إثبات المعاد و الحياة الآخرة باستخدام الأدلة العقلية والفطرية
ما هي أدلة إثبات المعاد أو الحياة الآخرة، وكيف يمكننا أن نكتشف وجود الآخرة؟ وما البرهان الذي يُلزمنا بقضاء سبعين إلى ثمانين عامًا، أو أكثر أو أقل، وسط التحديات والصعوبات، لنترك هذا العالم بعد ذلك؟ ماذا عن الصعوبات والتجارب القاسية التي تحملناها والظلم الذي تعرضنا له؟ إذا كان من المفترض علينا تحمل هذه الأعباء الثقيلة، فلماذا خُلِقْنا بالفطرة في البحث عن حياة مليئة بالراحة؟ ولماذا يكون اشتياقنا دائمًا للعيش في رفاهية وراحة مطلقة؟ ماهو أصل هذا الحنين وأين يكمن الجواب على هذه التساؤلات الفلسفية العميقة؟
تأمل الليالي التي تذهب فيها إلى سريرك متعباً و مرهقا بعد يوم مليء بالجهد، حيث تعجز عن النوم بسبب الإعياء الشديد. يخطر على بالك شريط من المحن التي عشتها طوال اليوم؛ شكاوى شريك حياتك، أذية الأطفال، والتوبيخات والتوجيهات غير اللائقة من رؤسائك وزملائك، والدُّيون التي يتعين عليك دفعها ولكن ليس لديك الموارد الكافية، وصوت جارك الذي لا يهتم إذا كان الوقت ليلاً أو نهاراً، وتقلبات الطقس، وازدحام المرور، والمشاكل العديدة التي تتراكم على رأسك وتتطلب منك التعامل معها من الصباح حتى المساء…
في ظل هذا التفكير، لا يبدو هناك فرق بين العيش بصحة أو بدونها؛ أو أن نحاول لكي نكون صالحين أم نصبح مجرمين؟ وهل هناك فرق إذا سرقنا أو رضينا بما نملكه؟ هل عوقب من قام بجمع ثروات غير مشروعة وامتلأت جيوبه بأموال الآخرين؟ إذا كانت الحياة هي هكذا، وإذا كان كل شيء يتلاشى مع الموت، فلماذا نحدد حياتنا بالقيود الأخلاقية؟
قد تراودنا مثل هذه الأسئلة مرة واحدة على الأقل، وإذا نظرنا إليها من منظور العقل، ستظهر بسهولة أن الحياة لا يمكن أن تكون مجرد ملخص لهذه الأيام القليلة التي نعيشها في هذا العالم. بالطبع يوجد هناك عالم آخر بعد الدنيا، يختلف تمامًا عن النظام الذي يحكم عالمنا الحالي. هذه الأمور وقضايا مشابهة أخرى التي نشرحها هنا، ستوجه عقولنا نحو إثبات وجود المعاد.
إثبات المعاد باستخدام قانون النسبة
سبق وأن تطرقنا إلى قانون النسبة وأشرنا إلى أن “العلاقة بين الدنيا والآخرة تشبه العلاقة بين رحم الأم والدنيا“. إن فهم هذه القاعدة يساعدنا على توضيح فكرة المعاد. لا يحتاج الجنين إلى فضاء وهو في رحم الأم الضيق والمظلم، ولا عيون للرؤية، ولا أذنين للاستماع، ولا دماغ للتفكير، ولا أطراف لأداء المهام التي يتوجب عليه أن يؤديها في الرحم. يكتفي بأن يكون متصلًا بسرة الأم ويتغذى. لكنه يعمل بجد على مدى تسعة أشهر ويقوم ببناء أعضاء لا يحتاجها داخل رحم الأم. لماذا؟ لأنه يعلم أن بيئته ستتغير قريبًا، و وأن العيش في العالم الجديد يتطلب معدات جديدة.
لنفترض أن قانون الخلق يقتضي أن كل جنين يختنق ويختفي في لحظة الولادة! ولكن ماذا عن جهود الجنين والأشهر التسعة التي قضاها بجهد و عناء؟ إذا كان من المفترض أن تختفي جميع الأجنة في لحظة الولادة، ماذا كان معنى الحمل أصلاً؟ هذا الفراغ والبلاهة ليس مقبولًا من منظور العقل السليم، ويدرك جميع البشر بدون استثناء أن الجنين خلق للولادة في الدنيا، وليس للعدم والزوال. اعتبار الدنيا دون الآخرة يشبه بشكل تام مثل اعتبار فترة الجنين بدون الدنيا. يتعارض هذا الاعتقاد تمامًا مع العقل ويُعد دليلاً قويًا على إثبات المعاد.
