لماذا نحتاج الى إعادة تعريف الإنسان ومفهوم الإنسانية، هل تعريفنا الحالي عنها صحيح؟
إذا كنا نبحث عن تعريف شامل و كامل لظاهرة ما، فيجب علينا اخذ جميع الأبعاد والخصائص في الاعتبار و نقدم تعريفا بناءً على جميع هذه الجوانب. إن عدم مراعاة الأبعاد الرئيسية للظاهرة قد يؤدي إلى تعريف خاطئ لها، مما يؤدي إلى عواقب مختلفة. ولهذا السبب فإن إعادة تعريف الإنسان ومفهوم الإنسانية ضرورية جداً.
إنّ الإنسان، ذلك المفهوم الشامل الذي يحمل تعاريف مختلفة. حينما نقوم بالبحث عن هذه الكلمة عبر الإنترنت، نجد أمامنا ملايين النتائج تظهر في جزء من الثانية. تتنوع هذه التعاريف بين العامة والتفصيلية، متناولةً جوانب مختلفة من حياتنا ووجودنا أو تتحدث عن فئة معينة من المجتمع. ومن هذا المنطلق، نشأت مدارس فكرية متعددة تصورت الإنسان من زوايا مختلفة. ولكن، هل ما مدى صحة هذه التعاريف والنتائج لتوضيح جوهر الإنسان وتعقيدات وجوده؟
لماذا لم نتفق على تعريف واحد حول الإنسان رغم آلاف السنين من تاريخ البشر على هذه الأرض؟ هل يمنعنا تعقيد وجودنا من اكتشافه بالكامل والوصول إلى تعريف مشترك عن أنفسنا؟ لماذا ينطبق كل تعريف فقط على مجموعات أو أفراد معينة مع العديد من الاستثناءات؟ كم يؤثر فهم جميع أبعاد وجود الإنسان على مدى صحة ودقة هذه التعاريف؟ هل هناك تعريف يمكن تعميمه على جميع البشر بغض النظر عن أعراقهم وثقافاتهم وأديانهم ولغاتهم وجغرافياتهم وزماناتهم؟ لماذا يتطلب إعادة تعريف الإنسان ومفهوم الإنسانية أهمية خاصة، وكيف ستؤثر إعادة تعريف الإنسان والإنسانية على حياتنا؟
يحتوي وجود الإنسان على خمسة أبعاد وإذا أردنا الوصول إلى تعريف كامل عن وجودنا، يجب أن نعطي كل بعد حقه حسب أهميته، ويجب أن يكون البعد الرئيسي لدينا هو الذي يلعب الدور الأكبر في بيان تعريفنا.
سنسعى في هذا المقال إلى استعراض مختلف التعاريف والآراء، وإعادة تعريف الإنسان ومفهوم الإنسانية، بالإضافة إلى دراسة التيارات المختلفة. سنبحث في أسباب عدم ملائمة كثير من هذه التعاريف للاستخدام العام. كما سنحاول وضع معيار لاختيار التعريف والتيار المناسبين، ونقدم تعريفًا ومدرسة أكثر انسجامًا وشمولية للإنسان، بهدف إنقاذنا من الغرق في متاهة آلاف التعاريف حول طبيعة الإنسان.
تعاريف الإنسان المتاحة
مضت فترة طويلة منذ بداية الاهتمام العلمي بالإنسان، حيث قام العلماء بدراسة جوانبه المتعددة من كل زاوية. نتج عن هذه الجهود الجميلة والسنوات الطويلة من البحث تأسيس مدارس فكرية متعددة وفروع علمية متنوعة، ومن بين هذه الفروع: علم الإنسان التجريبي، والصوفي، والفلسفي، والثقافي، والديني. في كل هذه المجالات والمدارس، تم تقديم تعاريف متفردة للإنسان، ولذا يعتبر الخطوة الأولى نحو إعادة تعريف الإنسان هي دراسة هذه التعاريف بعمق وانتباه. عند البحث عن تعريف للإنسان، يمكن أن نجد مجموعة متنوعة من التعاريف التالية في الكتب، والمقالات، والمواقع المختلفة:
– الإنسان حيوان ناطق.
– الإنسان هو ذئب الإنسان.
– الإنسان حيوان صانع الأدوات.
– الإنسان مخلوق حضاري.
– الإنسان حيوان متطور.
– الإنسان مخلوق يمشي على قدميه وله أظافر عريضة.
– الإنسان مخلوق حي وذو رؤية وميول إلهية.
