبات في سعادتنا النهائية، فسيكون مستعدًا لتحمل الصعوبات في الدنيا لبضعة أيام من أجل الحضور والاستفادة من الإمكانيات والاتساع والنعم اللامحدودة للجنة، وبما أن وراء تحمل كل هذه الصعوبات هدفًا بحجم الآخرة والأبدية، فلن نفقد هدوءنا أيضًا.

إن ما يزيد من أحزاننا وقلقنا وضغوطنا النفسية أكثر من أي شيء آخر هو نظرتنا إلى الحياة. إذا اعتبرنا الدنيا وجهة نهائية، فإن الصعوبات تبدو بلا معنى ومرهقة؛ ولكن عندما نعتبر الدنيا ناديًا للتدريب والآخرة هي بيتنا الأصلي والأبدي، فإن كل معاناة تكتسب لونًا ومعنى جديدين. الإيمان بالخلود وفهم فلسفة الصعوبات يذكرنا بأنه لا يوجد جهد بلا ثمر ولا ألم بلا حساب. هذه النظرة تمنحنا قوة داخلية للتحمل والهدوء وحتى السعادة في أصعب الظروف؛ لذا فإن مفتاح تقليل الضغط النفسي لا يكمن في الأدوات المؤقتة، بل في تغيير زاوية الرؤية والتعريف الصحيح للحياة ووجهتها النهائية.

يمكن تلخيص سرّ احتمال الضغوط النفسيّة في جملة واحدة: يجب أن نؤمن أنّنا كائنات أبديّة. لم يبدأ وجودنا من الأرض، ولن ينتهي فيها. نحن مسافرون مررنا بهذا الكوكب أيّامًا معدودة لاكتساب قدراتٍ خاصّة، ثم نرحل سريعًا إلى دارنا الأصليّة. وليس المهمّ كيف نقيم في هذه الدنيا، بل المهمّ هو ما نحمله منها من زادٍ وأدواتٍ لحياتنا الخالدة في بيت السعادة والخلود.

اكتب رأيك