هناك نُقطة أخرى تستحق الاهتمام وهي أنه في المرحلة الأولى يكمن رحم الأم في قلب الدنيا، ثم ترسل الدنيا جزءًا من ذاتها (الحيوان المنوي) إلى داخل الرحم. ويتحد هذا الحيوان المنوي مع البويضة ليتحول إلى جنين ليعود بعد ذلك إلى الدنيا مجددًا. وبالتالي، يظهر أن الجنين لا يأتي إلى الدنيا بمجرد “ولادته”، بل كان منشأه في الدنيا منذ البداية ويعود إليها بعد الولادة. تتجلى هذه العلاقة بين الدنيا والآخرة بهذا الشكل أيضاً، إذ أن الدنيا هي متواجدة في قلب الآخرة، والآخرة هي البيئة المحيطة بالدنيا.[1] كانت روحنا في الملكوت السماوي (البرزخ) قبل أن نولد، وستعود مجددًا إلى هناك بعد رحيلنا. ولهذا السبب يُستخدم مصطلح “المعاد” بمعنى “العودة” لوصف الآخرة وحركة الإنسان نحو مبدئه.
إثبات المعاد باستخدام الخصائص الفطرية
تكمن إحدى أبرز الدلائل التي تشير بوضوح إلى إثبات المعاد في وجود سماتنا الذاتية والفطرية. نحن كبشر، نتمتع بمیول طبيعية لا يمكن تلبيتها في الدنيا أبداً، مثل الرغبة في الراحة والتمتع المطلق. نحن نميل نحو الراحة بالفطرة ونکره التحديات. نتوق إلى تجربة جمال الحياة واللذة دون أن يعكر صفونا أي قلق أو يعيق فرحنا أي مانع. ومع ذلك، فإن قوانين الدنيا تتناقض مع آمالنا و لا تقدم لنا متعة إلا إذا كنا مستعدين لتحمل عبء ثقيل على أكتافنا. على سبيل المثال، يأتي الاستمتاع الجنسي مرفقًا بالتعب وتحليل لقوى الجسم، وإذا تجاوز الاكتفاء حدوده، يترتب عليه عواقب خطيرة على الصعيدين الجسدي والنفسي. وتتوقف متعة تناول الطعام على تحمل التحديات وكسب العائد المال، بالإضافة إلى إعداد المواد الغذائية وطهيها. وحتى وأننا لا يمكننا أن نشبع جوعنا بمقدار رغبتنا! لأن سعة معدتنا تكون محدودة.
إضافة إلى ذلك، نجد أنفسنا غیر قادرين على أن نكون في مكانين مختلفين في لحظة واحدة، حيث يفرض علينا هذا القيد حدودًا على استمتاعاتنا. لو كنا أغنى شخص في العالم وامتلكنا فللًا فاخرة في أفضل مناطق الدنيا، يظل غير ممكن الاستمتاع بها في نفس اللحظة. لأنّ روحنا تتوارج داخل سجن الجسد، والجسم بدوره مقيد بالزمان والمكان. وهناك نقطة أخرى في البحث عن المتعة، هي أن الروح بفعل طبيعتها اللامتناهية، تشعر بالملل من المتع التكرارية وتتوجه نحو متع جديدة باستمرار، إلا أن الدنيا لا تمتلك القدرة على تلبية هذه التطلعات بشكل دائم، لأنها تفتقر إلى تلك القابلية.
إحدى الرغبات الطبيعية الأخرى التي لا تمتلك الدنيا القدرة على تلبيتها هي الرغبة في البقاء والخلود. لا يتقبل أي إنسان فكرة الزوال والفناء، وهذا يشكل سبباً رئيسيًا لرهبة الكثيرين تجاه الموت. نحن نحلم بالعيش إلى الأبد، غير أنّ الدنيا لا تمكنه تحقيق هذا الحلم؛ لأن طبيعة الدنيا تعتبر الزوال أمرًا حتميًا.
