مراحل حياة الإنسان؛ يعتمد اجتياز مسار الدنيا على المبدأ والمعاد
في بعض الأحيان، يتحتم علينا أن نتخيل الفراغ الذي يتركه غياب نعمة أو هبة حتى ندرك أهميتها الحقيقية. اسمح لنفسك أن تتأمل حياة خالية من النهاية، تبدأ منذ ولادتنا وتنتهي بالموت. في هذا السيناريو، يصبح وجودنا بأكمله مقتصرًا على مجرد بضعة سويعات، تشمل أفراحنا التي نستمتع بها، والتحديات و المآزق التي نواجهها. في هذه الرؤية، تنحصر مراحل حياة الإنسان من الولادة إلى الوفاة، والموت هو النهاية النهائية للحياة والوجود البشري. في هذه الفرضية وحتى في أفضل الظروف وأكثرها مثالية، فإننا نواجه مستقبلًا غير مستقر يمكنه أن يتلاشى في أي لحظة. وبالتالي، حتى في ذروة المتعة، سيسرق الخوف من الفقدان سلامنا الداخلي. إن العيش في عالم كهذا هو أليم ومحطم بالتاکید!
تعتبر معرفة المبدأ في سياق مراحل حياة الإنسان أمرًا بالغ الأهمية. ليس فقط لأنه يشكل نقطة الانطلاق للسير الإنساني، بل لأنه یحدد قيمته وقدره وسعة نظرته وذروة أهدافه وأحلامه، إضافة إلى أنه یوجه الحياة و یمنح الهوية للإنسان.
تخيل شخصاً يفتح عينيه ويجد نفسه في وسط صحراء، لا يتذكر من أين جاء ولا ما يملك، ولا حتى تعريفاً دقيقاً عن نفسه، وبالتالي فإنه لا يعرف قدراته. لهذا السبب، غالباً ما يشغل إنسان کهذا نفسه بالأمور السطحية المحيطة ويسعى فقط للتنقل عبر تيارات الحياة.
هذا هو حالنا تمامًا اذا عشنا حیاتنا غافلين عن أصلنا. إننا لا ندرك حقيقة مكانتنا وموقفنا الحقيقي، بل نشغل أنفسنا بالأمور التافهة والقضايا غير المهمة من حولنا. بما أنّنا غير عالمين بالأبدية التي تنتظرنا، فإننا نقضي فترات طويلة في التيهان غارقين في الشعور بالفراغ. إذا لم نكن على دراية بمراحل حياة الإنسان، وإذا لم نعلم من أين جئنا، فإننا لن ندرك إلى أين نتجه!
المبدأ والمعاد، يكملان بعضهما البعض
إن نقطة البداية للحياة هي التي تضع أساس حركتنا وتحدد مسارنا في العالم، لذلك فإن معرفة من أين نأتي مهمة جدًا ولكنها ليست كافيًة، لأنه لن يكون لدينا محرك للتقدم دون رؤية المستقبل. إذا لم نعرف إلى أين نتجه، فلن يكون لدينا دوافع وبالتالي لن نستخدم كل قدراتنا الوجودية. بالإضافة إلى ذلك، إذا لم ندرك مقصدنا المطلوب ولا نعرف شروطه وخصائصه، كيف نستعدّ ونجهز أنفسنا بالطريقة المناسبة لهذه الوجهة؟ أم كيف سنجهز الأدوات والمعدات التي نحتاجها في المقصد؟
إن الإنسان بصفته كأفضل مخلوق لله ينبغي عليه معرفة أن جميع مستويات الكون تم تصميمها وبناؤها بشكل متناسب مع وجوده.[1] لقد أخذ الله احتياجاتنا وصفاتنا في الاعتبار ثم خلق العوالم والكواكب متناسبة مع وجودنا. بناءً على ذلك، تنقسم مراحل حياة الإنسان إلى ثلاث: قبل الدنيا، والدنيا، وبعد الدنيا، ولدينا علاقة وجودية مع جميع هذه المراحل. لتحقيق السعادة، يجب أن نعرف من أين نأتي وأين نحن، وإلى أين نتجه.
