مسارات التشبه بالله، ولماذا نحتاج إلى الإنسان الكامل؟

جدول المحتويات
هل يمكن التشبه بالله دون التشبه بالإمام؟

هل يمكن التشبه بالله دون التشبه بالإمام؟

أتوافق على أنه للوصول إلى أيّ غاية، يجب سلوك الطريق المؤدي إليها؟ إن حياتنا ليست عبثية، وهناك هدف خاص لخلقنا كأهمّ مخلوق في هذا الكون، ألا وهو التشبّه بالله والتآلف مع مربّينا الله. إن مستوى سعادتنا وطمأنينتنا، سواء في الدنيا أو الآخرة، مرتبطٌ بمدى تشبّهنا بالله الذي لا نملك القدرة على رؤيته أو التواصل المباشر معه. وفي المقابل، فإنّ أوّل ما يتطلبه التشبّه بأيّ شيء هو امتلاك فهم صحيح له، ومن دون امتلاك نموذج أو مقاييس دقيقة، فإنّ تشبّهنا بما نصبو إليه ليس إلّا وهمًا.

والسؤال الآن: ما هي المسارات المُؤمّنة التي يمكن أن توصلنا إلى غاية خلْقنا؟ وما هي التَّدابير التي اتّخذها ربّنا ومربّينا للطريق الذي نسلكه؟ وهل نستطيع وحدنا أن نجتاز هذا الطريق ونتشبّه بالله؟ كما أشرنا في الدروس السابقة، يقوم عالمنا على قواعد رياضية، ونحن كجزء من هذا العالم لسنا استثناءً من هذه القاعدة؛ أي أن بنيتنا الوجودية والمسار الذي يجب أن نسلكه لتحقيق هدفنا، مُهندَسان بالكامل ويتبعان قواعد وقوانين رياضية خاصة.

في حقيقة الأمر، لم يضع الله إلا سبيلاً واحداً لوصولنا إلى هذا التشبّه، ألا وهو التشبّه بالمثل الأعلى من ذاته، أي الإنسان الكامل. وبعبارة أخرى، الإنسان الكامل أو خليفة الله هو الكائن الوحيد الذي يُيسِّر لنا مسار الحركة والتقدم للتشبه بالله. نعتزم في هذا الدرس، دراسة أهمية وجود الإنسان الكامل أو خليفة الله باعتباره المظهر الأكمل لله، وسنبين لماذا الوصول إلى الله غير ممكن من أي طريق آخر.

لماذا الإنسان الكامل؟

كما أشرنا في الدروس السابقة، نحن ككائنات نملك محدوديات مادية وطبيعية، لا يمكننا التواصل مع اللانهائي والوجود المطلق. ولا يتسنى لنا هذا التواصل إلا عندما يتحدد الوجود المطلق واللانهائي لله في قالب الله، ويُظهر لنا أسماءه وصفاته. لكن النقطة هنا هي أن كل موجود يُجسد هذه الأسماء والصفات بمقدار سعته. فعلى سبيل المثال، لا يمكن لحجر أن يُظهر صفة الرحمة أو العفو أو الكرم الإلهي، ولا يستطيع نبات أن يُظهر  سوى أسماء وصفات معينة من الله ويعجز عن إظهار بقية هذه الصفات. إن التجلي الكامل لله، الذي هو مرآة تعكس جميع أسمائه وصفاته، ويحمل جميع صفات الله بالفعل في وجوده، هو المثل الأعلى أو الإنسان الكامل.

خلق الله الإنسان على نحوٍ تتشابه فيه بنيته الوجودية مع صفات الله، بمعنى أنه يمتلك القابلية لأن يعكس أسماء الله وصفاته الكامنة فيه. ولكن من الطبيعي أنه على الرغم من وجود القدرة على التشبه، فإن الوصول إلى هذا الأمر غير ممكن دون وجود نموذج دقيق وكامل من الله. ففي الحقيقة، عند الارتباط بأي شيء آخر غير التجلي الكامل لله، بدلًا من أن يجعلنا شبيهين بالله، سيُبعدنا عنه ويؤدي بنا إلى الضلال، لأنه يُظهر جزءًا فقط من كمالات الله، ويُوجد لدينا وهم الوصول إلى التشبه.

