مفهوم القرب من الله وكيفية اتباع هذا المسار

جدول المحتويات
تفسير معنى القرب من الله ودور الإمام في هذا السياق

تفسير معنى القرب من الله ودور الإمام في هذا السياق

يعتبر مفهوم “التقرب إلى الله” أو “القرب من الله” من المصطلحات الراسخة في الأدب الديني والثقافة الشعبية، والتي تجتاح استخدامها بشكل واسع. يفهم الجميع هذا المفهوم بطابعهم العاطفي والداخلي، حيث يمكننا التمييز بين الأوقات التي اقتربنا فيها من الله وتلك التي ابتعدنا فيها عنه. ولكن حين يتم سؤالنا عن معنى القرب من الله بدقة، قد نجد صعوبة في تقديم تعريف دقيق لهذا المصطلح، وقد لم نفكر في المعنى الحقيقي له حتى الآن.

تتداول عادةً عبارات كـ “البُعد” و “القرب” للدلالة على البُعد المكاني. على سبيل المثال، عندما ينقص مدى ارتباطنا المكاني بشخص أو شيء، نقول إننا قد اقتربنا منه، وعندما تزداد هذه المسافة نستخدم عبارة “الابتعاد”. ومع هذا، فإنّ الله ليس كائنًا أو جسمًا، بل هو حقيقة بلا حدود وبلا مكان ومتواجد في كل مكان. لذلك، لا يعني استخدام مصطلح “القرب من الله” تقليل المسافة المكانية بيننا وبين الله، بل يعبر عن التشبه بالله. صياغات أخرى مثل “التقرب إلى الله” و”الوصول إلى الكمال” و”اكتساب صبغة إلهية” و”الوصول إلى الله” كلها تحمل نفس المعنى، ألا وهو تحقيق التشبه بالله. ولكن هناك بعض النقاط البارزة التي يجب مراجعتها حول هذا التشبه:

  • ما هي الأشياء التي يجب أن نتشبه بها في وجود الله؟
  • كيف يمكننا التشبه بالله؟
  • ما هو الغرض من هذا التشبه وما العلاقة بينه وبين هدف خلقنا؟

تناولنا في مقالاتنا السابقة بما فيه الكفاية حول ضرورة التشبه بالله والعلاقة بين ذلك و غاية خلقنا، حيث أوضحنا أن هدف خلقنا يكمن في اتباع طريق الكمال وتحقيق التشبه بالله طوعاً وباختيارنا الشخصي. ومع ذلك، لم نتناول الكثير من التفصيل عن كيفية اكتساب هذا التشبه، والصفات التي يجب أن تتجلى فينا وطريقة الوصول إلى ذلك. سنكتشف هذه المسائل بمزيد من التفصيل والعمق في ما يلي.

في ما يجب أن نتشبه بالله بالضبط وكيف

أشرنا إلى أن القرب من الله لا يعني تقليل المسافة المكانية بيننا وبينه، بل يكمن في التشبه به. لنقم بشرح هذا المفهوم بواسطة مثال يعبّر عنه بشكل أفضل. يمكننا أن نعتبر قربنا من الله كمثل قرب طالب من تحقيق كمالات معلمه. يبدأ الطالب المتفاني والمجتهد في مسيرته بدون القدرة الفعلية، بل لديه موهبة طبيعية وقدراته الكامنة فقط. بعد مدة من التعلم في ظلّ توجيهات المعلم، يكتسب المهارات اللازمة وينغمس في التدريبات بصبر واحتساب كافٍ. في النهاية، يتجاوز الطالب إلى مرحلة يظهر فيها كلّ كمالات المعلّم وتتجلى ثرواته في ذاته و يقوم بامتلاك نفس الصفات التي يتحلى بها المعلم.

ما هو الاسم؟ إنه مفهومٌ حصيل الاتحاد بين الذات والصفات. يُلقَبُ الإنسانُ بالاسمِ عندما تتجلى في وجوده صفةٌ مُحَدَّدة ويتجسد بها. يُطلق علينا لقب الرحيم عندما نظهر هذه الصفة مرارًا وتكرارًا ونمارسها من تلقاء ذاتنا ونكون متسامحين ولطيفين حتى في اللحظات الخاصة التي تُتاح لنا فيها فرص القسوة تجاه الآخرين. يُشبه ذلك بحصول شابٍّ على حرفة الحلواني بعد فترة من التدريب، حيث يتمتع بالقدرة على تحويل نفسه إلى حلواني. الحلواني هو اسم وكذلك النجار، والرسام، والمهندس، والطبيب، والخياط، والكاتب، والشاعر، وغيرهم. كل اسم يدل على كمال وثروة، ومن الطبيعي أنّ الشخص الذي يحمل أسماء متعددة هو أكثر قدرة من الآخرين، حيث يستفيد من هذه الأسماء في مجالات متعددة، مما يضفي عليه غنىً وتأثيرًا أكبر. على سبيل المثال، الشخص الذي يجيد النجارة والهندسة يكون أكثر قدرة وثروةً من الشخص الذي يجيد الهندسة فقط.

