ما هي العوامل المؤثرة في استعداد الانسان للولادة الأخروية؟

جدول المحتويات
ما هي العلاقة بين استعداد الإنسان للولادة الأخروية وبين الثروات الإنسانية والغفلة؟

ما هي العلاقة بين استعداد الإنسان للولادة الأخروية وبين الثروات الإنسانية والغفلة؟

سواء كنا على شفا ولادة جديدة في الدنيا أم في عالم الآخرة، فإن الأمر الأساسي والأهم بالنسبة لنا هو ما نحمله معنا. إن وجودنا هو الثروة الوحيدة التي نستطيع أن نحملها معنا لذلك العالم الجديد، وفي النهاية سيكون العامل المحدد لمدى استفادتنا وصحتنا في تلك اللحظة الحاسمة للولادة. لذا، فإن أولى خطواتنا في استعدادنا للولادة الأخروية هي بناء وجود سليم، تماماً كما يحدث في استعدادنا لولادتنا في الدنيا.

يعد موضوع الولادة ودخولنا إلى عالم جديد أحد أهم التحديات التي نواجهها، إذ يمثل الأساس الذي يحدد كافة خطواتنا اللاحقة في البيئة الجديدة. سواء كانت تلك التجربة مليئة بالراحة أو الصعوبة، والسكينة أو الألم، والفرح أو الحزن، فإن كل ذلك يعتمد على طبيعة دخولنا إلى هذا العالم الجديد وما نحمله معنا. ومن المهم أن ندرك أنه ليس لدينا فرصة للتعويض بمجرد خروجنا من بيئة الرحم. بعد الولادة وانتقالنا إلى خارج الرحم، نحتفظ بجهودنا وثرواتنا الحقيقية، إذا كانت هذه ناجحة فإنها ستصبح جزءًا من أدواتنا الحياتية في تلك البيئة الجديدة، وإذا فشلت بسبب إهمالنا وقصورنا فإن ذلك سوف يتركنا في حالة عجز ونقص.

العنصر الأكثر أهمية في استعدادنا للولادة الأخروية هو مدى اكتسابنا للثروات الحقيقية، فهناك جوانب أخرى يجب مراعاتها في هذا السياق، مثل كيفية تحويل أعمالنا إلى ثروات وكيف يؤثر الإهمال في فترة الحمل أو في محيط الدنيا على ثرواتنا واستعدادنا للولادة الأخروية. هذه هي المواضيع التي سنتناولها في هذا المقال.

الفرق بين العمل والثروة والأدوات

الجوهر الحقيقي هو أن تكون أعمالنا، سواء في هذه الدنيا أو في الآخرة، ذات فائدة لنا إذا أدت إلى صنع الأدوات.  فكما هو الحال في حال الجنين في رحم الأم، فإنه مهما بذل من الجهد في بناء قلبه ورئتيه، إلا أنه إذا لم يتمكن في النهاية من تكوين قلب أو رئة سليمة، فإن كل ما قام به يصبح بلا جدوى. ربما تؤدي جهوده في النهاية إلى ظهور بعض الأعضاء التي تشبه القلب أو الرئة إلى حدٍ ما، لكنها لن تكون قادرة على أداء الوظائف المطلوبة من القلب والرئة في الجسم. بالواقع، يتعين على الجنين أن يكون مستمرًا ومتكررًا في أعماله، حتى يتمكن في النهاية من صنع أدوات مناسبة وملائمة للظروف المعيشية في الدنيا.

وهكذا، تظهر الأدوات اللازمة لنا في الحياة الآخرة نتيجة لتكرارنا واستمرارنا في الأعمال التي نقوم بها في هذه الدنيا. فنحن لن نكتسب سمعة اللطف والعطف إلا إذا كنا متسمين بهذه الصفات من خلال التصرف بلطف وعطف مرارًا وتكرارًا، وبالمثل، لن يُلقب أحدنا بالكرم إذا قدمنا الهدايا للآخرين بضع مرات فقط، بل يجب أن يكون هذا العمل متكررًا بما يكفي ليصبح جزءًا من شخصيتنا وسماتنا، وبذلك نصبح جاهزين لولادتنا في الآخرة.

إنّ الأعمال التي نقوم بها في هذه الدنيا ليست بالضرورة من ثرواتنا في الآخرة. في الواقع، لنجني ثمار تلك الأعمال في الآخرة، يجب أن نؤديها مرارًا وتكرارًا حتى تتحول إلى الثروة في تلك الحياة الأخرى. إذا لم تملك أعمالنا هذا التأثير، فستبقى مجرد أعمال صالحة نُؤجَر عليها في الآخرة، بينما نحن بحاجةٍ ماسة إلى أدوات تساعدنا على أن نولد في الآخرة في حالة سليمة ونتمتع بنعمها. ويجب أن تكون هذه الأدوات مناسبة لظروف الحياة الآخرة وتتحول إلى ثرواتنا فيها.

