أيهما أهم: مستوى علم الإنسان أم ملكاته القلبية؟
من الواضح أن مستوى علومنا يؤثر على أسلوب حياتنا وجودته، ولكن، هل هناك معيار أهم من العلم؟ هل نحن قادرون على اكتساب كلّ ما نتعلّمه واستخدامه في حياتنا على نحوٍ كامل؟ هل هناك تطابق تامّ بين ما نعرفه من معلومات وما نملكه من ملكات؟ أم أن هناك فرقًا بين مستوى علومنا ومستوى ملكاتنا القلبية؟
تحدّثنا سابقًا عن مفهوم “المیزان” وشرحنا أهميته، أما في هذا الدرس نهدف إلى تناول مفاهيم العلم والملكة، وعلاقتهما بالمیزان.
المیزان بمثابة مرآة نُبصر من خلالها ممتلكاتنا، ونقائصنا، ونقاط قوّتنا وضعفنا. سواء كنا نهتم بإتقان الأمور وإنجازها بدقّة، أو كنا غير مبالين، فلا يمكننا الفرار من حقيقة وجود المعيار والمیزان أو إنكارهما. على سبيل المثال: فعلى سبيل المثال، يعد تجنب تناول الطعام الملوث أحد معايير الصحة. فإذا ما تناولنا ماءً أو طعاماً ملوثاً، سواء أقررنا بوجود هذا الميزان أم كانت معرفتنا به معدومة، فإننا سنكون عرضة للمرض؛ إذًا، الإيمان أو عدم الإيمان بأصل وجود المعيار والميزان لا يغيّر من حقيقة وجوده شيئًا. المیزان من جهة أخرى يُشبه الوعاء، فكلّما أنجزنا عملاً بإتقان ودقّة، امتلأ هذا الوعاء أكثر؛ لذلك فإن أكثر الأوعية امتلاءً في أيّ مجال يكون من نصيب من راعى جميع أصوله ومبادئه على الوجه الأكمل والأصوب، والتزم بها تطبيقاً وعملاً.
في مسألة الميزان، كما في سائر الأمور، نحن بحاجة إلى العلم والمعرفة؛ فالعلم هنا يعني مقدار إدراكنا وإطلاعنا على حقيقة وجود الميزان، أما المعرفة فهي الرصيد العملي الذي نمتلكه من ملكات قلبية، والذي بواسطته نستطيع أن نثقل ميزاننا ونملأه. وعليه، فإن الأهم ليس مقدار علمنا، بل هو رصيدنا الفعلي من الملكات القلبية.
بعبارة أخرى، إن مقدار علمنا وإدراكنا للحقائق لا يكفي وحده لحل المشاكل وتوجيهنا الوجهة الصحيحة؛ فجميعنا يعلم أن هناك فجوة شاسعة تفصل بين العلم والمعرفة، أو بين امتلاك المعلومة وتطبيقها في القلب. فقد يحدث أحياناً أننا لا نوفق أبداً في تحويل ما نعرفه إلى واقع ملموس ومفيد في حياتنا؛ أي أن ما تعلمناه يبقى حبيس الذهن ولا يتحول إلى رصيد حقيقي يؤثر في قلوبنا وسلوكنا وأدائنا. وهذا يشبه تماماً حال شخص يمتلك معلومات وفيرة عن القيادة، وقد تعلم جميع مراحلها نظرياً، لكنه لم يجلس قط خلف المقود ولم يمارسها فعلياً.
في الدروس السابقة، وعند تعريف “الميزان”، أشرنا إلى أن معيار ملكية قلب الإنسان وروحه يتحدد بنسبة انسجامه مع عالم الآخرة. وبما أن الأصل وحقيقة حياتنا هي ما بعد هذه الدنيا، وفي العالم الخالد للآخرة، فكلما ازداد انسجامنا مع ذلك العالم، ازداد ميزاننا ثقلاً، وكنا أكثر سعادة.
إن كنا نطمح إلى میزان ثقيل، فعلينا أن نهيّئ شروطه ومتطلباته من هذه الحياة الدنيا؛ أي أن نملك العلم الكافي عن المیزان، وأن نعرف ما نوع الملكات القلبیة التي نحتاجها في هذا الطريق. في هذا الدرس، نسعى إلى فهم العلاقة بين العلم و الملکات القلبیة؛ هل يكفي أن نعرف مفهوم المیزان ومعناه وحقيقته؟ وهل يمكننا أن نملأ میزاننا بالعلم ومعلوماتنا فقط؟ وما دور الملكية القلبية في الوصول إلى میزان ثقيل؟
ما هي أنواع المعرفة والموارد التي تُثقل الميزان؟
إن “المعيار” و”الميزان” من المفاهيم التي نصادفها في شتى مجالات الحياة، سواء في الدنيا أو في الآخرة. فنحن جميعاً، بوعي أو دون وعي، نقوم بعملية التقييم والقياس. وغالبًا ما يكون أساس حكمنا على أنفسنا أو على الآخرين مبنيًا على موازنة الأفكار، والأقوال، والأفعال، والسلوكيات. وكذلك في الآخرة، سنُعرض على الميزان وتُوزن أعمالنا، ولا يمكن لهذا الوزن أن يتم من دون وجود معيار وميزان دقيقَين.
