هجوم الشيطان من اليمين: كيف يستغل نقاط قوتنا لشنّ هجماته؟

جدول المحتويات
هجوم الشيطان من اليمين: كيف يستغل نقاط قوتنا لشنّ هجماته؟

هجوم الشيطان من اليمين؛ كيف تُصبح كمالاتنا ونقاط قوّتنا مصدر خطر؟

هجوم الشيطان من جهة اليمين لا يعني الدعوة الصريحة إلى المعصية أو الفساد، بل هو وسوسة خفية تُحرّف الإنسان عن طريق الحق من خلال مكتسباته، وكمالاته، ونِعَمِه الداخلية. فعندما يُذكر الشيطان، يتبادر إلى أذهاننا تلقائيًا: الذنوب، وانتهاك الحُرُمات، والفجور والإنحراف الأخلاقي. بينما نادرًا ما ننتبه إلى أن من أخطر مداخله إلى قلب الإنسان هو ما يمتلكه من فضائل وقدرات. إنّ ما نعدّه نقاط قوة ومجالات تفوّق في نفوسنا، قد يتحوّل – إذا استُخدِم بغير وعي – إلى أدوات يخترق بها الشيطان قلاع الخير، فيوظّف هذا الخير الظاهري في غير موضعه، ويُزيّنه على هيئة صلاح، بينما هو انحراف مستتر من جهة اليمين.

في هذا المسار من الهجوم، تتجه سهام الشيطان نحو ما نراه فضيلةً أو ميزةً لنا. فحين لا ينجح الشيطان في تحقيق أهدافه عبر إغراءات الفساد أو الهجمات المباشرة الأخرى، فإنه يتجه نحو عباداتنا ومكتسباتنا الروحية، محاولاً تلويثها وإفسادها ليبلغ مراده بأسلوبٍ خفيٍّ وخطير. بهذا الشكل، لا يُهاجم الشيطان من خلال الشرّ الظاهر فقط، بل يُحاول النفاذ عبر الخير المزيّف، أو الخير الذي يُلوَّث بالرياء، الكِبر، أو الغرور.

في هجوم الشيطان من جهة اليمين، يُصيبنا الغرور، والعُجب، والشعور بالتفوّق، والرضا عن النفس، والتكبّر، إلى درجة نُصبح فيها مفتونين بكمالاتنا، فننظر إليها كأنها ملكٌ خاص بنا، لا كمنحٍ من الله. كمالات مثل الجمال، النجاح العلمي، البروز الديني، تاريخ طويل في الأعمال الخيرية، أو المشاركة في الجهاد، يمكنها أن تُشكّل منصّات يتسلّل منها الشيطان، ليحوّل النعمة إلى نقمة، والفضيلة إلى سبب للهلاك، إذا لم يُرافقها وعيٌ وتواضعٌ دائم أمام الله.

هذا النوع من الهجوم يؤدي إلى نموّ سريع لشعور التفوّق والغرور في داخلنا، فننسى أن جميع هذه التوفيقات والإنجازات هي في الأصل من عند الله، وهي ملكٌ له وليست من صنعنا أو استحقاقنا الذاتي. وبذلك، نقف أمام الله بشعور من الاستحقاق والتمنّن، كما لو كنّا قد أدّينا له معروفًا بواجباتنا الإنسانية، في حين أنّ الواقع هو أننا لا نُوفَّق إلى أيّ عمل خيرٍ ما لم يأذن لنا الله، فالهداية والتوفيق كلها بيده، ومن دونه لا نملك لأنفسنا نفعًا ولا ضرًّا.

السؤال المطروح الآن هو: كيف نتقي شرّ هذا الهجوم الشيطاني القادم من اليمين؟ هل يتوجّب علينا التوقف عن فعل الخيرات، أو تنحية ما نملكه من إيجابيات جانباً والابتعاد عنها؟ في حقيقة الأمر، لصدّ هذا الهجوم – كما هو الحال مع أي هجومٍ آخر – ينبغي علينا أن نتولّى تغذية وتقوية ملكاتنا ماوراء العقلية. ذلك أننا إذا لم نُحكم سيطرة الجانب الإنساني منّا على مقاليد الأمور، فإنّ ما نقوم به من أعمالٍ فاضلةٍ وأمورٍ مقدسةٍ لن يستند إلى أساسٍ متينٍ أو منبعٍ سليم؛ بل ستُسخّر وتُستعبد لصالح أهوائنا وغرائزنا الحيوانية. وكنتيجةٍ حتمية، سنصبح هدفاً سهلاً لسهام الشيطان ووساوسه. فبدلاً من أن تقودنا هذه المكتسبات إلى السعادة المنشودة، ستتحوّل إلى نقاط ضعفٍ وجوانب سلبيةٍ قاتلةٍ في كياننا.