عندما نلقي نظرة سريعة على التعاريف المذكورة أعلاه، ندرك وجهة نظر أولئك الذين قدموا هذه التعاريف حول الإنسان، وندرك أيضًا ضرورة إعادة تعريف الإنسان ومفهوم الإنسانية بشكل أعمق وأكثر تفصيلًا. فإذا قبلنا أن الإنسان يمكن أن يُعرف ببساطة على أنه حيوان ناطق، وأن الفارق الوحيد بينه وبين الحيوانات الأخرى هو قدرته على التحدث والتعبير، فهل نستبعد الصم والبكم من نطاق البشر؟ وهل نرى الشرير والمخلص على قدم المساواة، على الرغم من أن كلاهما يتمتع بالقدرة على التحدث؟ وهل يمكننا أن نعتبر الذين يتصرفون كالذئاب ويستغلون الآخرين لتحقيق مصالحهم من الإنسان حقًا؟ إذا أجبنا لهذه الأسئلة سلبيًا، فماذا يعني تعريف الإنسان كذئب الإنسان؟
جميع الأسئلة والإجابات المطروحة أعلاه تشير إلى أهمية إعادة تعريف الإنسان ومفهوم الإنسانية بشكل صحيح وشامل. ينبغي لنا بالفعل أن نسعى جاهدين لتحقيق تعريف يمكن تطبيقه على جميع الأفراد والمجتمعات، لأن هناك أدلة كثيرة تشير إلى عدم كفاية جميع التعاريف التي تم طرحها حتى الآن وعدم إمكانية استخدامها بشكل عام.
ضرورة اختيار منهج صحيح لفهم الإنسان
أشرنا في الدروس السابقة، إلى ضرورة معرفة النفس في الحياة. هذه النقطة غاية في الأهمية؛ إذ ينبغي لنا أن نعرف وجودنا ومكانتنا حيث إنّ هذا الفهم يمهد الطريق لاستكشاف العلوم الأخرى ويؤثر في تحديد نمط حياتنا وحتى في إقرار القوانين التي تحكم المجتمعات. عندما نتحدث عن معرفة النفس، فإن ذلك يعني أنه يجب علينا التعرف على مواهبنا وقدراتنا ونقاط ضعفنا، وكيفية الوصول إلى مستوى الكمال. ولكن ما هو السبيل إلى الوصول إلى هذا الفهم؟
عندما نسعى لفهم موضوع ما، يأتي الاختيار بين البحث الشخصي أو الاعتماد على أبحاث الآخرين والتأكد من موثوقيتها قبل اتخاذ أي إجراء. وهذا ينطبق بالضرورة على موضوعنا الحالي، إعادة تعريف الإنسان ومفهوم الإنسانية. عندما نختار الاعتماد على الأبحاث السابقة، نجد أن هناك العديد من المناهج والمدارس الفكرية التي قدمت نظرياتها حول كمال الإنسان والإنسان الكامل. ولكن ما هو التعريف الذي يمكن الاعتماد عليه؟ ما هو النهج الذي يجمع بين الشمولية والكمالية والموثوقية؟
يمكن تقسيم المدارس والعلوم الموجودة إلى فئتين؛ فئة تقوم بدراسة المادة والطبيعة، ومن أمثلة ذلك علم الإنسان التجريبي، والفئة الأخرى تستند إلى الروحانية وعالم ما وراء الطبيعة في بحثها، ومن أمثلة ذلك علم الإنسان الصوفي والديني.
تحدثنا سابقا بالتفصيل عن الأساليب المختلفة لعلم الإنسان وفوائدها وأضرارها. ومن أضرار المدارس المادية هو اعتقادهم أنه يمكن فهم الإنسان من خلال العقل والعلم فقط، وهذا يؤدي إلى فهم شبح للإنسان[1]، لأن العقل والعلم كلاهما محدود ولا يمكنهما الوصول سوى إلى فهم جزئي فقط فهم الإنسان جزئيًا وعلى مستوى الأبعاد الجسدية والظاهرية فقط.
