نظرة على مكافأة المؤمنين: هل الجنة هي المكافأة النهائية؟

جدول المحتويات
هل الجنة هي مكافأة المؤمنين الوحيدة، أم أن هناك نِعَم أخرى تنتظرنا؟

هل الجنة هي مكافأة المؤمنين الوحيدة، أم أن هناك نِعَم أخرى تنتظرنا؟

تُعرّف “الجنة” بأنها المكان الذي أعدّه الله مكافأةً لعباده المؤمنين والصالحين في الآخرة. لكن هل يقتصر جزاء المؤمنين على الجنة وحدها؟ يقدّم القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت عليهم السلام أوصافًا حسية للجنة، فهي جنات تجري من تحتها الأنهار، فيها القصور والأشجار، وتنعم بسكينة أبدية بعيدة عن المعاناة، والمرض، والشيخوخة، والتعب، والموت. ومما يؤكد سعة الجنة قول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.[1] هذه الآية تشير إلى سعة الجنّة الهائلة، وتصفها بأنها مكان يمتد عرضها كعرض السماوات والأرض. في الواقع، فإن الجنّة ثمرة القلب السليم الذي يكتسبه الإنسان في الدنيا والولادة السليمة في الآخرة.

ولكن هناك بعض الروايات التي ترى أن الجنة هي جزاء الجسد فقط. قد يبدو هذا المفهوم غريباً للوهلة الأولى، خاصةً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن القرآن والأحاديث تحثنا مرارًا على السعي لنيلها و تُكرّر النّصوص الدينية الحديث عن نعيمها بالتفصيل. هل الجنّة حقاً هي جزاء البدن فقط؟ وهل فعلاً تقتصر قيمة الجنة على النعيم الظاهري وحده؟ وهل تُحرم الروح، التي هي أسمى وأكثر قيمة من الجسد، من الجزاء؟ ألا ينبغي أن نفكر في مكافأة أسمى وأكثر قيمة من النعيم المادي؟

نتعمق في هذا المقال لفهم أعمق للجنة، وما إذا كانت جزاءً للجسد فقط، أم أن الجزاء الحقيقي يتجاوز النعيم الحسي ويكمن في الرضا الإلهي ولقاء الله. لفهم هذا التناقض الظاهري، ينبغي أولاً مراجعة مفهوم البدن والروح، وسبب تعريف الجنة كمكافأة للبدن.

لماذا الجنة هي جزاء أبداننا فقط؟

كما بيّنا في مقال «ما هي النفس أو الروح؟»، فإنّ الروح هي الجوهر الحقيقي والمجرد لوجودنا، فهي تتصل بالجسد عند الولادة، ويصبح الجسد مجرد أداة مؤقتة في هذه الرحلة الدنيوية. وحقيقة الإنسان تتشكل من روحه، بينما الجسد هو مجرد عنصر مرتبط بفترة الحياة الدنيا.

في مقال «ما هي النفس الحيوانية؟» تناولنا الأبعاد الوجودية المشتركة بين الإنسان والحيوان، كالترابط العائلي، وحس المسؤولية، والسعي لتحقيق العيش، وتكوين العلاقات الاجتماعية، والوفاء، والرحمة، وخدمة الآخرين. لكن النقطة الجوهرية هنا تكمن في أن الإنسان إذا اكتفى بتعزيز هذه الصفات المشتركة فقط، فإنه يظل في مرتبة “الذات الحيوانية”، ولا يرتقي إلى مقامه الإنساني الرفيع.

وبهذا التمهيد، يصبح من السهل فهم لماذا تُعد الجنة مكافأة للجسد. إن الجنة، بعظمتها وفسحتها، هي مكافأة تختص بالجانب الجسدي والحيواني من وجودنا. فالذين يظهرون في حياتهم الدنيا صفات إيجابية مثل الوفاء والرحمة والإيثار والالتزام الأسري، ويُطلق عليهم “حيوانات طيبة”، هم من يستحقون هذه المكافأة. وكما قال الإمام الكاظم (عليه السلام): “أَمَا إِنَّ أَبْدَانَكُمْ لَيْسَ لَهَا ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةُ؛ فَلَا تَبِيعُوهَا بِغَيْرِهَا”.[2]

لذا، فإن بلوغ المرء الجنّة هو ثمرة اكتمال فضيلته في الحياة الدنيوية على الصعيد الحيواني. وعليه، فإن الجنّة تمثّل الجزاء الأوّليّ المُمنَح للجسد مقابل حياةٍ معيشيةٍ على المستوى الحيواني. وهي بهذا الاعتبار، محطةٌ أولية وجائزة تمهيدية، بينما يكمن كمال الإنسان الأخير وجزاؤه الأسمى الحقيقي في مرتبةٍ تتجاوز عالم الجنّة ذاتها.

ما هو الجزاء الحقيقي للإنسان؟

بعد أن أثبتنا أن الجنة هي جزاء الجسد، وأن “كون الإنسان حيوانًا صالحًا” هي مرتبة من مراتب الكمال، تُكتسب من خلال تنمية الصفات المشتركة بين الإنسان والحيوان، يبرز سؤال مهم: فما جزاء الأنا الإنسانية؟ إذا تجاوز الإنسان سعيه في الارتقاء عن المستوى الحيواني، وتفتحت لديه المواهب الإنسانية السامية، فما هو الجزاء الذي ينتظره؟ هل سيكون جزاؤه محصورًا في نِعم الجنة، أم أنّ أمامه أفقًا أرحب، وجزاءً أسمى لا يُحدّ؟ قبل الإجابة على هذه الأسئلة، يجب أن نوضح أن كون الجنة مكافأة الجسد لا يعني التقليل من شأنها؛ بل يعني أن هناك مكافآت أسمى لا يمكن مقارنتها بنِعَم الجنة بالنسبة لاولئك الذين بلغوا مرتبة الإنسانية.