وهكذا تصبح أهمية الدنيا كمكان نتواجد فيه الآن أكثر وضوحا، لأنّها الفرصة الوحيدة التي يمكننا من خلالها أن نعد أنفسنا لمستقبل مؤكد وأبدي يتناسب مع قيمتنا الانسانية. هذه الفرصة نفقدها بسهولة إذا لم يكن لدينا فهم صحيح للمكان الذي قد جئنا منه والمكان الذي نتوجه إليه.

أين سينتهي بنا المطاف في النهاية؟
ليس كل الضرر الذي نواجهه ينبع من عدم المعرفة، بل غالبًا ما ينشأ من فهمنا الخاطئ وتحليلنا الخاطئ للمسألة. على سبيل المثال، قضية الحياة الأبدية والمعاد[2]، هي ليست مجرد مسألة انتقال من هذا العالم إلى عالم آخر، بل هي عودتنا إلى عالم الآخرة. لا يقبل العودة إلّا مَن يعتقد أنه كان عند الله من قبل.[3] كلمة “العودة” تُستخدم فقط لمكان ننتمي إليه ونأمل أن نعود إليه. إن الذهاب إلى مكان نعرفه وكنا متعلقين به يختلف تمامًا عن الذهاب إلى مكان جديد وغير مألوف بالنسبة لنا.
من الناحية الفلسفية للإسلام، لا تقتصر مراحل حياة الإنسان في ما بين الولادة والموت ولا في مرحلة الدنيا إلى القيامة، بل إنّنا أتينا من مبدأ سوف نعود إليه عند انتهاء إقامتنا في هذه الدنيا. الحقيقة أنّ بداية رحلتنا هي من عالم تم تغطيته عن أعيننا اليوم. قبل أن نقبل مفهوم المعاد، يجب علينا قبول أننا كنّا في عالم آخر قبل هذه الدنيا و سنعود إلى هناك بعد ترك الدنيا. هذه هي نفس النقطة التي أثبتناها معًا في دراسة مفهوم الرغبة في اللانهاية والإتّجاه نحو الكمال، ولكن إذا كنا متواجدين في الآخرة قبل إيابنا إلى الدنيا، فما الذي أتى بنا إلى هذه الدنيا؟ لماذا تركنا منزلنا مكرهين ووجدنا أنفسنا مضطرين للمضي في هذه الرحلة المليئة بالمغامرات؟
في الواقع، إن سبب رحلة الإنسان هذه هي الصيرورة إلى كائن يشبه الله بلاحدود وذو كمالات لا نهائية. سنقوم بشرح ذلك أكثر في المقالات المقبلة، يكفينا حاليًا معرفة أننا يجب أن نحصل على جميع الكمالات التي وضعها الله فينا كإمكانيات محتملة عندما نسلك مسار الحياة في هذا العالم، بالإضافة إلى أن نكتسب الاستحقاقات اللازمة للعودة إلى منزلنا الأصلي.
في هذه المقالة، تحدثنا عن أهمية معرفة المبدأ والمقصد بالنسبة لنا. وشرحنا أن حياتنا لا تنحصر بين الولادة والموت، أو بين الولادة و القيامة، بل إن حياة الإنسان تنقسم إلى ثلاث مراحل: مرحلة ما قبل الدنيا، والدنيا، ومرحلة ما بعد الدنيا. ووضحنا أن معنى المعاد ليس فقط الذهاب إلى الآخرة، بل هو العودة إلى المنزل والمكان الذي کنا ننتمي إليه، والذي غادرناه عندما أتينا الدنيا. کما أن رغبتنا في اللانهاية تعود إلى كوننا لانهائيين في هذا الفراغ من الحياة. في النهاية، أشرنا بإيجاز إلى سبب هذه الرحلة وسير الإنسان فيها. سوف تقدم مقالة “الإنسان والمبدأ” معلومات شاملة حول بداية هذه الرحلة.
هل لديك فهم كافٍ للبداية ونهاية المسار الذي انت فيه؟ هل تشعر بأنه من الضروري أن تكتسب معرفة حول مراحل حياة الإنسان؟ يرجى مشاركة آرائك معنا.
[3] . سورة البقرة، الآية 156