من هذا المنطلق، فإنّ الله الذي جعل هدف خلقنا التشبه به، وأرسلنا إلى نادي الدنيا لتحقيق هذه الأسماء والصفات، قد دبّر هذا التشابه حتى قبل خلقنا. أي أنه في أول تجلي له، خلق لنا النموذج الأسمى والأكمل منه، كمرآةٍ تعكس صورته كاملة، ونموذجٍ يحتذى به. فالإنسان الكامل يعمل كوسيط، يمتلك القدرة على التواصل مع التركيبة الوجودية للإنسان، وفي الوقت نفسه، وبسبب تجليه الكامل لأسماء الله وصفاته، يتيح لنا رؤية هذه الأسماء والصفات الإلهية في قالب إنسان، والتشبه بالله.

التناغم البنيوي بين نظامنا الوجودي والإنسان الكامل

إذن، لا يمكن لنا أن نتشبه بالله أو نقترب من صفاته إلا إذا حققنا الانسجام بين نظامنا الداخلي ووجودنا مع الإنسان الكامل، وقمنا بمواءمة أسلوب حياتنا، وطريقة تفكيرنا، واهتماماتنا، وأولوياتنا مع سلوكيات واختيارات الإنسان الكامل.

فأي اختلاف أو عدم التطابق مع نمط حياة أو نهج وليّ الله سيؤدي إلى نتيجة مغايرة للتشبه بالله. في الواقع، الشخص الذي يبتعد عن المتخصص المعصوم ولا تربطه به علاقة، يبتعد عن المسار الصحيح والهدف الذي حدده الله لإكمال وجوده. وبما أنه لا يقصد التشبه بالنموذج، فإنه لن يصل أبدًا إلى السعادة والكمال.

من اللافت للانتباه أننا نلتزم بقاعدة اتباع النموذج والوصول إلى الشبه في مختلف مراحل حياتنا. على سبيل المثال، لتحقيق النكهة التي نرغبها في الطعام، فإننا ننفذ وصفة الطهي بدقة متناهية، أي أننا نؤمن بأن زيادة أو نقصان المكونات الأولية أو تغيير في الوصفة سيحول بيننا وبين الوصول إلى المذاق والنتيجة التي نتطلع إليها. أو أننا نعلم أن أي تغيير، مهما كان صغيرًا، في مقاسات النموذج سيؤدي إلى اختلاف النتيجة النهائية للخياطة لدينا عن النموذج الذي نريده؛ لكننا نتوقع، رغم ابتعادنا عن المسار الوحيد للشبه بالله، أن نصبح في النهاية شبيهين به.

المسار الوحيد المعتمد

في هذا الكون، الحقيقة المطلقة الوحيدة هي الله، والتجلّي الكامل لله هو الإنسان الكامل، أي الإمام أو المتخصص المعصوم. لذا، فإن اختيار أي طريق آخر غير طريق الاقتداء بالمتخصص المعصوم، حتى وإن كان يبدو في ظاهره مُرضيًا ومقبولًا، لن يُوصلنا إلى وجهتنا المنشودة، ولن يُحقق الهدف الذي أراده الله لنا.

ولعلّ خير مثال على اتباع المتخصص المعصوم والانسجام معه، قصة السفينة في خضمّ المحيط. فالشخص الذي يختار سفينة آمنة لعبور العواصف والوصول إلى وجهته، رغم ارتكابه أخطاءً صغيرة، سيصل في النهاية إلى مبتغاه. أما من يُحاول عبور المحيط بمفرده، حتى وإن لم يرتكب أخطاءً، فسوف يتيه في أمواج البحر المتلاطمة، ولن يصل أبدًا إلى وجهته.

من هنا، فإنّ كل شخص سيُحشر يوم القيامة مع إمامه، ولا يُقبل من أحدٍ السيرَ بمفرده. ذلك أنّ اتباع المتخصص المعصوم والانسجام معه، باعتباره التجلّي الأكمل لله، هو الطريق الوحيد لبلوغ غايتنا والتشبه بالله، وهو مفتاح سعادة كل فرد منا. في الواقع، لا يجوز قبول أي ولاية أخرى غير ولاية الإنسان الكامل؛ لأن الولي المعصوم وحده هو الذي يمتلك ليس فقط التخصصات اللازمة لهدايتنا، بل أيضًا، ولكونه أشبه الموجودات بالله، لديه القدرة على إيصالنا إلى الله.

اكتب رأيك