هل يمكن علاج مشكلات نفسية في وقتٍ قصير؟

جدول المحتويات
أهمية الصبر وتجنّب العجلة في علاج مشكلات نفسية

أهمية الصبر وتجنّب العجلة في التعافي من مشكلات نفسية

في خضمّ تعقيدات الحياة اليومية، كثيرٌ منّا يصارع مشاعر مضطربة كالقَلق، والخوف، واليأس، وغيرها من حالات نفسية مؤلمة. هذه الأحاسيس، التي قد تتحوّل أحيانًا إلى حالاتٍ مزمنة، يمكن أن تؤثّر تأثيرًا بالغًا في جودة حياتنا، فتغدو حاجزًا ضخمًا يحول دون تفتّح طاقاتنا الإنسانية الكامنة.

ومن جانبٍ آخر، فإنّ رذائل أخلاقية، كالحسد، والضغينة، وسرعة الانفعال، والغضب، وما شابهها، تُلقي بظلالها على علاقاتنا الاجتماعية، وتُضعف صلتنا بالله تعالى، وتُبطئ سيرنا نحو اكتساب قلب سليم.

وهنا تبرز تساؤلاتٌ جوهرية تشغل أذهان أصحاب البصيرة والاهتمام، فتدفعهم إلى التأمل والتفكّر:

  • هل يمكنني أن أتخلّص من مشاعر مؤذية واضطرابات نفسية إلى الأبد؟
  • هل إنّ علاج مشكلات نفسية واقتلاع جذور رذائل أخلاقية أمرٌ بعيد المنال، أم أنّني بالصبر والمثابرة أستطيع بلوغه؟
  • كيف لي أن أُرمّم علاقاتي مع أهل وأصدقاء، والتي أصابها الضرر جراء تقصيري وإهمالي؟ وما هي المهارات اللازمة التي يتوجب علي اكتسابها لإنجاح هذا المسعى؟
  • هل من الممكن التعافي من مشكلاتي النفسية وإصلاح ما فسد في علاقاتي بالآخرين على المدى القريب، أم أن الأمر يستلزم مني أن أُجزل لنفسي العطاء من الوقت؟

إن كنتَ من أولئك الذين يحرصون على النموّ والتطوّر الذاتي، ويهتمّون بتحسين جودة حياتهم والارتقاء بشخصيّتهم، فتابع معنا. إذ سنتناول في هذا الدرس أهمية الصبر بوصفه أحد أهمّ الأساليب في علاج مشكلات نفسية والتعافي منها بعمقٍ وثبات.

خطوات صغيرة مستمرة؛ السبيل الأمثل لعلاج المشكلات النفسية

في دروس سابقة تحدّثنا عن آلية تشكّل الصفات في النفس الإنسانية، وقلنا إنّ طريق تكوين الأخلاق يمرّ عبر الأفعال؛ فأعمال نقوم بها، تتحوّل إلى ملكاتٍ ثابتة حين تتكرّر وتستمرّ، حيث تُكوِّن هذه الملكات أخلاقنا.

وبعبارةٍ أخرى، فإنّ كلّ فعلٍ، خيرًا كان أم شرًّا، يترك أثرًا في النفس، وتكراره على مدى الزمن يُحوّله إلى صفةٍ راسخةٍ تستقرّ في باطن الإنسان. ولا فرق في ذلك بين العمل الصادر عن الجوارح، والعمل الصادر عن الفكر؛ فكما أوضحنا سابقًا، فإن الأفكار نفسها تكون نوعًا من العمل، ولها نفس التأثير الذي تُحدثه أفعال جسدية في النفس.

وبما أنّ هذه التغيّرات تحدث ضمن عمليّةٍ تدريجية، فإنّ العمل لا يتحوّل إلى خُلقٍ بين ليلةٍ وضحاها. فلكي يغدو الفعل عادةً أخلاقيةً متجذّرة، لا بدّ من مرور الزمن مع الاستمرار والتكرار، إذ يلعب عامل الزمن دورًا محوريًّا وأساسيًّا في نشوء حالات نفسية إيجابية أو سلبية.