أساليب هجوم الشيطان من اليمين

ما هو أسلوب هجوم الشيطان من اليمين؟ وكيف ينجح في إبعادنا عن هدف خلقنا؟ قد لا يخطر في بالنا أبدًا في الظروف العادية، أن التديّن نفسه قد يُصبح سببًا في ضياع الدين، ولكن هذا ما قد يحدث بالفعل. إذ إنّ الشيطان أحيانًا يدفع الإنسان إلى الإفراط في بعض الأمور الدينية، أو يُحمّله تكاليف لم يُكلّفه الله بها أصلاً.

لقد تبيّن لنا في الدروس السابقة أن الكون الذي نعيش فيه يقوم على أسس من المقاييس والعلاقات الرياضية الدقيقة، وأن الأحكام والقواعد الدينية ليست بمنأى عن هذا النسق. بل إن هذه القواعد والمقاييس هي التي تفصل الدين عن الخرافات والأوهام، وتجعله برنامجًا دقيقًا مُحكمًا. وعندما يُبعدنا الشيطان عن هذه المقاييس الدقيقة التي وضعها الله بحكمته وتدبيره، ويُغوينا باتباع أهوائنا وشهواتنا، فإننا نقع فريسةً لما يُعرف بـ “هجمة اليمين” حيث يُستغلّ الدين نفسه ليُبعدنا عن جوهر الدين.

قد يرغب الشيطان في منعنا من أداء واجبنا الأساسي أو حرماننا من عمل مقدّس بعينه، فإنه يشغلنا بعمل مقدّس آخر. فعلى سبيل المثال، قد يُلهينا بحجّة طلب العلم والتحصيل العلمي عن الجهاد في سبيل الله، أو يُشجّعنا على الانخراط في الأعمال الخيرية بينما نُقصّر في واجباتنا تجاه والدينا. في هذه الحالة، يُصبح العمل المقدّس بالنسبة لنا حجابًا يُخفي التقصير والخطأ، فلا ننتبه إلى أنّنا انحرفنا عن الصواب، لأنّنا نعيش تحت وهم أننا نقوم بعمل خير. وقد يستغلّ الشيطان أيضا مظاهر مقدّسة ومكتسبات روحية ذاتها ليُمهّد لنا طريق المعصية، فقد يؤدي مثلاً تاريخنا الطويل في العبادات أو الأعمال الخيرية إلى الشهرة، ومن ثمّ إلى العُجب والتكبّر، عندها قد وقع الإنسان في فخّ التقديس الزائف والغرور دون أن يشعر بذلك.

تشخيص هجوم الشيطان من جهة اليمين

والآن يبرز السؤال: ما هو واجبنا في هذه الحالة؟ حين نقف في مفترق طريق بين أمرين كلاهما خير ومقدّس، أيّهما نختار؟ ما هو حدّ هجوم الشيطان من جهة اليمين؟ وكيف نُميّز بين العمل الصالح الذي يقودنا إلى السعادة والارتقاء، وذلك الذي يُخفي في باطنه سبب السقوط والانحراف؟

