ما هي النسبة الوجودية؟ هل نَعتبر وجودًا لرحم الأم إذا لم تكن هناك دنيا؟

جدول المحتويات
ماهي النسبة الوجودية وما هي العلاقة بين الرحم والدنيا والآخرة؟

ماهي النسبة الوجودية وما هي العلاقة بين الرحم والدنيا والآخرة؟

كيف ستتفاعل إذا دُعيتَ لزيارة منزل أحد أصدقائك في مدينة ليس لها وجود خارجي؟ قد يبدو هذا غريبا و غير منطقيا بالنسبة لك، أو قد تعتبرها أكثر كمزحة، إذ أنك قد قبلت فكرة أن الشرط الأساسي لوجود أي منزل يتطلب وجود مدينة يتم فيها بناءها. ولذلك، فإن الشرط الأساسي لوجود أي شيء هو وجود الظروف والمتطلبات الأساسية له. على سبيل المثال، إذا لم يكن هناك شجرة، فلن يكون هناك فاكهة، واذا لم يكن هناك إنسان، فلن يتم تعريف أجزاء جسمه للنمو، أو تعرضه للألم أو الضرر.

هناك نسبة وجودية بين رحم الأم والدنيا، أي أنه إن لم تكن هناك دنيا، فلن يكون هناك أم أو رحم يتشكل فيه الجنين ويتكامل. في الواقع، فإن جميع العمليات التي تحدث في رحم الأم تتم إدارتها بواسطة الدنيا، بدءًا من درجة الحرارة التي يتم فيها تكوين الجنين، إلى كمية الغذاء التي يتلقاها، والظروف الصعبة أو السهلة التي يواجهها أثناء نموه وتطوره، وما إلى ذلك. لا يمكننا أن نتخيل رحم الأم بدون وجود الدنيا، إذا كانت جهود الجنين داخل رحم الأم قابلة للفهم بالنسبة لنا، فهي بفضل وجود الدنيا، وعند قطع الروابط بين أجزاء رحم الأم والدنيا، لا يتبقى شيء من ذلك الإتقان.

وفقًا لقاعدة النسبة، هناك نسبة وجودية بين الدنيا وعالم الآخرة. هذا يعني أنه لو لم تكن هناك آخرة محيطة بالدنيا فإن الدنيا لن تكون موجودة. في الحقيقة، كما أن مفهوم رحم الأم يُعرَّف من خلال وجود الدنيا، فإن تعريف مفهوم الحياة الدنيا بأكمله يتم من خلال وجود الآخرة، حيث أن جميع الأحداث والأمور في هذه الدنيا يتم إدارتها بواسطة البرزخ والعالم المحيط به. ترتبط كل عناصر الحياة بالبرزخ والآخرة، و فور انقطاع هذا الارتباط بين الدنيا والآخرة، يتلاشى الوجود ويتجه كل ما فيها نحو الفناء والزوال.

النسبة الوجودية بين رحم الأم والدنيا والآخرة

إذا كنا نرغب في استكشاف العلاقة والنسبة الوجودية بين الدنيا ورحم الأم بدقة أكبر وتفصيل أعم، نجد أن الدنيا كعالم عظيم ومتقدم ومليء بالعجائب، يخلق عالمًا آخر بداخلها يعرف باسم رحم الأم. هذا العالم صغير وتافه مقارنة مع الدنيا، إلا أنه يتميز بقدرة فريدة، وهي القدرة على البناء. ترسل الدنيا شيئًا من بطنها إلى رحم الأم، حيث يتفاعل مع جزء من رحم الأم، مما يؤدي إلى التقسيم الخلوي ونمو الأعضاء وتكوين الجنين. وفي النهاية، ينتقل الجنين المتكون بعد تطوره إلى الدنيا ويُعِدّ نفسه للحياة في فضاء أكبر وأكمل وأكثر تقدمًا وأقوى من رحم الأم. في الواقع، فإنا نواجه سيرًا نزوليًا من الدنيا إلى رحم الأم، وبعد ذلك سيرًا صعوديًا من رحم الأم إلى الدنيا. ووفقًا لقاعدة النسبة، تتشابه العلاقة بين الدنيا والملكوت، أو بمعنى آخر العالم بعد الدنيا، بالعلاقة بين رحم الأم والدنيا.