 إن تعاليمنا الدينية تقدم إجابة قاطعة ومبشرة: فمن يُنشّط الجانب الإنساني من ذاته، ويسير في طريق اكتساب الكمالات الإنسانية، ويصل إلى مرتبة التشابه مع الله والمعصومين (عليهم السلام)، فإن جزاءه سيكون أعظم بكثير من نعيم الجنة. هذا الجزاء ليس نعيمًا جسديًا محدودًا، بل هو لقاء الله والتقرب من أوليائه وأهل قربه، خاصة أولئك الأنوار الطاهرة من المعصومين(عليهم السلام)، وهو ما يُعرف بـ “جنة الرضوان”. وتلك هي الجنة التي لا تُقاس بسائر الجنان. فهي جنة الرضوان، والمقام الأعلى الذي لا يُعطى إلا لأخلص عباد الله وأقربهم إليه. إنه الرضا الإلهي، القرب الأبدي، النعيم الذي لا يُشبهه شيء. وكما عبر الله عنه في محكم كتابه: “وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ”[3] أي أن كل ما في الجنة من نعيم، يبقى صغيرًا أمام هذا المقام الأسمى: أي رضا الله. فاللذّة التي تنبع من هذا القرب، لا تُشبه أي لذّة مادية، بل إنّ من يصل إليه، يرى الجنة نفسها صغيرة أمام جمال ما وجد.

إن جزاء “الذات الإنسانية” هي الوصال مع المحبوب، والغوص في رحمته، والفناء في جماله. ذلك هو الجزاء الذي سعى إليه المعصومون وأولياء الله عليهم السلام، وأفنوا أعمارهم في طلبه، وتحرّقوا له وبذلوا أرواحهم شوقًا إليه.

في هذا المقال، تأملنا في مفهوم الجنة ومكانتها في الدين، ووجدنا أنها، بكل ما فيها من بهاء وخلود، جزاءٌ لمن ربّى في نفسه صفات “لحيوان الصالح”، كالصدق، والعفاف، وحُسن السلوك. فهي صورة من متع الدنيا، ولكن في أسمى درجات النقاء والكمال، وجزاءٌ على أخلاق وسلوكيات طيبة، سواء كانت إنسانية أو حيوانية. لكن، هذه ليست نهاية الطريق. ولكن على الرغم من عظمة الجنة، إلا أن الإنسان لم يُخلق لأجلها فحسب. بل إنه خُلق لما هو أسمى: أن يعرف نفسه، ويزكّيها، ويتجاوز لذّاته الجسدية، ليصل إلى رضوان الله، ولقائه، وهذا هو الكمال الحق، وهذا هو الغاية من الخلق. فالإنسان ليبلغ الكمال الحقيقي عندما ينمّي جانبه الإنساني، ويتجاوز هذه المتع الجسدية والحسية، ويصل إلى مرتبة القرب الإلهي، ورضوان الله، ولقاء الرب. الوصول إلى هذه المكافأة يتطلب جهدًا مستمرًا في طريق معرفة النفس ومعرفة الله، وتزكية النفس.

لذلك، على الرغم من أن الجنة هي مكافأة الجسد، إلا أن هدف خلق الإنسان هو الوصول إلى مقام أعلى من هذه المكافأة. فالجنة مكافأة عظيمة للسلوكيات الجيدة والصفات الحميدة للإنسان على المستوى الحيواني، لكنها ليست الوجهة النهائية للإنسان، لأن الإنسان لم يُخلق فقط للأكل والشرب والراحة، بل تتوق روحه السامية إلى ما هو أبعد من هذه المتع و تكمن مكافأته الحقيقية في لقاء الحبيب والوصال مع الكمال المطلق، ذلك القرب الإلهي الذي لا يمكن وصفه بأي كلام.

نعم إن الجنة لأجسادنا، أما رضوان الله، فهو لأرواحنا؛ ومن استطاع أن يتجاوز المرتبة الحيوانية ويكشف عن حقيقته الإنسانية، فقد خطا على طريق الرضوان الإلهي. وهو طريق يمر عبر معرفة النفس، وتزكيتها، ومجاهدة الهوى، وحب الله وأوليائه. فلنجعل الجنة بداية الطريق لا غايته، طريقًا يؤدي إلى “الفوز العظيم”، وغايته “رضوان من الله”، تلك المكافأة التي وصفها القرآن بأنها أعظم من جميع نِعَم الجنة، والتي لا تُعطى إلا لـ”الإنسان”، لا لـ”الجسد”.


[1] آل‌عمران، 133.

[2]  الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ترجمة محمد باقر كمرئي، قم، منظمة الأوقاف والشؤون الخيرية، منشورات أسوة، ۱۳۷۵، ج۱، ص۵۵. التوبة، ۷۲.

[3] سورة التوبة: الآية 72

اكتب رأيك