الحقيقة أن الاختيار بين فعلين كلاهما خير، أحدهما “أحسن” والآخر “أَحسَن”، ليس بالأمر الهيّن؛ ولكن الرجوع الدائم إلى الأصول والقواعد التي وضعها الله لنا هو الحل الأمثل لاتخاذ قرار صحيح. فعلى سبيل المثال، إذا كنا على دراية بنظام الأولويات في سلّم المحبّة، أدركنا أن محبّة الله، وأهل البيت، والجهاد في سبيله تتقدّم على محبّة البيت، والمال، والتجارة، والعلاقات العائلية،[1] غير أنّ هذا لا يعني أن نُهمِل هذه العلاقات والحقوق، لأنّ الله وأهل البيت قد حدّدوا لنا واجباتنا في بطن هذه الروابط، وفقًا لظروف وسياقات مختلفة. فلا يجوز أن نتذرّع بالمشاركة في مناسبات دينية أو بتغذية أبعادنا الروحية لتبرير التقصير في حقوق الزوج أو الزوجة، أو الوالدين، أو الأبناء؛ لأنّ حدود هجوم الشيطان تمتدّ أحيانًا حتى إلى ما وراء العقل، ولا يعني ذلك أن الميول ماوراء العقلية بحدّ ذاتها شيطانية، ولكنّ الشيطان قد يستغلّ الاندفاع نحو هذه الميول كذريعة لخلل في الأولويات أو التقصير في المسؤوليات. فعلى سبيل المثال، حين نُلزم أنفسنا بحضور مختلف الدورات الأخلاقية والتربوية، ونغفل في الوقت نفسه عن تلبية احتياجات أولادنا، فإنّنا لا نقترب من هدف خلقنا، بل نُلحق الضرر بالعلاقة مع أبنائنا، مما قد يُسبب لهم مشاكل نفسية أو سلوكية في المستقبل.

أما الوسيلة الأهمّ لكشف هجوم الشيطان من اليمين، فهي أن ننتبه إلى أنّه غالبًا ما يُقدّم لنا الأمور المقدّسة على طبق من ذهب، لكن لا لوجه الله والذات الحقيقية للإنسان، بل لتُشبع رغبات الجوانب الدنيا المزيفة فينا. فقد يشجعنا الشيطان على التحصيل العلمي لكي نتباهى بما نحرزه من ألقاب أمام الناس؛ ، وغايته أن يقنعنا بأنّنا ندرس “لخدمة الناس”، لكي يصرفنا عن وظيفة أعلى وهي الخدمة في رضى الإمام. ومن هنا، فإنّ كلّ ما عدا الحاجات الطبيعية للجسد، يبقى في طاعة الله في صراع دائم مع شهوات النفس، ويتطلّب ضغطًا على الأنا السفلى وجهادًا للهوى.

والحقيقة أنّ من بين كل الأعمال والخيارات التي أمامنا، ثمّة طريق واحد يقود إلى السعادة والخير الحقيقي، هو الصراط المستقيم الذي خُلقنا لنسير فيه، والذي يتربّص الشيطان على جنباته بكلّ مكر. لذلك علينا أن نُعيد ترتيب كلّ أعمالنا، حتى أشدّها قُدسيّة، بحيث تخدم هدف خلقنا، وتقودنا إلى القلب السليم. أما الأعمال التي تنسجم مع هوى النفس وجوانبها الدنيا، فهي دومًا عُرضة لهجوم الشيطان، ولو كانت في ظاهرها أعمالًا مقدّسة.

في هذا الدرس، تعرّفنا على أنواع الأمور التي قد تؤدي إلى أن نكون عرضة لهجوم الشيطان من جهة اليمين. وبيّنا أن الشيطان لا يهاجم الإنسان فقط من خلال نقاط ضعفه الأخلاقية والشخصية، بل إنّ ما نمتلكه من كمالات ومواهب ونِعَم قد يُستَخدَم أيضًا كوسيلة لهجومه. استعرضنا الأساليب التي يعتمدها الشيطان في هجومه من هذا الباب، وفي الختام، تحدّثنا عن كيفية التمييز بين الأعمال المقدّسة التي يتسلّل إليها الشيطان ويبتغيها، وبين تلك الأعمال الطيّبة التي تقرّبنا فعلاً من هدف وجودنا وغاية خَلقنا.

فهل فكّرت يومًا أنك قد تكون في مرمى هجوم الشيطان من جهة اليمين؟ وإلى أيّ مدى أدّت أعمالك الصالحة وكمالك، وما تملكه من نِعَم، إلى شعورٍ حقيقيّ بالطمأنينة والسكينة في أعماقك؟


[1] سورة التوبة، الآية  24

اكتب رأيك