أهمية معرفة العلاقة بين معرفة النفس وتحديد الأولويات
يعلم أغلبنا أن اختلاف حياة كل واحد منا مع الآخر يعود إلى وجهات النظر المتمايزة، ومعرفة النفس وتحديد الأولويات في مختلف جوانب حياتنا. فمنا من يهتم بالماديات، ومنا من يهتم بالجسم والمظهر، وآخرون يهتمون بالدراسة والمعرفة و… ولكن ربما لم نفكر كثيرًا في أساس تحديد أولويات حياتنا. هل معرفتنا بأنفسنا لها تأثير على تصنيف هذه الأولويات بشكل صحيح أم لا؟ هل نرى أي علاقة بين معرفة النفس وتحديد الأولويات في الحياة؟
إننا نحدد أولويات حياتنا عادة بناءً على الحب والعاطفة التي نشعر بها تجاه أمور مختلفة، وهذا الحب هو الأساس لحركتنا في الحياة، لكن السؤال هنا هو: على أي أساس يأتي هذا الحب؟ ما هو المعيار الذي يحدد موقعه في الأولويات؟ أو ما هو أرقى درجات الحب؟ وما هو أفضل تصنيف لترتيب الأولويات؟ من الواضح أن تحقيق تحديد الأولويات الصحيحة يمكن أن يتحقق في نظام الخلق الرياضي، ولكن لديه قواعد وشروط نودّ التطرّق إليها في هذا المقال. سوف نسعى جاهدين للوصول إلى إجابات عن الأسئلة المطروحة من خلال فهم الارتباط بين معرفة النفس وتحديد الأولويات.
احترام الأولويات
لا بد وأنكم تعاملتم مع أشخاص لا يلتزمون بـالأولويات، أناس ينشغلون بالعمل والدراسة والمكانة الاجتماعية، عندما يجب عليهم أن يكونوا ملتزمين بالأسرة، ويُضعّفون اولادهم من خلال الدعم غير الملائم، بدل أن يساعدوهم على اكتساب الاستقلالية، ويتجاهلون شريك حياتهم عندما يحتاج دعما عاطفياً، ويتدخلون في شؤونه عندما يحتاج أن يكون بمفرده. بنظرة عمومية ندرك أن هذه الأولويات تحدث أيضًا على مقياس أوسع. إن حياتنا بأسرها تدور في ظل الأولويات التي نحددها، سواء بوعي أو بدونه، والتي بدورها تؤثر على كافة أفكارنا وسلوكياتنا وعلاقاتنا واختياراتنا.
هناك عادة موضوع محوري يلقي بظله على بقية قراراتنا في حياة كل واحد منا.على سبيل المثال، إذا كنا من أصحاب المثالية والمال والكمالات الجمادية، فإن هذه الأولوية تؤثر على اختياراتنا الأخرى، منها الوظيفة والشريك والتخصص الدراسي وحتى مكان إقامتنا، أو إذا كانت الكمالات العقلية هي الأساس بالنسبة لنا، قد نفرض العديد من الصعوبات على أنفسنا أو عائلتنا للوصول إلى كمال عقلي أعلى. وبالمثل، إذا كانت الكمالات النباتية أو الحيوانية تحل المرتبة الأولى في أولوياتنا، فإنها تضع حياتنا تحت ظلها وتتوافق مع قراراتنا واختياراتنا. عندها قد نعتقد في الظاهر أن لدينا حياة ناجحة وأن كل شيء يسير بشكل جيد، ولكن طالما أن أولويات حياتنا لا تتوافق مع بنيتنا الوجودية، فإننا لن نتحرك نحو الكمال الإنساني وهدف خلقنا، تمامًا مثل سائق يعتقد أنه يسير في الاتجاه الصحيح، ولكن في الواقع كلما قاد سيارته أكثر، ابتعد عن وجهته أكثر.
معرفة النفس وتحديد الأولويات؛ علاقة ثنائية

بغض النظر عما إذا كنا حساسين أو دقيقين في اختيار أولويات حياتنا، طالما أننا لا نعرف أساس تنظيم هذه الأولويات، ولمن يتم تنظيمها وبأي صفات، فلن نصل إلى هدفنا أبدا. لنفترض أننا ذهبنا لأفضل خياط في المدينة لخياطة ثوب، طالما أننا لا نحدد لمن سيكون هذا الثوب، وبأي مقاسات، وفي بيئة سيتم ارتدائه، فليس بإمكاننا أن نحصل على الثوب المطلوب. لذا، فإننا بحاجة إلى معرفة أنفسنا أولاً لتحديد الأولويات الصحيحة في حياتنا، ولن نتمكن من تحديد أولويات تحقيق هدفنا إذا لم نعرف بنية وجودنا ومراتبها، أي أننا لن ندرك العلاقة بين معرفة النفس وتحديد الأولويات.
كما شرحنا في المقالات السابقة، تتكون نفوسنا من بنية رياضية مثل بنية الكون بأسره، ولكن المشكلة هنا هي أننا، لا نكون على علم دقيق بالبنية الوجودية لأنفسنا بسبب عقولنا المحدودة، ولا نستطيع تحديد أولويات احتياجاتنا بشكل صحيح. بدون معرفة أنفسنا، نكون مجرد تائهين من كمال إلى آخر.
الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يساعدنا في هذا الصدد وينقذنا من هذا الضلال هو الشخص الذي لا يحيط بجوانب وجودنا فحسب، بل ويعرف كيفية العمل للوصول إلى هدفنا وغاية خلقتنا، و كيفية ضبط أولويات حياتنا لكي لا نتعرض للضرر والتشتت والهلاك. العلاقة بين معرفة النفس وتحديد الأولويات في نظام الحب هي علاقة ثنائية، أي أننا إذا عرفنا أنفسنا ولكننا لم نكن قادرين على تحديد أولويات محبوباتنا فإننا سوف نواجه مشاكل في حياتنا. وإذا حاولنا تحديد هذه الأولويات بدون معرفة النفس، فلن نصل إلى غاية خلقتنا أبدا. يمكننا السير نحو الكمال الإنساني فقط عندما نضبط أولوياتنا ونظام الحب لدينا وفقًا لذواتنا الحقيقية، وهو ما يعادل فهم العلاقة الصحيحة بين معرفة النفس وتحديد الأولويات في الحياة.
كيف تقوم معرفة النفس بتنظيم أولوياتنا؟
في المقالات التي تناولت معرفة النفس شرحنا أن ما يميزنا عن الكائنات الأخرى هو الجانب الإنساني أو البعد ماوراء العقلي لوجودنا، أي بغض النظر عن مدى نجاحنا في الكمالات الأخرى، طالما أننا لا نعطي الأولوية للجانب ماوراء العقلي، فإننا لا نكون إنسانا في الحقيقة، بل إننا بحاجة إلى توازن إنساني لتنسيق جميع مستويات وجودنا مع جانبنا ماوراء العقلي، ولتحقيق الكمال الإنساني، يجب أن نضع أولويات حياتنا على أساس بعدنا الإنساني هذا والأنا الحقيقية الخاص بنا.
إن غاية هدفنا هو الوصول إلى الله والتشبه به، ولكن لتحقيق هذا التشابه، فإننا نحتاج أولاً إلى معرفة الجانب الإلهي والإنساني في أنفسنا، أي البعد الوحيد الذي ينتمي إلى اللانهاية والقدرة على التشبه مع الله. ولكن المسار نحو التشابه والقرب من الله لا ينتهي هنا فقط، بل إننا بحاجة إلى نموذج يكون مرآة الله الأكمل و التجلي الأعظم لأسمائه وصفاته.
لنفترض أننا نقول لطفل ما: كن لطيفًا أو كن مسامحًا! طالما أن الطفل لم ير اللطف أو المغفرة عمليًا، فإنه ليس بإمكانه أن فهم ما نقصده. يكفي أن يرانا نتصرف بلطف أو نتجاوز عن أخطاء الآخرين جيدا لكي يتعلم الطفل من النموذج نفسه. يتصرف الإنسان بنفس الطريقة على نطاق أكبر. إن الإنسان المثالي هو النموذج المعصوم والخالي من العيوب الذي نحتاجه للتشبه بالله، وإذا لم نعرف أنفسنا، فلن نكتشف الحاجة إلى التشبه بالله، ولن نشعر بالحاجة إلى نموذج للتشبه بالله. عندها لن نبذل أي جهد أو جهاد لتحقيق الكمال المطلق بدون معرفة النفس، و هذا يؤدي إلى الابتعاد عن الهدف الذي وضعه الله لخلقتنا.
إذن، نحن بحاجة إلى نظام حب وتحديد الأولويات الصحيحة في الحياة لنقوم بوضع الله وأهل البيت والجهاد في ذروة الأولويات ومحبوباتنا في الحياة، وهذا لا يمكن تحقيقه بدون معرفة النفس؛ لذلك فإن من الضروري التعرف على النفس وتحديد الأولويات ووضع نظام حب لتحقيق هدف خلقتنا. بعبارة أخرى، لا يمكننا أن نشبه بالله أو نحقق الكمال المطلق بدون معرفة النفس وتحديد الأولويات.
قمنا في هذا المقال بدراسة العلاقة بين معرفة النفس وتحديد الأولويات وتأثيرهما على تحقيق هدف خلقتنا. ذكرنا أنه بدون معرفة النفس لا يمكن تحديد الأولويات ووضع نظام حب، ومن ناحية أخرى، فإن معرفة النفس وحدها لن توصلنا إلى هدف خلقتنا بدون تنظيم نظام حب أو تحديد أولويات محبوباتنا. يتطلب الأمر منا “معرفة النفس وتحديد أولوياتنا” جنبًا إلى جنب، لكي يتسنّى لنا الاقتراب أكثر من الله.
هل فكرتم يوما أن الوصول إلى هدف الخلقة لن يتحقق بدون التأمل في النفس وتحديد الأولويات، و بدون تنظيم نظام الحب؟ نحن بانتظار تعليقاتكم حول هذا الموضوع.