إذا قامت المجتمعات بالتركيز على الجانب الجسماني والمادي من الأفراد فقط، فإن جميع خططها ستوضع لتعزيز هذا الجانب فقط. لكن هل يتكون الإنسان من جسد فقط أم أن هناك شيئًا فوق ذلك؟
العلماء الذين يعتمدون فقط على الجانب الجسدي وينظرون بنظرة حيوية إلى الإنسان، يرون الروح أيضًا كشيء مادي؛ حيث يُعتبر المخ والحبل الشوكي والجهاز العصبي هم المقصودون في تعريفهم للروح أو النفس. ومع ذلك، هل يمكننا تعريف الإنسانية بناءً على النواحي الحيوية واستنادًا إلى الخصائص البيولوجية فقط؟ إذا أخذنا الأبعاد الخمسة من وجود الإنسان في الاعتبار، ما هو الجانب الذي يجب أن ندرسه بجدية لنصل إلى تعريف شامل لأنفسنا؟
ما هي الكمالات التي تجعل منا إنساناً؟
إننا نمتلك أبعاد وجودية متعددة، مزودة بميزات متنوعة واختلافات في الكمالات. سبق لنا أن تطرقنا إلى تقديم خمسة أبعاد: الجمادية، والنباتية، والحيوانية، والعقلية، وماوراء العقلية، مع التركيز على كمالاتها الخاصة. حيث أكدنا أن أيًا من هذه الأبعاد الأربعة وكمالاتها لا يجعلنا يتحقق لقب الإنسان. إذاً، طالما أن الكمالات الجمادية، والنباتية، والحيوانية، والعقلية هي محبوباتنا، فلن نكتمل كالإنسان؛ يعني رغم أننا قد نمتلك صورة إنسانية، إلا أنّنا لم نحقق الجوهر الإنساني الذي خُلقنا من أجله. كل هذه الأبعاد تحمل قيمة وكمالًا في حد ذاتها، ومع ذلك ليست كمالات إنسانية، بل تُعتبر مجرد بداية لنيل الكمال الإنساني.
يبرز التوازن والتناغم في أبعاد وجودنا كمقياس للكمال. ينبغي لنا التركيز على كل جانب من جوانب وجودنا بحسب أهميته، وإذا زاد نمو جزء عن الآخر، سنكون غير متناسقين و غير متوازنين. ومع ذلك، يجب ألا ننسى أن التوازن لا يعني بالضرورة المساواة! لفهم عدم التوازن، يمكنك تصوّر طفل حيث ينمو جزء أو أكثر من أجزاء جسمه بشكل أكبر من الأخرى، مما يخلق صورة غير متناسقة وغير جميلة.
في تعاريف مختلفة قدمتها مدارس علم الإنسان عن الإنسان، يتم التركيز عادةً على جانب محدد من أبعاد وجوده، استنادًا إلى فلسفة ومنهجية كل مدرسة؛ فعلى سبيل المثال، في مدرسة علم الإنسان التجريبي، يُولي اهتمامًا كبيرًا للأبعاد التي يمكن رؤيتها واختبارها بشكل ملموس للإنسان. مما يؤدّي إلى تجاهل الجوانب غير الملموسة لوجودنا، مثل النوايا والمشاعر والإيمان وغيرها. وهذا الإهمال يؤثر سلبًيا على الفهم والتعريف النهائي للإنسان الذي يقدمه هذا النهج التجريبي.
يدعّي “كانط”، كأحد علماء علم الإنسان التجريبيين أن المعرفة والحواس هي التي يجب أن تخبرنا من نحن[2]. بناءً على هذا التعريف الذي يعتبر الجسم والحواس الظاهرية ذات أهمية خاصة، هل تُؤخذ الروح في الاعتبار أيضًا؟ لا بد أن يستلزم ذلك درجة عالية من الوعي و دقة الحواس لكي نستطيع الادعاء أن التعريف المقدم صحيح؟ و هل تتساوى جميع الحواس والمعارف؟ إن التعريف الذي يُقدم على هذا الأساس لا يمكن تعميمه على جميع الأفراد، لذلك فلن يكون كاملاً.
تتنوع الآراء بشكل كبير في سياق تعريف الإنسان من منظور فلسفي وعرفاني. فالفلسفة تعتمد في بعض الأحيان على العقل والتفكير، بينما تعتمد في أحيان أخرى على النتائج التجريبية، مما يعني تجاهل الجوانب ماوراء الطبيعية وغير المادية للإنسان. أما العرفان، فيعتبر مسارًا فرديًا لا يمكن تطبيقه بشكل عام على الجميع، بل هو طريق فردي لكل فرد.
تبين دراسة هذه المدارس والتعاريف أنها، بما أنها لا تأخذ بعين الاعتبار جميع جوانب وجود الإنسان في بحوثها، فإنها لا تستطيع تقديم تعريفًا شاملا وكاملا، وبالتالي فإن تعاريفها تقتصر على جزء صغير من وجود الإنسان المتعدد الأبعاد.