تتدفق هذه النسبة الوجودية في العلاقة بين الدنيا والآخرة، ونجد فيها هذا السير أيضا من النزول والصعود الذي تم التطرق إليه فيما يخص برحم الأم وعالم الدنيا. بشكل آخر، فإنه رحلة روحنا تبدأ بالنزول من عالم أوسع وأكثر اكتمالًا إلى عالم الدنيا، حيث تندمج مع النطفة كجزء من عالم الدنيا، ثم بعد أن تتجاوز محن التطور تعود مرة أخرى إلى ميدان الآخرة. يعتبر عالم الآخرة ملكوتًا للدنيا، يبرز العالم الأوسع والأكمل والأكثر تطورًا من الدنيا و تتطلب ال قرارمرتكك ورق حياة فيه استعدادًا تامًا. ينبع هذا الاستعداد من رحم الدنيا الذي يحمل بين طياته قدرة خارقة على بناء جوهر روحنا.

مسار النزول والصعود للروح من الآخرة إلى الدنيا

في العلاقة بين رحم الأم والدنيا، وكذلك في العلاقة بين الدنيا والآخرة، يظهر أولاً وجود عالم يخلق رحمًا ذا قدرة بناءة في نفسه، ثم ينتقل الكيان الذي يحمل إمكانيات التطور من عالم أعلى إلى عالم الرحم. وبعد أن يمر بمراحل التطور ويحقق التأهيل للدخول إلى العالم الذي نشأ فيه، يعود مرة أخرى إلى مأواه الأصلي.

باختصار، يمكننا القول إن هناك ثماني مراحل في هذه العملية:

  • الأولى: يبدأ التكوين لبيئة خاصة تُعرف باسم “رحم الدنيا” داخل عالم الآخرة، حيث تتمتع هذه البيئة بقدرة البناء متوافقة مع الظروف البيئية لعالم الآخرة.
  • الثانية: يلي ذلك التكوين لبيئة تعرف باسم “رحم الأم” داخل عالم الدنيا، حيث تتمتع هذه البيئة بقدرة البناء متوافقة مع الظروف البيئية للدنيا.
  • الثالثة: دخول كائن قادر على الصيرورة والتكامل أو بالمصطلح الفلسفي كائن ذي قوات كامنة يُسمى بالنطفة، حيث ينتقل من عالم الدنيا إلى رحم الأم، ويتم تشكيل خلية البويضة ومن ثم تشكيل الجنين.
  • الرابعة: دخول كائن قادر على الصيرورة والتكامل، وبالمصطلح الفلسفي كائن ذي قوات كامنة يُسمى بالروح، حيث ينتقل من عالم الآخرة إلى رحم الدنيا.
  • الخامسة: يرتبط بدخول الروح إلى رحم الأم لاكتساب قدرة الحياة في الدنيا وتطور الجسم.
  • السادسة: عودة الكائن ذي القدرات الكامنة إلى العالم الذي أتى منه بعد اكتساب القدرات اللازمة (أو بمعنى فلسفي، بعد تحقيق القدرات) من رحم الأم إلى عالم الدنيا.
  • السابعة: يُعد الكائن ذي القدرات الكامنة في الدنيا لاكتساب القدرات الضرورية للحياة في الآخرة.
  • الثامنة: عودة الكائن ذي القدرات الكامنة إلى عالم الآخرة، حيث يتم تفعيل القدرات والسمات الجوهرية للروح.

 

يفقد الوجود معانيه العميقة بدون وجود عالم الدنيا، حيث أنه لا يكون هناك أم، ولا يحمل وجود رحم محمي بدفء الأمومة. يختفي السير النزولي والسير الصعودي، وتتلاشى روح التطور والكمال. يحكم الأمر نفسه في ظل غياب عالم الآخرة: ينعدم وجود الدنيا، يختفي السير النزولي والسير الصعودي، وتتبدد مفاهيم التطوير والكمال.

 

استعرضنا في هذا المقال النسبة الوجودية بين رحم الأم والدنيا، وكذلك بين الدنيا والآخرة. شددنا على أن وجود رحم هو نتيجة وجود عالم يتم خلق الرحم في داخله ويدير الأحداث فيه. لا يوجد وجود للرحم ولا يحدث أي تطور بلا وجود لهذا العالم الذي يضم الرحم، ويتوقف التطور. في السياق ذاته، قدمنا تفصيلاً أعمق حول عملية النزول نحو رحم الأم ورحم الدنيا، ملقين الضوء على مراحل التطور وعملية الصعود نحو عالم يحتوي على رحم الأم ورحم الدنيا.

 

وفقًا لقانون النسبة، لا تقتصر العلاقات بين رحم الأم والدنيا، وبين الدنيا والآخرة على النسبة الوجودية. ويمكنكم الاطلاع على مقالاتنا الأخرى لفهم جوانب أخرى لهذا المفهوم والمشاركة بآرائكم حوله.

 

اكتب رأيك