ما هو هدف خلق العالم ولماذا خلق الله هذا النظام المعقد؟
كما ذكرنا في الدروس السابقة، تتحرك مخلوقات العالم کافة من النباتات والحيوانات إلى الجبال والبحار والصحاري، نحو هدف محدد بناءً على هداية تكوينية وبرنامج دقيق وهندسي. یوجدلكل منها دور ومكانة خاصة في نظام الوجود. علی سبیل المثال تعد التربة والميكروبات التي فيها بيئة لنمو النباتات، وتکون الجبال مناجما للمعادن، والفلزات، والأحجار الكريمة، وقاع المحيطات والبحار هو مكان لتكوين النفط الخام، و إلى آخره.
إذا نظرنا بعناية إلى أجزاء العالم، لن نجد بروتونًا أو إلكترونًا واحدًا بدون عمل أو فائدة. حتى المخلوقات التي قد نظن أنها ضارة أو خلقت عبثًا ، كلها تؤثر في الدورات البيئية للطبيعة، وإذا أزيلت، فسيتأثر تدفق الحياة على كوكب الأرض. كل هذه الأمور تمثل جزءًا بسيطًا من النظام والتنسيق بين الظواهر على الأرض. أما السماء فإنها أيضًا مليئة بالعجائب! وعلى الرغم من كل هذا التقدم العلمي، لم يتمكن البشر بعد من الوصول إلى أعماقها وفهم فلسفة وجود الأجرام السماوية ومكانتها في نظام الوجود.
وبطبيعة الحال فان هذا النظام المتناسق والمرتب في الظواهر يثير في أذهاننا المتسائلة عدة أسئلة مهمة:
ما هو هدف خلق العالم؟
ما هو موقعنا البشر في هذا النظام المعقد؟
هل نحن مجرد أعضاء بسيطين وعاديين في هذا العالم مثل النباتات والحيوانات؟ أم یوجد هناك علاقة بيننا وبين ظواهر العالم؟
في هذا الدرس، نود التحدث عن هدف خلق العالم ومكانة الإنسان في نظام الوجود. ولكن قبل ذلك، من الضروري أن نشرح نقطة مهمة تتعلق بالسؤال الأول وهو “ما هو هدف خلق العالم”.
الرد على شبهة

عندما نسأل “ما هو هدف خلق العالم؟” قد يتطرق الی أذهاننا معنيان:
الأول: ما الهدف الذي كان الله يسعى لتحقيقه بخلق العالم؟
الثاني: ما الهدف الذي أراد الله أن يصل العالم إليه من خلال خلقه؟
إذا كان المقصود من السؤال هو المعنى الأول، فإن السؤال خاطئ بالاساس، لأننا بذلك نقارن الله بأنفسنا ونفترض أن الله، مثلنا، يسعى لتحقيق أهداف شخصية. بينما في الحقيقة، هدف الله في أعماله يختلف تمامًا عن هدفنا في أعمالنا.
نحن البشر كائنات مليئة بالاحتياجات، وكل ما نقوم به هو لسد هذه الاحتياجات والنواقص. على سبيل المثال، فاننا نأكل لنسد جوعنا، ونرتدي الملابس لنحمي أنفسنا من الحرارة والبرودة، ونبحث عن المعرفة لنزيل جهلنا، وهكذا. أما الله فهو الكمال المطلق، ولا ينقصه شيء ليحتاج إلى سد نقص ما.
خلق الله العالم لأنه الخالق، وهذا جزء من ذاته. ان تصور إله ليس بخالق يشبه تصور مربع بثلاثة أضلاع: المربع بثلاثة أضلاع لم يعد مربعًا. كذلك، الله بدون صفة الخالقية ليس إلهًا، لأن الله هو الكائن الذي يمتلك جميع الكمالات والصفات العليا.
إذًا، لم يكن لله هدف شخصي من خلق العالم، بل خلقه لهدف آخر، ولكن ما هو ذلك الهدف؟
العالم في خدمة الإنسان
ظواهر العالم لا تعد ولا تحصى، وكلها مهمة وفعالة في مواضعها، لكن مكانة الإنسان تختلف تمامًا عن جميع المخلوقات الأخرى. إذا حذفنا الإنسان من خريطة العالم، فإن كل شيء سيفقد معناه الأصلي.
الإنسان، في نظرة عامة، جزء من نظام الخلق ومخلوق من مخلوقات الله، لكن عند النظر بتمعن، فاننا نجد أن مكانته تختلف تمامًا عن باقي المخلوقات. يتمتع الإنسان بقيمة ومكانة عظيمة، حيث سخر الله له السماوات والأرض[1]، وخلق كل ما على الأرض من أجله[2]. إذًا، الهدف من خلق العالم هو تمهيد الوجود للإنسان، وخُلقت كل المخلوقات الأخرى لتكون في خدمة الإنسان وتلبية احتياجاته.
