القضاء والقدر: جبرٌ أم اختيار؟
يُعدّ موضوع الجبر والاختيار من أكثر المسائل إثارةً وأهميةً وتحديًا في الفكر الإنساني، وقد تباينت الآراء حوله، وهو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمسائل أخرى بالغة الأهمية، مثل قانون القضاء والقدر. في هذا السياق، يرى بعض الفلاسفة والمفكرين أن الإنسان مُسيَّرٌ لا مُخيَّر، ويؤمن هؤلاء بـ”الجبر” يعتقد أصحاب هذا الرأي أننا جميعًا نولد بـقدر ومصير محدد مسبقًا، وأننا لا نملك القدرة على تغيير هذا المصير. وبالتالي، نحن مجبرون على قبوله والرضا به، لا محيص لنا عنه. يُصوّر هذا الفريق الإنسانَ ككائن بلا إرادة حرة، يأتي إلى الدنيا بنهاية مقدرة سلفًا. من الجدير بالذكر أن مثل هذا الاعتقاد، وإن اختلفت درجاته، منتشر في أوساط الكثيرين من حولنا. فكم من مرة سمعنا أشخاصاً يعزون مجريات حياتهم كلها إلى “القدر والنصيب”! ففي مسألة الزواج واختيار الشريك مثلاً، كثيراً ما تُقال عبارة: “كلٌّ ونصيبه”، وإذا آل حال زوجين إلى الطلاق، تتردد جمل من قبيل: “مسكين، كان نصيبه سيئاً”. و هذه العبارات تحمل ضمنًا فكرة أن شريك حياة كل فرد ومصير زواجه قد تحدد سلفًا، ولا يد للشخص فيهما.
- لكن، ما المقصود حقاً بـ”النصيب” و”القَدَر”؟
- هل القدر مصير محتوم ومكتوب سلفًا لنا؟
- هل نحن مجرد دمى تُحركها خيوط القدر كيفما يشاء؟
- ومن جهة أخرى، إن كنا نؤمن بالاختيار، فأين تكمن مشيئة الله وإرادته؟
· وهل تتعارض مشيئة الله وإرادته مع إرادتنا واختيارنا الحر؟
لقد أوضحنا في الدروس السابقة أن السنة الإلهية، وقانون القضاء والقدر، يقتضيان أن كل “قَدَرٍ” يستتبع “قضاءً”(أي نتيجة حتمية). بمعنى أن كل قرار نتخذه أو خيار نختاره في حياتنا يحمل قيمة معينة ويُفضي إلى نتيجة لا مفر منها. نحن أحرار في اختياراتنا، وعلينا أن نتقبل تبعات تلك الاختيارات.
لذلك، فإن قانون القضاء والقدر الإلهي مُعدٌّ ومُنظَّم بما يتوافق مع حرية الاختيار؛ فالمخلوق الذي لا يملك حرية الاختيار لا يمكن أن يكون مسؤولاً عن تبعاتها. فإنّ قسمًا كبيرًا من مصيرنا لا يُفرض علينا، بل نحن من نصنعه بأيدينا ونُحاسب عليه وفقًا لما اخترناه. فعلى سبيل المثال، إذا اختار الإنسان شريك حياته مستهترًا دون تمحيص أو استشارة ذوي الخبرة، فإن عاقبة هذا الزواج لن تكون سوى المشاكل والخلافات الزوجية أو الانفصال، وهذا نتيجة مباشرة لذلك القرار. لكن هذا يفتح الباب أمام سؤال مهم: ما موقع مشيئة الله وإرادته في القضاء والقدر؟ أليست مشيئة الله تعني الجبر والإكراه؟ لكي نفهم العلاقة بين القضاء والقدر من جهة، و مشيئة الله وإرادته من جهة أخرى، لا بد من أن نُوضّح كيف يرتبط قانون القضاء والقدر بالإرادة الإلهية، حتى يتجلّى أمامنا المعنى الحقيقي لمسألة الجبر والاختيار.
كيف يمكن أن تجتمع مشيئة الله مع اختيارنا البشري؟
عند التأمل في مسألة الجبر والاختيار، من اللافت للنظر أن قانون القضاء والقدر يتوافق تماماً مع مشيئة الله وإرادته من جهة، لا يتعارض أبداً من جهةٍ أخرى مع إرادة الإنسان واختياره! فلا شك أنه لا يحدث أي شيء في نظام الوجود إلا بإرادة الله ومشيئته، حتى إن ورقةً واحدة لا تسقط من شجرةٍ إلا بإذنه،[1] وحرية الاختيار لدى الإنسان ليست استثناءً من هذه القاعدة الكونية.