يُطبق هذا الأمر أيضًا عندما نتحدث عن القرب من الله. إن لله أسماء عديدة مثل الرحمن، الرحيم، الجواد، الكريم، الغني، الحليم، الخلّاق، القادر، وغيرها، حيث يتفاوت عددها في النصوص الدينية المختلفة. نجد في القرآن الكريم، تسجيل 132 اسمًا،[1] وفي الروایات 99 اسمًا،[2] وفي الأدعية الخاصة كدعاء الجوشن الكبير، قد تم ذكر ألف اسم لله. وعلى الرغم من هذه الاختلافات، فإنها لا تشير إلى تعارض، بل تبرز أهمية وتميز كل اسم وصفة. بشكل عام، يمكننا القول إن أسماء الله تتجاوز الحدود وتتجلى بلا نهاية.[3]

يتم إدارة كل جانب من جوانب الكون من خلال تجليات أسماء الله، وبشكل أساسي لا يوجد في الكون شيء سوى تجليات أسماء الله في الكائنات، إلّا أن هذه التجليات متفاوتة ويظهر الله في كل مخلوق وفقًا لبنيته وهدف خلقه ببضع أسماء معينة. على سبيل المثال، تظهر الزهرة وجهًا لأسماء الله مثل “جميل” و”مصوّر”، حيث يكون تجليها متناغمًا مع هدف خلق الزهرة، ولا تحتاج إلى أسماء مثل “رب” أو “منتقم” التي لا تليق بطبيعتها. وفيما يتعلق بباقي المخلوقات، فإن الأمر مشابهًا. وأما الإنسان فهو الكائن الوحيد الذي تتجلى فيه كل صفات الله بكاملها وبعبارة أخرى هو أكثر الخلق شبهاً بالله ومثله الأعلى، و المعصومين(عليهم السلام) هم الذين تمكنوا من تجسيد جميع صفات الله في كيانهم، ولذلك يعتبرون نماذج فريدة وقدوات نستلهم منها في مسيرتنا في الحياة وقربنا من الله.

ضرورة وجود قدوة للقرب من الله

في ضوء هذه الأفكار والملاحظات التي تمت في المقالات السابقة، ندرك الآن سبب تقديم الله المعصومين لنا كقدوات. يكمن كمالنا الإنساني في القرب من الله والتشبه به، إذ يعد الله محبوبنا الرئيسي، ولايمكن الحفاظ على قلوبنا التي تعتبر جوهر وجودنا بسكينة وسرور إلا من خلال القرب من الله، كما أننا لا يمكننا أن نبني حياة إنسانية و إلهية في هذا العالم وبعد ذلك في الملكوت بدون القرب منه.  ومع ذلك، فإن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي المعرفة، ولأننا غير قادرين على معرفة الله إذ أن معرفة كائن ليس له حدود ولا مكان لا تتناسب مع فهمنا المحدود، لذا فإن علينا اللجوء إلى تجلياته لنتعرف عليه. ولكن إلى أي تجلي؟ لا تكون التجليات الناقصة لله كافية لتلبية احتياجاتنا! إننا مدعوون لنكون مشابهين للمحبوب، لذا يجب علينا أن نعرفه بكل كماله و كل صفات جماله وجلاله. هنا يأتي دور العقل والوحي ليساعدانا ويبرران لنا ضرورة وجود قدوة.

تعكس القدوة صورة وجه محبوبنا دون أي تحريف كالمرآة. من خلال النظر إلى هذه القدوة، يصبح بإمكاننا فهم متى يظهر الله كالرحمن والرحيم ويمنحنا الرحمة، ومتى يظهر كالجبار والقهار ويصب علينا غضبه؛ ومتى يظهر كالغفور والعفو، ومتى يكون منتقمًا يستعيد الحق؛ ومتى يظهر كستار للعيوب ويغطيها، ومتى يفضل هتك الستر بمصلحة ما. سيصبح من الصعب علينا فهم حدود أسماء الله وتفسيره بدون وجود القدوة، وبالطبع لا يمكننا البقاء على الصراط المستقيم.

يعتبر المعصومون(عليهم السلام) مربينا في رحلتنا للقرب من الله، ويجب علينا تقييم تصرفاتنا وأفعالنا في كل لحظة وفي كل موقف بمعيار تصرفاتهم لكي ندرك مدى اقترابنا من الله وكمية أسماء الله التي اكتسبناها. تعتمد قيمة كل إنسان على قدر التشابه بينه وبين الله، وعلى عدد الأسماء الالهية التي قد حصل عليها. كلما ازداد الفرد استيعابًا لجذب المزيد من أسماء الله، زاد قربه واقترابه من الله. يمكن الوصول إلى هذه الكمالات للجميع، ولا يوجد استثناء في هذا الميدان، لأننا جميعًا نحمل روحًا إلهية قادرين بطبيعتنا على أن نتشبه بالله في صفاته. تكمن الإشارة إلى هذه القدرة في الحب الذي نحمله نحو هذه الكمالات، وفي السرور الذي نستمتع به بسبب امتلاكنا لهذه الصفات أو رؤيتها في الآخرين. يستمتع جميع البشر بالسخاء، والكرم، والرحمة، والقوة، والعلم، والإبداع، والاستغناء، وغيرها، وغيرها… ووفقًا لما تم ذكره في دروس قوانين الأماني والطلب فإن هذا يدل على أن لديهم القدرة الكامنة لاكتساب هذه الكمالات.

في المقالات التالية سوف نشرح بتفصيل أكبر كيفية عمل أسماء الله ودورها كأدوات للحياة.

[1] . مفاهيم القرآن المؤلف : السبحاني، الشيخ جعفر ، الجزء : 6 ، صفحة : 105.

[2]. عن النبی صلی‌الله‌علیه‌وآله: «إن لله تبارك و تعالی تسعة و تسعین اسما – مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة.» صدوق، ابی جعفر محمد بن علی بن حسین؛ التوحید، بیروت، دارالمعرفة، الصفحة194.

[3] . ابن‌ عاشور، محمد بن‌ طاهر؛ التحریر والتنویر، بیروت، مؤسسة التاریخ، 1420ق، الطبعة الاولى، الجزء ‌8، الصفحة362.

اكتب رأيك