نُعرض علينا الأبدية في عالم الآخرة، مما يستلزم توفير الأدوات اللازمة لنا على مدى هذه الأبدية. يشبه ذلك حاجة الطائر إلى جناحين للطيران في الدنيا، حيث يتم توفير وسيلة مؤقتة له للطيران، ولكنها بالتأكيد دون جدوى. إن الطائر بحاجة إلى الجناح كأداة لتحقيق كامل قدراته والاستمتاع بكل لحظة في هذه الحياة. بالمثل فإن الأعمال الصالحة لن تكفي ما لم تتحول إلى ثروات، إذا كنا مواجهين للبقاء الأبدي، فعلينا أن نكون مستعدين لولادتنا الأخروية أو الأبدية.

الغفلة عن الاستعداد للولادة الأخروية

قلنا سابقاً إنّ عملية الصيرورة وصنع الأدوات في رحم الأم لعالم الدنيا، وإعداد الإنسان في رحم الدنيا للآخرة، تعد جميعا عمليات متواصلة وغير منقطعة. فالجنين الذي يتشكل في بطن الأم وفقًا لبرنامج معين مسبقاً يخضع دائماً لعملية التطور لكي يولد بصحة جيدة إلى الدنيا، وأي غفلة مؤقتة في هذه العملية أو تحول عن الهدف المحدد، قد يؤدي إلى تعثر في البرنامج أو حتى انعكاس وانحراف فيما تم بناؤه حتى الآن، مما ينتج عنه عدم تحقيق الجنين لوضعية الولادة السليمة.

إننا لا نعيش في رحم الأم في المحايدة، بل نتطور باستمرار ونقوم ببناء الأدوات لنتكيف مع البيئة التي سنُولَد إليها. تسير حياتنا إما إلى الأمام أو الخلف. بعبارة أخرى، بغض النظر عن ما نريد، فإنا مادمنا في رحم الأم، ستحدث هذه التغيرات والتطورات ولا تؤثر إرادتنا أو عدمها، أو حتى وعينا أو جهلنا، على مسار تطورنا المستمر والعملية المستمرة لبناء الأدوات. ونحن في كل لحظة إما في الحركة والبناء لتحقيق هدف خلقنا والتأهيل للمستقبل ، أو بالعكس نسير للوراء ونضيع الوقت ونُدمّر ما اكتسبناه.

وعلى عكس حركة الجنين التي هي بلا إرادة تكوينية، فإن حياتنا في رحم الدنيا تكون تمامًا بإرادتنا، وهي كفيلة بأن تُفقدنا لحظة صغيرة من الوعي بغايتنا من الخلق وأبعادنا الإنسانية، إذا استولت الأبعاد الدنيوية على سيطرة وجودنا وحوّلتنا بعيدًا عن الاستعداد للأبدية التي تنتظرنا. في مثل هذه الحالة، نجد أنفسنا عرضة للخطأ في قراراتنا وعلاقاتنا وخياراتنا، ونفقد بسهولة فرصة الاستعداد لولادتنا الأخروية وظروف حياتها التي تم إعدادها لنا في رحم الدنيا. باختصار فإننا نقوم بانفاق عمرنا في التركيز على أمور قد لا تؤثر على آخرتنا، أو قد تسبب ولادة غير سليمة لنا فيها، مما يجعل الأبدية تكون مصحوبة بالعذاب والصعوبات بالنسبة لنا.

استعرضنا في هذا المقال أهمية اقتناء الثروة لتأقلمنا مع ظروف حياة الآخرة. أشرنا إلى أن استعدادنا للولادة الأخروية ليس مرتبط فقط بأداء الأعمال، بل يعتمد أيضًا على نوع الأعمال وطريقة تنفيذها واستمراريتها. ينبغي لنا أن نبقى مستمرين في تكرار أعمالنا بما يكفي لتحويلها إلى إسم وثروة لنا. إن استعدادنا للحياة في الآخرة يعتمد بالفعل على مدى توفر الأدوات التي سنحملها معنا إلى هناك، وأي إهمال في بناء تلك الأدوات في ظروف الدنيا الرحمية قد يؤدي إلى أبدية مصحوبة بالعذاب والصعوبة.

هل أنتم مهتمون أيضًا في تحويل أعمالكم الصالحة إلى ثروة؟ ما الذي اكتسبتموه للأبدية التي ستواجهونها في الآخرة؟

اكتب رأيك