يقول الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه عن الميزان: “وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ”.[1] فالحق هو كل ما ينسجم مع الغاية من الخلق وهدفه الأسمى. وإذا تأملنا الصلة الوثيقة بين رصيدنا من المعرفة ورصيدنا من الملكات القلبية، ندرك أن ما يثقل ميزاننا حقًا ليس سوى تلك المعارف والممتلكات التي تدور في فلك الحق وتتوافق مع مراد الخالق من وجودنا. ولكي نبني ميزانًا راجحًا مثقلًا بالحسنات، فإن أولى الخطوات تقتضي منا أن نتفحص بدقة رصيدنا من العلم والملكات القلبية. علينا أن نسأل أنفسنا: إلى أي مدى تتناغم معلوماتنا، وخياراتنا، وعلاقاتنا، وسلوكياتنا، وأفكارنا، بل وأسلوب حياتنا برمته، مع الحق وقيمه السامية؟
وعندما ندرس العلاقة بين ميزان المعرفة والملكة، ينبغي أن ننتبه إلى أمرين أساسيين: نوعية المعرفة، وجودة الملكة. ففي أي نظام متقن ومنظَّم، هناك علاقة مباشرة بين المدخلات والمخرجات؛ فكلما كانت المدخلات أنقى وأصحّ وأصدق، كانت المخرجات أكثر جودة ونقاء. ونفوسنا، باعتبارها من أدق وأعقد الأنظمة في الكون، لا تخرج عن هذه القاعدة. فلا يمكن أن تصدر عنها مخرجات نقية وعلى نهج الحق، ما لم تكن تغذيتها -أي مدخلاتها- من النوع ذاته: صافية، طاهرة، وعلى صراط مستقيم.
العلاقة بين “ميزان الحق” و”المعلومات الذهنية”
بما أن الله قد نفخ من روحه في الإنسان[2]، فإن في فطرتنا بذور المعرفة التي تمكّننا من ملء ميزاننا. لكن السؤال هو: هل نستخدم هذه المعارف الكامنة فينا؟ وهل نُحسن توظيفها بالشكل الصحيح؟ علينا أن نتعلّم: ما نوع المعلومات التي تُثقل الميزان؟ وكيف يمكن لهذه العلوم والمعارف أن تتحول إلى ملكات و أعمال حقه تثمر في النهاية ميزانًا ثقيلًا في يوم الحساب؟
إن فهم العلاقة بين ميزان المعلومات الذهنية والملكات القلبية ينبغي أن يدفعنا نحو تحصيل المعارف التي لها أثر فعلي في وزن ميزاننا. في هذه العلاقة، يُشكّل جانب “المعرفة” الأساس الأول؛ فالمعرفة السليمة تُبعدنا عن الغفلة، وتمنحنا بصيرة تُمكِّننا من عدم التورط في أي فعل – سواء كان في الأسرة أو المجتمع أو السياسة أو الاقتصاد أو الفن – إلا بعد مقارنته بميزان الحق، وبما يتوافق مع المعيار الإلهي.
من أهم النقاط التي ينبغي أن ننتبه لها بشأن المعرفة، أن أصحّ وأكمل المعلومات لا تُثمر شيئًا ما لم تقترن بالميزان. حتى أرقى أشكال العلم، إن لم توضع إلى جانب ميزان الحق، تبقى بلا أثر حقيقي. وقد أشار الله تعالى إلى هذه الحقيقة في حديثه عن أكمل مصادر المعرفة – القرآن الكريم – حيث قال “وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ”.[3] نحن بحاجة إلى العلم والمعلومات، لكننا بحاجة أعظم إلى “الميزان”. فبدون الميزان حتى الكتاب، والعلوم، والفقه، تبقى أدواتٍ غير فعالة. وهنا تتجلّى الحقيقة بوضوح: العلاقة بين العلم والميزان علاقة لا يمكن إنكارها. في بيان أهمية وضرورة اقتران العلم بالميزان، يمكننا أن نضرب مثالًا واضحًا: قد نرى أحيانًا بعض الفقهاء، رغم امتلاكهم معلومات فقهية واسعة وقدرات عالية في الاستنباط والاجتهاد، إلا أنهم يعجزون عن تطبيق الأحكام على الواقع بشكل صحيح، وقد يضلّون الطريق. والسبب في ذلك هو غياب “الميزان” لديهم. فالعلم وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون بيد الفقيه ميزانٌ يُنير له الطريق ويُرشده في فهم الزمان، وتشخيص المكان، واستيعاب الإنسان. وعندما يقترن العلم بالميزان في المجال الفقهي، يتحول الفقيه إلى إنسان متكامل في رؤيته، أشبه بعالِم نفسٍ دقيق، ومحللٍ للواقع الزمني، ودارسٍ للبيئة والمجتمع. وبذلك، يتمكن من إصدار فتاوى أكثر دقة وملاءمة لحاجات الناس وظروفهم المتغيرة.