إننا بحاجة ماسة إلى إعادة تعريف الإنسان ومفهوم الإنسانية لننقذ أنفسنا من الأضرار التي قد تلحق بنا جراء التعاريف الناقصة والخاطئة؛ فتحديد نمط الحياة والسلوك وتنظيم القوانين بناء على تلك التعاريف الناقصة يجعلنا ككائنات بشرية مركزة على جزء أو أكثر من وجودنا فقط، مما يؤدي في النهاية إلى نتائج تشبه ذلك الطفل مع التناغم غير المتماثل الذي وصفناه. في إعادة تعريف الإنسان ومفهوم الإنسانية، الإنسان الكامل هو الذي تنسجم فيه جميع جوانب وجوده وقيمه، بما في ذلك العقل، والحب، والعدالة، والخدمة، والعبادة، والحرية، كلها تنمو في أقصى درجاتها.
خصائص المدرسة العليا لمعرفة الإنسان
إنّ النظريات والتعاريف التي يتم تقديمها في العديد من المدارس الفكرية، ولا سيما المدارس المادية بشأن الإنسان، تظهر تفاوتًا واضحًا وعدم اتساق. تضع بعض التعاريف الإنسان في أعلى مراتب الكرامة، بينما تجعل أخرى ينزلق إلى أدنى مستويات الذل. أحد أهم الأسباب التي تجعل المدارس المادية غير قادرة على تقديم تعريف شامل وكامل للإنسان هي عدم أخذ البعد الأساسي لوجود الإنسان بعين الإعتبار، وهو جانبه ماوراء العقل؛ فنحن لا نميز عن باقي الكائنات ولا نستحق لقب الإنسان إلا بالتركيز على هذا الجانب الذي يمنحنا كرامتنا الإنسانية ، حيث نشترك في كل من الأبعاد الأخرى الوجودية مع مخلوقات أخرى.
ليس التعريف الخاطئ للإنسان مجرد مسألة نظرية في بضع كلمات أو جُمل في الكتب، بل هو أمر ينطوي على عواقب وخيمة تمتد إلى مختلف جوانب حياة البشر، منها نشوء المشاكل في ميادين الأخلاق، والأسرة، والتربية، والعلاقات الاجتماعية، والزواج، والاقتصاد، واختيار المهنة، والأنشطة التجارية. وهذا هو السبب الذي يجعل إعادة تعريف الإنسان وفهم الإنسانية ضرورية.
وضحنا في هذا النص، وجود آراء متنوعة في مجال علم الإنسان، مما يدعو إلى إعادة النظر في تعريف الإنسان وفهم الإنسانية؛ حيث تقدم كل مدرسة تعريفه الخاص للإنسان. فمنها من يقتصر تعريفه على الجانب المادي باستخدام أدوات الحواس والتجربة، ومنها من يبرز دور العقل في التعريف، وهناك فئة أخرى تؤمن بدور الخالق في تبيين هذا التعريف.
كما قمنا بالإشارة إلى بعض التعاريف المعروفة حول الإنسان، ونقصها وعدم قابليتها للتعميم. كما طرحنا ضرورة اختيار مدرسة قادرة على تقديم تعريف شامل وكامل للإنسان والإنسانية. أكدنا أنه يجب أن نفهم أبعاد وجود الإنسان والجانب الأساسي لوجوده من أجل تحقيق إعادة تعريف الإنسان وفهم الإنسانية بشكل صحيح. وفي النهاية، أشرنا إلى أن التعريفات الخاطئة للإنسان تترك تأثيرات سلبية كبيرة على الأخلاق، والعلاقات، وأسلوب الحياة، وجميع نشاطات الأفراد والمجتمعات.
ما هي التعاريف التي قرأت أو سمعت عنها حول الإنسان؟ هل يمكنك قبول هذه التعاريف من خلال الرجوع إلى نفسك؟ هل يوجد استثناء يمنعك من قبولها؟ نحن سعداء إذا شاركتم آراءكم حول إعادة تعريف الإنسان ومفهوم الإنسانية معنا.
هل لديك خبرة سابقة بقراءة أو سماع تعاريف متنوعة عن الإنسان؟ هل تعتقد أنك قادر على قبول هذه التعاريف من خلال الرجوع إلى نفسك؟ أم تجدها تحمل بعض الاستثناءات التي تعيق قبولها؟ نرحب بمشاركتك حول إعادة تعريف الإنسان وفهم الإنسانية.
[1] . صحيفة الإمام الخميني، ج8، ص 327
[2] https://cte.univ-setif2.dz/moodle/mod/page/view.php?id=81584