استنادًا إلى القانون الأول في الأمنيات، ما هو غير موجود لا يمكن أن يكون منشودا. بمعنى آخر، إذا لم تكن لدينا أي معرفة بوجود شيء، أو إذا لم يكن ذلك الشيء موجودًا على الإطلاق، فلن تنشأ فينا رغبة نحوه، لأنه لا يمكننا أن نتمنى العدم. لذا، إذا كنا نتوق إلى الخلود وتجربة اللذة والراحة بشكل كامل، فإن هذا الشعور يكون بالضرورة موجهًا نحو شيء خارجي في العالم، وبالتأكيد هناك عالم قد تم تصميم نظامه وفقًا لتلك الرغبات. يُعَتَبَر هذا دليلاً آخر على إثبات المعاد، ويُشار إليه في النصوص الإسلامية بمصطلح “برهان الفطرة“.
إثبات المعاد باستخدام برهان العدل
يظهر نظام العقاب والثواب الذي يدير الحياة الدنيا، من ضمن آخر دواعي إثبات ضرورة المعاد. ليس بإمكان الدنيا أبدًا تعويض الأعمال الصالحة بشكل كامل، أو معاقبة الأشرار كما يستحقون. عندما تنقذ حياة شخصٍ ما من الموت، فأنت تُخرِج روحه من الفساد والضلال، وتُحدِث تحوُّلاً في حياته. في أحسن الحالات فإنّه يشكرك، أو أنه في النهاية يقدِّم لك هديةً كتعبير عن امتنانه. وكثيرًا ما لا يحدث ذلك أيضاً، أي أنه قد لا يشكر العديد من الأشخاص شكرًا جافًا فحسب، بل وقد يقابلون الإحسان بالإساءة! كما أن عباداتنا أيضًا ليس من المنطقي أن يثيبنا الله على أكملها في الدنيا، لأنه حتى لو منحنا الله كل نعم الأرض كجزاء أعمالنا الصالحة، فإنه ليس بإمكاننا استغلالها بأكملها، لأن حياتنا محدودة وروحنا محصورة في سجن الزمان والمكان ولا تستطيع الاستمتاع بكل تلك النعم. لا يمكن الاستمتاع المتزامن بمليارات النعم و اللذائذ إلّا في الجنة.
الحقيقة المؤكدة هي أن الدنيا لا تحمل بين ثناياها القوة الكافية لتقديم عقوبة مناسبة للمجرمين والمنحرفين الذين قاموا بتدمير حياة الملايين من البشر، واختطافهم، وقتلهم، ونهب ثرواتهم، وتهديم أسرهم، وزرع الانحراف في أفكارهم ومعتقداتهم… كيف يمكن تحديد جزاء يتناسب مع جرائمهم المروعة؟ يكمن الجواب في أنه لا يمكن تحقيق مثل هذه العقوبة في الدنيا وإنّما يظل هذا الأمر محصورًا في الجحيم حيث تتاح تلك القدرات.
إثبات ضرورة المعاد من خلال التركيز على خلود الروح
في إضافة دليل آخر على ضرورة المعاد وإثباته، نوجّه انتباهنا إلى خلود الروح. قد أثبتنا في المقالات السابقة أن الإنسان ليس مجرد جسد مادي وإنّما هو كائنٌ ذو بُعدَين يتألف من جسم وروح. يتلاشى الجسم بعد الموت ويبدأ بالتحلل والتفكك ويفنى كله، فيما تظل الروح حية ومستمرة في حياتها. كما أكّدنا أيضًا على خلود الروح، إذ هي مجردة والكائنات المجردة لاتزول. استنادًا إلى هذه الحقائق، لا بد و أن هناك عالم يتناغم مع بنية أرواحنا بالتأكيد، لكي يتسنّى لنا مواصلة حياتنا بعد الموت في صورة كائن خالد وأزلي، وذلك في عالم الآخرة.
في هذا المقال، لقد تم استعراض أدلة عقلية وفطرية قوية على إثبات المعاد، وهي نقاط يمكن فهمها بسهولة من قبل جميع الأفراد بغض النظر عن انتمائهم أو معتقداتهم. هناك أيضًا أدلة أخرى هامة لدعم فكرة المعاد، منها الأدلة القرآنية والروايات والبراهين المبنية على معرفة الله والتي لا نتناولها في هذا السياق.
إذا كانت لديكم أي أسئلة أو استفسارات حول المواضيع المطروحة، يمكنكم أن تشاركونا بها في قسم التعليقات.
[1] . «إِنَّ مَعَ الدُّنیا آخِرَۀٌ وَ الآخِرَۀُ مُحیطَۀٌ بِالدُّنیا»، بحارالأنوار، ج 30، ص72