دراسة العلاقة بين “الميزان” و”الملكات القلبية”
إن فهم العلاقة بين ميزان معلومات الإنسان وملكاته القلبية، أمر في غاية الأهمية؛ لأنه يحدّد لنا بدقة نوع “المعلومات” و”الملكات القلبية” التي ينبغي أن نسعى لاكتسابها. إن أردنا أن نعرف إذا ما كان هذا الارتباط الذي نتصوره صحيح أم لا، فلا مرجع لنا أوثق من كلام الله تعالى وأحاديث المعصومين(عليهم السلام). إذا كانت معلوماتنا مقبولة عند الله، وأثمرت عن ملكات قلبية، فذلك دليل على أنها ستُثقل ميزاننا وتملؤه بخير الأعمال.
أشرنا في بداية هذا الدرس إلى أن العلاقة بين ميزان “المعلومات” و”الملكات القلبية” لا يقتصر على الحياة الدنيا، بل تشمل مصيرنا الأبدي في الآخرة. هناك، ستُعرض أعمالنا وتُوزن في موازين دقيقة، ولابد أن يكون كل واحدٍ منا واعيًا بموضعه ومستعدًا لما ينتظره، حتى لا يتعثر في مواقف الآخرة الصعبة. كما ينبغي أن نعلم أن الوعي والمعلومات وحدهما لا يكفيان لتحقيق النجاح أو السعادة أو النجاة؛ فالمعلومات ما لم تتحول إلى عمل وسلوك، تبقى دون جدوى. إذًا فإن أول خطوة هي معرفة الموازين الأخروية، والخطوة التالية – وهي الأهم – هي أن نبدأ بالعمل والسعي لاكتساب ملكات قلبية ومعارف حقيقية تثقل بها موازيننا. إن ما يثقل ميزان الإنسان في نهاية المطاف ليس إلا المعلومات التي تحولت إلى ملكات قلبية ومعرفة حقيقية، وغذّت روح الإنسان، ذلك “الطفل الغالي للروح” في داخلنا.
ذكرنا في دروس سابقة أن الميزان هو تجلٍّ للحق، وهو حقيقة روحية عميقة؛ كلما ازددنا انسجامًا مع هذا الحق، ازدادت فرص نجاتنا في يوم القيامة، ونجحنا في تجاوز عقبات الآخرة. بناءً على ذلك، يجب أن نتوجّه نحو معارف تقوم على أساس الحق، حتى نكتسب ملكات من نفس الطينة، تؤهلنا في النهاية للفلاح، لأن الله سبحانه وتعالى بيّن أن سعادتنا مرهونة بثقل الميزان:[4] فكلما ازداد ثقل الميزان، دلّ ذلك على كثرة الأعمال والممتلكات المطابقة للحق.
في هذا الدرس، تعمّقنا في فهم العلاقة بين الميزان من جهة، والمعلومات الذهنية والملكات القلبية من جهة أخرى. ومع أن نوعية وجودة معلوماتنا مؤثرة للغاية في الميزان، إلا أن كفّة الميزان تميل بشكل أكبر نحو “الملكات”، لأننا عند دخول عالم البرزخ والقيامة سنوزن بمقدار ملكاتنا القلبية، وبشكل عام، فإن قيمة الإنسان تُقاس بمدى وعيه وملكاته.
من يدرك هذه العلاقة بين الميزان والمعلومات والملكات القلبية لا يمكن أن يقبل بعد ذلك باكتساب أي نوع من العلم، ولا أن يقوم بأي فعل دون تروٍ أو وعي. إن اكتشاف هذه العلاقة العميقة يُعيد ترتيب أفكارنا وأسلوب حياتنا وفق نظام إلهي دقيق، ينسجم مع هدف خلقنا، ويمنحنا حياة قائمة على بصيرة وهداية.
[1] سورة الأعراف، الآية 8.
[2] «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي»؛ (سورة ص، الآية 72).
[3]« وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ»؛ (سورة الحديد، الآية 25).
[4]« فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»؛ (سورة المؤمنون، الآية 102).