تحجّر القلب وقساوته: المفهوم والفرق بين الحالتين

جدول المحتويات
ما هو مفهوم تحجّر القلب ولماذا يصل الإنسان إلى هذه الحالة؟

ما هو مفهوم تحجّر القلب ولماذا يصل الإنسان إلى هذه الحالة؟

ما الذي تثيره عبارة “تحجّر القلب” في ذهنك؟ قد يكون الانطباع العام في تعاملات يومية هو الإشارة إلى صفات مثل اللامبالاة، أو برود العلاقة، وما شابه ذلك. ولكن إذا نظرنا إلى هذا المفهوم من زاوية أحوال القلب وكمالات وجودية للإنسان، سنحصل على رؤى أعمق ومختلفة بلا شك.

نسعى في هذا المبحث إلى مناقشة ماهية تحجّر القلب، وسببه، والفرق بينه وبين قساوة القلب. لِنستعرض بدايةً بعضاً مما ذكرناه سابقاً: قلنا إنّ الثروة الحقيقية للإنسان هي قلبه. فمكانته الاجتماعية، ومستواه التعليمي، وثروته، وعرقه، وجنسيته، كلها مقتنيات مؤقتة لا يمكن، بسبب طبيعتها المادية، أن ترافقه في ولادته إلى الحياة الأخروية. بعبارة أخرى، تتشكل زادنا الأصلي من كمالات روحية ومدخرات باطنية اكتسبناها خلال فرصة العمر الدنيوي، وليس من كمالات مادية. وذكرنا أيضاً أن الإنسان، وفقاً لآيات القرآن الكريم، يمتلك كمالات وجودية وشؤوناً متعددة. وإن أدنى هذه الجوانب والكمالات الوجودية هو البعد الجمادي، والذي يشير إليه الله تعالى بـ القلب الحجري: “ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ”[1].

بناءً على هذه الآية، فإن كمالات بعض الناس تقتصر على مرتبة كمالات حجرية والجمادية، وتكون قلوبهم من حيث المرتبة الوجودية بمستوى الحجر. ورغم أن تحجّر القلب يُعد نوعاً من الكمال، إلا أن الحقيقة هي أن هذه المرتبة لا يمكنها أن تملأ إلا الحد الأدنى من سعة وجودنا؛ كمن يسكب قدراً ضئيلاً من الماء في خزان سعته آلاف اللترات ويترك الباقي فارغاً، فهو بذلك قد أهدر مواهبه وتجاهل إمكانياته. وإذا وُلد الإنسان إلى الحياة الأخروية بهذه المرتبة الوجودية المتدنية، فلن ينتفع من الحياة الأبدية إلا بقدر ذلك الزاد الروحي الضئيل، وهي حالة مؤلمة حتى مجرد تخيلها.

ولكن السؤال المهم هو: لماذا وتحت أي ظروف يحدث لنا تحجّر القلب؟ للإجابة نلجأ إلى مقولة معروفة قد تكون سمعتها: “أنت مع من أحببت” و”المرء مع من أحب”. هذه العبارات المختصرة تبين ببساطة أن القيمة الحقيقية لكل إنسان تعتمد على نوع رغباته وتعلقاته. وتنطبق هذه الحقيقة تماماً على تصنيف وتقييم شؤون الإنسان وكمالاته الوجودية. فمهما كانت وجهة رغباتنا وميولنا، فإن سمات ذلك البعد تُنقش في قلوبنا. وفي سياق تحجّر القلب، تتعلق الروح والقلب وتتوقفان في البعد الجمادي، وتُحرَمان من إدراك الكمالات الأعلى. والسبب هو الإفراط في التعلق والعشق للجمادات، كأثاث المنزل، وسيارات وموديلاتها، ومنازل واتساعها وكيفيتها، وما شابه ذلك، لدرجة أن تصبح هذه الأمور هي الأولوية الأولى للفرد. في ظل هذه الظروف، يتدهور القلب تدريجياً من المرتبة الإنسانية، ويُؤسر في البعد الجمادي، وبذلك يقع تحجّر القلب. ولكن ما هو الفرق بين تحجّر القلب وقساوة القلب؟

ما الفرق بين تحجّر القلب وقساوة القلب؟

إنّ تحجّر القلب وقساوة القلب هما مفهومان في سياق أحوال روحية وقلبية للإنسان، وقد يبدوان مترادفين للوهلة الأولى؛ ولكن الأمر ليس كذلك. فقساوة القلب لا تعني تحجّر القلب، بل تعني قلباً صار أشد قسوة من الحجر. لقد شاهدنا جميعاً، أثناء التجول في الطبيعة أو في أفلام تعرض مناظر طبيعية، حجارة تشققت وتدفقت من داخلها ينابيع صافية. ومن المثير للاهتمام أن هذا المشهد نفسه صوّره القرآن الكريم للإشارة إلى القلب الحجري: “وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ”.[2] وكأنّ قصد الله من هذا البيان هو لفت انتباهنا إلى هذه الحقيقة: أن تحجّر القلب لا يعني موت الروح الإنسانية، ورغم أن الإنسان لا يمر بحالة جيدة في هذا الوضع، إلا أنه لا يزال هناك أمل في التغيير والتحول لأصحاب قلوب متحجرة؛ بينما في حالة قساوة القلب، يغيب حتى هذا الأمل الضئيل في التحول.

قساوة القلب هي غلبة حالة في باطن الإنسان لا يمكن اعتبارها كمالاً، بل هي شدة في الظلمة والصلابة تتجاوز مراتب القلوب النباتية، والحيوانية، والحجرية. من يصل إلى هذه المرتبة لا يمتلك أي كمال، بل هو محروم حتى من حد أدنى للكمالات الجمادية والنباتية والحيوانية. ولهذا السبب، يضعه القرآن في فئة منفصلة ويميزه عن أصحاب القلوب الحجرية: “أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً”.[3] عندما تدخل قساوة القلب مراحل متقدمة، لا تبقى أي نافذة أمل لصحوة القلب؛ فلا تهز الفرد أي نصيحة أو تنبيه، ويصبح من المستحيل هدايته تقريباً بأي وسيلة. هذه هي أسوأ حالة يمكن أن يقع فيها الإنسان.

سنتحدث عن هذا المفهوم باستفاضة في الدرس القادم.

[1] . البقرة: 74

[2] . البقرة: 74

[3] . البقرة: 74

اكتب رأيك