فمثلاً، إنّ القلق، بوصفه حالةً نفسيةً مزعجة، هو ثمرة فترةٍ طويلة من تغذية العقل بأفكار سلبية وتكرارها على نحوٍ مستمرّ. وفي المقابل، فإنّ السكينة والثبات النفسي اللذان عبّر عنهما القرآن بـ«اطمئنان القلب»، هما أيضًا ثمرة زمنٍ طويل من التمرين وتلقين إيجابي متواصل. من الذي يُعرف بعصبيّته وسرعة غضبه، لم يكتسب هذه الصفة فجأة، بل نمت فيه عبر تكرار المواقف وردود الفعل على مدى الزمن حتى ترسّخت في نفسه. وكذلك الشخص الرحيم الودود، لم يصبح كذلك صدفة، بل بفضل المداومة على أفعال تُغذّي هذه الصفة وتُثبّتها في قلبه.

وباختصار، فإنّ ترسيخ أيّ حالةٍ في النفس هو نتيجة المداومة على الفعل الموافق لها ضمن فترةٍ زمنية محدّدة، وكلّما طالت هذه المدة وقوي تأثيرها بالتلقين والتكرار، ازدادت ثباتًا واستقرارًا في النفس.

انطلاقًا من هذه الحقائق، يمكن القول إنّ علاج مشاكل نفسية لا يتحقّق إلا عبر مسارٍ متدرّجٍ يمتدّ على مدى الزمن، تمامًا كما أنّ نشوء تلك المشكلات كان نتيجة عمليةٍ متراكمةٍ ليست مفاجِئة.

إننا قادرون على أن نتخلّص من حالات نفسية مؤلمة كالقلق، والاكتئاب، والخوف. ونستطيع معالجة الرذائل الأخلاقية مثل الحقد، والحسد، وسوء الظنّ، والغضب. بل ويمكننا أيضًا إصلاح علاقاتنا المتضرّرة مع الأسرة والأصدقاء، وتحسين نوعية تواصلنا مع الآخرين لتغدو أعمق وأجمل مما كانت عليه. لكن كلّ ذلك لا يتحقّق إلا بوجود صبر حقيقي، ومتابعة مسار العلاج بثباتٍ واهتمامٍ من البداية حتى النهاية.

إنّ توقّع الشفاء من مشكلات نفسية أو التخلّص من رذائل أخلاقية في فترةٍ وجيزةٍ هو توقّعٌ غير منطقيّ ولا يعكس فهمًا عميقًا للنفس. فأخلاق سيئة لم تتكوّن في يومٍ واحد، كي تزول في يومٍ واحد. وإنما يتحقّق النجاح في علاج مشكلات نفسية من خلال تغييراتٍ صغيرةٍ ولكن ثابتةٍ ومستمرة، تُراكم أثرها حتى تُثمر بإذن الله نفسًا مطمئنّةً وقلبًا سليمًا.

تطهير الروح من الشوائب؛ الشرط الأول لنَيل الصفاء الداخلي

إنّ الهموم والقلق اليومي، وكذلك صفات أخلاقية سيّئة ألفناها عبر الزمن، تؤثّر في أرواحنا تمامًا كما تفعل خلايا سرطانية في الجسد. فخلايا السرطان تمتاز بسرعة نموّ عالية ونشاطٍ استقلابيّ كبير، مما يجعلها تستهلك الموادّ الغذائية قبل أن تصل إلى الخلايا السليمة. ولهذا السبب يعاني مرضى السرطان من انخفاضٍ مفاجئ في الوزن رغم تغذيتهم الجيدة. تخيّل أن الطبيب يكتفي بوصف أغذية مقوية للمريض، من غير أن يضع خطةً للتخلّص من تلك الخلايا الخبيثة. فهل يمكن أن نأمل في شفاءٍ حقيقي بهذه الطريقة؟ قطعًا لا. إذ ما دامت الخلايا السرطانية موجودة في الجسد، فلن تجدي أفضل الأطعمة نفعًا في التخفيف من أعراض المرض. ولهذا يسلك الأطباء دائمًا منهجين متوازيين: فمن جهةٍ، يصفون أدوية متخصّصة للقضاء على خلايا سرطانية، ومن جهةٍ أخرى، يوصون بأغذية غنية بالفيتامينات والبروتينات لتقوية الجسم ومساعدته على تحمّل آثار العلاج والحفاظ على توازنه.