لقد أعطى الله البشر قدرات استثنائية، ومن بينها القدرة على التفكير والعقل. باستخدام هذه القدرة، يمكننا تسخير الكون لخدمتنا، يمكننا بناء غواصات والسفر إلى أعماق البحار والمحيطات، و بناء سفن فضائية واستكشاف ما يحدث في الكواكب الأخرى، و الدخول إلى داخل الذرات والجزيئات وتغيير بنيتها وفقًا لرغباتنا، و تسخير الرياح واستخدام الطاقة الناتجة منها لتوليد الكهرباء. كل هذه الأمور تدل على المكانة الخاصة التي أعطاها الله لنا.
من ناحية أخرى، فان العلاقة بيننا وبين الكون ليست مجرد علاقة حضور فيزيائي بسيطة، بل إن أبعاد وجودنا تتناسب وتتوافق مع ظواهر العالم. عند خلق الكون، فقد نظر الله إلى كل شيء من منظورنا وصمم عناصر الكون لتتناسب مع احتياجاتنا، بدئا من طول موجات الضوء وترددات الصوت إلى العناصر الغذائية الموجودة في الأطعمة، وتركيز الأكسجين في الهواء وآلاف الظواهر الأخرى. عند خلق الكون أخذ الله ميولنا الفطرية في عين الاعتبار ، فمثلاً، لترضية ميلنا للجمال، خلق ملايين الزهور الزخرفية بألوان وعطور متنوعة، أو لترضية تنوعنا في الطعام، وفر لنا أنواعاً مختلفة من الفواكه بنكهات وألوان متعددة. بشكل عام، لا يوجد شغف داخلنا إلا وله زوج ونظير مناسب في العالم الخارجي، وهذا ينطبق على الرغبات الطبيعية والغريزية وكذلك على الرغبات الفطرية.
والآن، لماذا برأيكم وضع هذا الكون العظيم تحت تصرفنا؟ إذا كان الهدف من خلق العالم هو تلبية احتياجاتنا، ما هو الهدف من خلقنا نحن؟
كل شيء لك، وأنت لله
السؤال التالي الذي ینبغي أن يطرحه كل شخص على نفسه هو: بما أن العالم خُلق من أجلي، فلماذا خُلقت أنا؟ إذا وضعت السماء والأرض والشمس والقمر في خدمتي، فما هو الهدف من وجودي؟ هل هو كما يقول الفلاسفة المعاصرون، أن مهمتي الوحيدة هي استغلال عناصر العالم لتحقيق أهداف اقتصادية؟ أم كما يزعم مفكرو ما بعد الحداثة، أن علاقتي مع العالم تقتصر على الاستمتاع والاستهلاك؟ ما هي مهمتي في هذا العالم ومتى يتحقق الهدف النهائي من خلقي؟
تم توضيح أجوبة هذه الأسئلة بالكامل في الدروس السابقة. لتكملة النقاش، سنستعرضها مرة أخرى بمثال.
يسعى كل خالق لتحقيق هدف رئيسي محدد مسبقاً من خلال خلقه لعمله. ولكن لتحقيق هذا الهدف يتطلب توفير احتياجات معينة لا يمكن تحقيق الهدف بدونها. على سبيل المثال، الهدف الرئيسي من إنشاء مدرسة هو توفير بيئة للتعليم. ولكن لا يكتفي الشخص الذي يؤسس المدرسة ببناء الفصول الدراسية فقط، بل يخصص أماكن للترويح والرياضة، ولتقديم الطعام، وللخدمات الصحية والشرب… إلخ. هذا لأنه يعلم جیدا أنه إذا لم تتم تلبية احتياجات الطلاب الأساسية، فلن يتمكنوا من الدراسة بشكل جيد، وبالتالي لن يتحقق الهدف الرئيسي للمدرسة.
الهدف الرئيسي من خلق الله لنا هو أن نتدرج في مراتب الكمال ونصبح شبهه. ولكن لكي نسير في هذا الطريق بأمان، كان من الضروري تلبية احتياجاتنا المادية والجسمانية، وقد أتاح الله لنا هذه الإمكانيات بأشكال مختلفة. الاهتمام باحتياجات الجوانب المادية والنباتية والحيوانية والعقلية ضروري بالتاکید، ولكنها ليست الأهداف الرئيسية. الهدف الرئيسي هو النمو الانساني و ماوراء العقلي والحصول على قلب سليم.
في هذا الدرس، تعرفنا علی الهدف من خلق العالم و على مكانتنا في نظام الخلق، ولكن ما زال هناك الكثير ما يجب أن نعرفه، فما هي برأيكم؟
[1] سوره الجاثیة، الآیه 13
[2] سورة البقرة، الآیه 29