لقد بيّنا أن قانون القضاء والقدر، الذي هو ذاته قانون العلة والمعلول أو الفعل ورد الفعل، قد تأسس على إرادة الله ومشيئته التي قضت بأن يكون الإنسان مختاراً، حراً في انتقاء المسار الذي يشاء في حياته. هذا يعني أن كل ما نختاره بإرادتنا الحرة، وكل قرار نتخذه، يُفضي إلى نتيجة حتمية أو “قضاء”؛ وكل ذلك يقع ضمن إرادة الله. وعلى هذا الأساس، فإن اختيارنا البشر لا يتعارض مع مشيئة الله وإرادته، بل يسير في إطارها. إذن، في مسألة الجبر والاختيار، يجب التأكيد على أن مشيئة الله وإرادته لا تعنيان الجبر. فعلى سبيل المثال، حين يختار الطالب الجدّ والاجتهاد طوال العام الدراسي، فستكون النتيجة الطبيعية هي النجاح والتفوّق. أما إذا اختار الكسل والإهمال، فستكون العاقبة الرسوب أو الفشل. كل هذه الأمور تخضع لقانون الله، وفي الوقت نفسه نابعة من إرادة الإنسان نفسه. فلو لم يكن الأمر كذلك، لفقدت الحياة معناها، إذ إن الامتحانات الإلهية، والأعمال الصالحة والمثوبة، والمعاصي والفساد، والثواب والعقاب، والجنة والنار… كلّها لا تكتسب معناها إلا عبر إرادتنا واختيارنا.
ولكن من الضروري أن نُشير إلى أن مشيئة الله في منح الإنسان حريةَ الاختيار، لا تعني أبداً أنّه راضٍ عن كلّ ما يفعله الإنسان. فعندما يتناول إنسانٌ السم ويموت، فإنه قد اختار “قدر”- بإرادةٍ وهبه الله إياها- تناول السم، ما أدى إلى قضاء الموت، لكن هذا لا يعني أن الله راضٍ عن انتحار عباده. لقد منحنا الله حرية الاختيار كي نسير بإرادتنا في درب العبودية، ونسعى لاكتساب الأسماء والصفات الإلهية والملَكات الإنسانية، ونبلغ سعادة الدنيا والآخرة، لأن سبيل النمو والتكامل الوحيد لنا هو أن نواجه في هذا العالم التناقضات والمفترقات، ثم نختار بإرادتنا الطريق القويم. ومع ذلك، هناك أمور لم يكن لنا فيها دور في الاختيار، مثل المدينة أو البلد الذي وُلدنا فيه، أو العائلة التي انتمينا إليها، أو الأمراض الوراثية التي خرجنا بها من رحم أمهاتنا. ولذلك، فمن الطبيعي أنه لن يُحاسبنا أحد على هذه الأمور، ولن يُحمّلنا الله مسؤولية ما لم نختره، وعلى هذا الأساس، وتحت عنوان “عدالة الله”، فإن كل إنسان يُحاسَب وفقاً لظروف حياته الخاصة، ويُوزَن عمله بميزان الإنصاف الإلهي.
في هذا الدرس تناولنا موضوع الجبر والاختيار، وبيّنا أن مشيئة الله قد اقتضت أن يكون الإنسان مخلوقًا مُختارًا، يعمل في الدنيا وفق إرادته، وأنّ اختياره هذا يجري ضمن مشيئة الله وإرادته. في إطار قانون القضاء والقدر، وضمن مشيئة الله، نملك حرية الاختيار، وكل قرار نتخذه يحمل قضاءً خاصًا به ونتيجة تترتّب عليه. فمثلاً، إذا اخترنا قدر الرياضة، فسوف نحظى بجسمٍ أقوى وأكثر صحة، والعكس صحيح. وعليه، في بحث الجبر والاختيار، لا بد أن نُدرك أن قانون القضاء والقدر الإلهي قائم على اختيارنا، وهذا الاختيار نفسه هو من مشيئة الله.
ما رأيك أنت في مسألة الجبر والاختيار؟ هل غيّرت هذه المقالة شيئاً من نظرتك؟ شاركونا آراءكم.
[1] وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا، سورة الانعام، الآية 59