وفي كلتا الحالتين، لا يمكن بلوغ نتيجة مرجوّة إلا بصبر المريض واستمراره في العلاج حتى نهايته. فإن هو استعجل، أو انقطع عن الدواء قبل تمام الدورة العلاجية، كان ذلك سببًا في عودة المرض وربما اشتداده، مما يجعل حالته أكثر تعقيدًا، ويُصعّب العلاج لاحقًا. بل إنّ بعض علاجات كانت فعّالة في البداية قد تفقد تأثيرها، لأنّ خلايا مريضة تطوّر مقاومةً ضدّها مع مرور الوقت.

هذه الصورة تنطبق تمامًا على علاج مشكلات نفسية. فنحن، على مدى سنواتٍ طويلة، قد اعتدنا على مجموعةٍ من عادات سيئة ومعتقدات مدمّرة، تغلغلت في أعماقنا الظاهرة والخفية كخلايا خبيثة في نسيج الروح. ومن الطبيعي أنّ بقاء هذه السموم في باطن النفس يجعل أيّ سعيٍ نحو “الحال الجيّد” و”الطمأنينة” جهدًا ضائعًا أشبه بالطرق على الماء. إنّ أعمال روحية، بل وحتى الدنيوية، التي يمكنها أن تجلب لنا السعادة والسكينة كثيرة ومتنوّعة، غير أنّها لن تؤتي ثمارها ما دامت القلوب ملوّثة والرّوح مكدّرة، وما لم نبدأ أوّلًا بعملية التطهير الداخلي. فكما أنّ الأطعمة المغذية لا تُفيد الجسد ما دامت خلايا سرطانية تعبث فيه، كذلك أغذية روحية نورانية لا تُغذّي الروح الملوّثة كما ينبغي. وكما أنّ نقاء الماء رهينٌ بنظافة الإناء، فإنّ صفاء النفس رهينٌ بنقاء الروح. فالإِناء المتّسخ يُفسد الماء الطاهر، وكذلك الروح الملوّثة تُفسد أصفى المعاني وأنور الأعمال. ومن هنا، فإنّ أول شرطٍ لتحقيق حال طيّب والحفاظ عليه هو تطهير الروح وتنقيتها من أدرانها. فالرّوح الملوّثة تُفسد حتى أنقى الأغذية المعنوية وأزكاها، وتحول دون أثرها في القلب.

غير أنّ هذا التطهير بدوره يحتاج إلى الصبر والزمن. فالصبر يتيح لنا أن نخوض مسار العلاج النفسي بطبيعيّةٍ وهدوء، دون أن نرهق أنفسنا بالتعجّل والتوتّر. أمّا العجلة فهي في ذاتها مصدرٌ جديدٌ لضغوط نفسية يزيد المشكلات تعقيدًا. وكلّما تمرّنّا أكثر على الصبر، ازدادت قدرتنا على التحمّل، فغدت نفوسنا أصلب في مواجهة الشدائد. وهذه القدرة على التحمّل لا تُعيننا فقط على علاج أمراضنا الحالية، بل تُعدّنا كذلك لمواجهة تحدّيات المستقبل.

إنّ علاج مشكلات نفسية يتطلّب عزيمةً راسخةً وإرادةً لا تلين. فعلينا أن نستعدّ لخوض معركةٍ متواصلةٍ تمتدّ على مدى العمر كله، لا لمرحلةٍ محدودةٍ فحسب. فالرّوح البشرية معرّضةٌ دائمًا للأذى، والاعتقاد بأنّ أمراضها تزول إلى الأبد بعد علاجٍ مؤقتٍ هو سذاجةٌ في الفهم. ما دمنا نعيش في هذه الدنيا، ونصارع تضادّاتها وتناقضاتها، وما دام الشيطان والنفس الأمّارة يؤثّران في أفكارنا وسلوكنا، فسيظلّ حتمال انتكاس الروح وعودة الاضطرابات قائمًا.

ولذلك، فإلى جانب السعي الدائم للعلاج والتهذيب، علينا أن نبقى في حالة يقظةٍ واستعدادٍ دائمين، نحرس أرواحنا كما يحرس الطبيب جسد مريضه، حتى نحيا حياةً سليمةً مطمئنّةً في ظلّ الصبر والبصيرة.

اكتب رأيك